76 ألفا.. ما حقيقة موجة النزوح "الواسعة" من إيران تجاه تركيا؟

"الهجرة لا تتحدد فقط بعوامل الخوف من الحرب، بل تتأثر أيضاً بموازين داخلية معقدة"
أعاد العدوان الأميركي الإسرائيلي ضد إيران، ملف الهجرة الإيرانية تجاه تركيا إلى دائرة الجدل الإعلامي والسياسي من جديد.
إذ نشرت صحيفة “يني شفق” التركية مقالاً للكاتب التركي "باران يَاغارجيك"، ذكر فيه أنّ منصات تواصل اجتماعي تداولت في الأسابيع الأخيرة روايات، تشير إلى وجود موجة نزوح واسعة من إيران تجاه تركيا، مدفوعة بمخاوف الحرب وعدم الاستقرار الداخلي.
إلا أن تحليل المعطيات الميدانية والبيانات الرسمية يكشف، بحسب الكاتب، عن فجوة واضحة بين هذه السرديات وبين الواقع الفعلي على الأرض.

معركة إعلامية
وقال الكاتب التركي: إن عدد المواطنين الإيرانيين الحاصلين على تصاريح إقامة في تركيا، وفقاً لبيانات إدارة الهجرة التركية، يبلغ قرابة 76 ألف شخص، وهو رقم لم يشهد تغيراً يُذكر مقارنة بالفترة ذاتها من العام السابق.
هذا الثبات النسبي في الأرقام إلى جانب استقرار حركة العبور على الحدود التركية الإيرانية ضمن مستوياتها الاعتيادية، يشير إلى غياب أي موجة هجرة استثنائية مرتبطة مباشرة بتطورات الحرب الأخيرة.
بالتالي، فإن الادعاءات المتداولة حول "تدفق جماعي" من إيران نحو تركيا تفتقر إلى سند إحصائي واضح في المرحلة الراهنة. وهذا التباين بين الخطاب الإعلامي والواقع الرقمي يفتح الباب أمام تساؤلات أوسع حول طبيعة إنتاج هذه السرديات ومصادرها.
إذ يُلاحظ أن بعض الأطراف التي سبق أن انخرطت في توظيف ملف الهجرة في سياقات سياسية داخل تركيا، تعيد اليوم إعادة إنتاج أنماط مشابهة من التأطير الإعلامي، عبر تضخيم بعض التحركات المحدودة أو قراءتها خارج سياقها الطبيعي.
وهنا تتحول الهجرة من ظاهرة اجتماعية-ديموغرافية إلى أداة في الصراع الرمزي وصناعة الرأي العام.
وأردف الكاتب أنه لفهم هذا الملف بشكل أعمق، لا بد من العودة إلى الخلفية التاريخية للعلاقة بين إيران وتركيا في سياق الهجرة.
إذ إنّ الهجرة الإيرانية نحو تركيا لا تُعَدّ ظاهرة طارئة أو مرتبطة بالأحداث الأخيرة، بل تمتد جذورها إلى مرحلة مفصلية في التاريخ الإيراني الحديث، وتحديداً بعد ثورة عام 1979.
فقد أدت التحولات السياسية التي أعقبت سقوط نظام الشاه محمد رضا بهلوي، وقيام الجمهورية الإسلامية إلى موجات هجرة واسعة، شملت شرائح سياسية واجتماعية متعددة، من مؤيدي النظام السابق إلى معارضين للنظام الجديد.
وتابع الكاتب بنّ بعض التقديرات البحثية تشير إلى أنّ ما يقارب المليون إيراني كانوا قد مرّوا عبر تركيا خلال العقود التي تلت الثورة، مستفيدين من عاملين رئيسين؛
الأول يتمثل في الإعفاء من التأشيرة الممنوحة آنذاك للمواطنين الإيرانيين بموجب اتفاقات ثنائية، والثاني يتمثل في موقع تركيا الجغرافي كمعبر إستراتيجي نحو أوروبا وأميركا الشمالية. بذلك لعبت تركيا دور "بلد عبور" أكثر من كونها وجهة نهائية لمعظم هذه الفئات.
وأضاف أنّه يجدر الإشارة إلى أنّ تركيا، بصفتها طرفاً في اتفاقية جنيف الخاصة بوضع اللاجئين مع تحفظ جغرافي، لم تكن قد منحت صفة اللجوء القانوني للقادمين من خارج القارة الأوروبية، بما في ذلك الإيرانيون.
وهذا الإطار القانوني كان قد جعل من الهجرة الإيرانية في تلك الفترة حركة انتقالية في الغالب، حيث استُخدمت تركيا كنقطة عبور نحو دول ثالثة. وهو ما أسهم لاحقاً في تشكّل الشتات الإيراني في دول مثل الولايات المتحدة وكندا وألمانيا.
أمّا اليوم، يُعد هذا الشتات من أكثر التجمعات الإيرانية تأثيراً خارج البلاد، وقد تشكّل جزءا كبيرا منه في تلك المرحلة التاريخية.
ومن اللافت للنظر بأنّ بعض مواقف هذا الشتات تجاه النظام الإيراني تتسم بحدة واضحة، وهو ما ينعكس أحياناً في مواقف سياسية داعمة للتدخلات الخارجية أو العمليات العسكرية ضد إيران، ونجد كيف ظهر هذا الأمر مجدداً في سياق التصعيد الأخير.

