الإمارات الأكثر اندفاعا.. لماذا تنقسم مواقف الخليج تجاه التقارب الأمني مع إسرائيل؟

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

أكدت مجلة أميركية أن "التهديد الإيراني" والاضطرابات الإقليمية ستُعيد تشكيل منظومة الأمن الإقليمي، غير أن دول الخليج، حيال هذا المشهد، لن تسير في نفس الاتجاه.

جاء ذلك في تقرير نشرته مجلة "ريسبونسبل ستيتكرافت"، تساءلت فيه: هل تلجأ دول الخليج إلى إسرائيل طلبا للحماية من إيران؟

وفي أعقاب الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وما تبعها من هجمات صاروخية وطائرات مسيرة شنتها طهران على أعضاء مجلس التعاون الخليجي، تعيد دول المجلس تقييم افتراضاتها الراسخة بشأن المظلة الأمنية الأميركية.

ورغم أنه من المستبعد -وفق المجلة- أن تُنهي أي من دول مجلس التعاون علاقاتها الدفاعية مع واشنطن، فإن من المرجح بدرجة كبيرة أن تتجه هذه الدول إلى توسيع شراكاتها الأمنية.

هذا التوجه، الذي بدأ قبل 28 فبراير/شباط 2026، يبدو مرشحا للتسارع، مدفوعا بتجاهل إدارة دونالد ترامب لتحذيرات المسؤولين الخليجيين من مهاجمة إيران، إلى جانب ما عد لامبالاة أميركية واضحة بمصالحهم الأمنية.

"إسرائيل الكبرى"

وفي هذا السياق، برز تساؤل ملح حول إمكانية صعود إسرائيل كشريك أمني إقليمي يمكن لدول مجلس التعاون الخليجي الاعتماد عليه لتعزيز استقلالها عن الولايات المتحدة.

وأشار محللون، من بينهم رئيس مشروع الولايات المتحدة-الشرق الأوسط والمفاوض الإسرائيلي السابق، دانيال ليفي، إلى أن مشروع "إسرائيل الكبرى" لا يقتصر على التوسع الإقليمي، بل يهدف أيضا إلى ترسيخ مكانة إسرائيل كشريك أمني لا غنى عنه، من خلال استثمار المخاوف الخليجية المتزايدة من إيران.

وبصفتها "القوة العسكرية الأبرز في الشرق الأوسط، وما تمتلكه من تقنيات متقدمة وقدرات استخباراتية، تبدو إسرائيل خيارا جذابا لبعض الممالك الخليجية الساعية إلى قدر أكبر من الاستقلال عن الولايات المتحدة"، وفق التقرير.

وأضاف أن من المفارقات أن هذا الدور يمنح أعضاء مجلس التعاون منفذا غير مباشر إلى دوائر صنع القرار في واشنطن.

وقال المحاضر في دراسات الشرق الأوسط بمعهد الدراسات السياسية في باريس، كريم إميل بيطار: "تاريخيا، لاحظنا أن معظم دول الخليج سعت إلى التقرب من إسرائيل بهدف تعزيز علاقاتها مع الولايات المتحدة".

وأضاف: "كانت تلك وسيلتها لضمان قيام إسرائيل بممارسة الضغط نيابة عنها لدى الإدارة الأميركية، وفي بعض الأحيان، كانت دول الخليج تتنافس فيما بينها على توثيق علاقاتها بإسرائيل، لكي تضطلع بدور الوسيط والمتحدث باسمها في الولايات المتحدة، بما يضمن كسب ود الإدارة الأميركية".

من جانبها، أكدت المجلة أن “الأنظمة الخليجية لا تمثل كتلة واحدة متجانسة، بل تتباين مواقفها تجاه إسرائيل كشريك أمني”.

ففي مقابل عُمان وقطر والسعودية التي لا تؤيد تعميق التعاون مع إسرائيل، تبرز الإمارات بصفتها الدولة الخليجية الأكثر اندفاعا نحو تعزيز شراكتها مع إسرائيل خلال السنوات الأخيرة.