موازين معقد
وأشار الكاتب التركي إلى أنّ الهجرة لا تتحدد فقط بعوامل الخوف من الحرب، بل تتأثر أيضاً بموازين داخلية معقدة داخل الدولة المصدّرة للهجرة.
ففي الحالة الإيرانية، تشير بعض المؤشرات إلى أن التهديد الخارجي قد يسهم في تعزيز حالة من التماسك الداخلي، بدلاً من أن يؤدي إلى موجة نزوح؛ حيث تتراجع الدوافع الفردية للهجرة لصالح شعور جمعي بالدفاع عن الدولة في مواجهة تهديد مشترك.
ومع ذلك، تبقى تركيا واحدة من الوجهات الجاذبة للإيرانيين على المدى المتوسط والبعيد، ليس فقط بسبب القرب الجغرافي، بل أيضاً نتيجة الروابط الاقتصادية والعقارية المتنامية.
فقد أظهرت الإحصاءات خلال السنوات الأخيرة ارتفاعاً ملحوظاً في شراء الإيرانيين للعقارات في تركيا.
الأمر الذي جعلهم من بين أكثر الجنسيات نشاطاً في سوق العقار، وهو مؤشر على وجود نمط "استقرار انتقائي" وليس هجرة جماعية طارئة.
من زاوية أخرى، يكشف هذا الملف عن إشكالية أوسع في طريقة تعامل تركيا مع قضية الهجرة.
إذ لا تزال الغلبة للمقاربة الأمنية والإدارية؛ حيث تُفهم الهجرة في الغالب بصفتها مسألة ضبط حدود وتنظيم إقامة، أكثر من كونها مجالاً إستراتيجياً متعدد الأبعاد.
في حين أن التجارب الدولية تشير إلى أن الهجرة يمكن أن تشكل أداة فعالة ضمن أدوات "القوة الناعمة"، إذا ما أُحسن توظيفها ضمن رؤية متكاملة.
وأردف الكاتب بأنّ تركيا، بحكم موقعها الجغرافي وتاريخها الثقافي وشبكة علاقاتها الإقليمية، تمتلك إمكانات كبيرة في مجال الدبلوماسية العامة وإدارة الصورة الدولية.
وقد بدأت بالفعل خطوات مؤسسية في هذا الاتجاه؛ من خلال مؤسسات مثل وكالة التعاون والتنسيق (تيكا)، ومؤسسة يونس إمره، ورئاسة أتراك الخارج والمجتمعات ذات القربى، إلى جانب دور الإعلام الرسمي التركي في تعزيز الحضور الدولي.
من هنا فإنّ ملف الهجرة لا يزال بحاجة إلى رؤية أكثر تكاملاً، بحيث تتجاوز البعد الأمني إلى البعد الاستراتيجي. فإِدارة الهجرة يمكن أن تتحول من عبء إداري إلى أداة تأثير سياسي وثقافي، إذا ما تم إدماجها ضمن سياسة خارجية ناعمة طويلة الأمد.
في ضوء ذلك، يمكن القول إن المعطيات الحالية لا تدعم فرضية وجود موجة هجرة إيرانية استثنائية نحو تركيا نتيجة الحرب الأخيرة.
لكن في الوقت نفسه، لا يمكن التعامل مع الملف بصفته مستقراً بشكل نهائي، وذلك نظراً لطبيعته الديناميكية المرتبطة بتقلبات الجغرافيا السياسية في المنطقة.
بناءً عليه، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في رصد الأرقام فقط، بل في تطوير أدوات تحليل واستشراف، قادرة على فهم تحولات الهجرة ضمن سياقاتها السياسية والاقتصادية والأمنية، وذلك بما يتيح لتركيا بناء سياسات استباقية أكثر شمولاً وفاعلية في التعامل مع هذا الملف المعقد.

