ورجحت المجلة أن توسع أبو ظبي نطاق التعاون في مجالات الدفاع والأمن وتبادل المعلومات الاستخباراتية، ردا على العدوان الإيراني. كما قد تحذو البحرين، وربما الكويت، حذو الإمارات في هذا المسار.

وقد أدى التقارب الإماراتي الإسرائيلي إلى تطورات غير مسبوقة. 

انسحابات متوقعة

وأفاد موقع "أكسيوس" الأميركي في 26 أبريل/نيسان 2026 بأن إسرائيل نشرت سرا منظومة القبة الحديدية مع قواتها في الإمارات في بداية الحرب الأميركية-الإسرائيلية ضد إيران، مسجلة بذلك أول استخدام لهذه المنظومة خارج إسرائيل أو الولايات المتحدة.

وفي مؤشر على عمق التعاون العسكري الإماراتي-الإسرائيلي، أفادت التقارير بأن المنظومة اعترضت عشرات الصواريخ الإيرانية التي كانت تستهدف الإمارات.

وقالت المجلة: “يجب النظر إلى هذا في سياق شعور أبو ظبي بأن الدول العربية والمؤسسات الإقليمية لم تقدم الدعم الكافي خلال الحرب”. 

وأضافت "سواء كان هذا الشعور مبررا أم لا، فمن المرجح أن يدفع الإمارات إلى تعزيز شراكاتها مع إسرائيل والولايات المتحدة والصين".

وبعد إعلان انسحابها أخيرا من منظمة "أوبك"، قد تواصل الإمارات ابتعادها عن التعددية العربية، وربما تنسحب لاحقا من جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، بحسب تقييم المجلة.

من جهتها، قالت الباحثة في مركز الوليد بجامعة إدنبرة، ميرا الحسين: إن "الإمارات استثمرت كثيرا، على مستوى السمعة واللوجستيات، في علاقتها مع إسرائيل، وقد تتجه إلى تنويع شركائها الأمنيين، لكنها ستتحرك فعليا بالتوازي مع إسرائيل".

وترى المجلة أن "من الطبيعي أن تنظر البحرين، بوصفها إحدى دول اتفاقيات أبراهام والتي تعتمد بشكل متزايد على أبو ظبي، إلى إسرائيل بصفتها شريكا دفاعيا تتصاعد أهميته في ظل التحولات التي يشهدها المشهد الأمني الإقليمي".

فموقع البحرين الجغرافي، إلى جانب قيودها الاقتصادية وتعقيداتها الطائفية، يجعلها أكثر عرضة للتأثر بالنفوذ الإيراني، وهو ما يدفع المنامة نحو تعزيز علاقاتها الأمنية مع إسرائيل.

كما ترى  "ريسبونسبل ستيتكرافت" أن "الكويت تستحق اهتماما خاصا، فرغم معارضتها الطويلة لاتفاقيات أبراهام، قد تتجه القيادة الحالية نحو شكل من أشكال التطبيع الفعلي مع إسرائيل".

وأوضحت أن “الموقف الكويتي التاريخي الداعم للفلسطينيين تشكل في سياق الحياة البرلمانية بالبلاد، غير أن تراجع فاعلية المؤسسات الديمقراطية، وتصاعد تهديدات إيران، والتقارب الوثيق مع أبو ظبي، بما في ذلك تعميق التنسيق الأمني الكويتي-الإماراتي، كلها عوامل قد تزيد من احتمالات قبول الكويت لإسرائيل كشريك أمني”.

وقالت الأستاذة المساعدة في قسم دراسات الشرق الأوسط وجنوب آسيا بجامعة إيموري، كورتني فرير: "مع حلّ البرلمان، أصبحت الدولة قادرة على اتخاذ قرار ظلّ لسنوات غير شعبي ومجرّما بموجب تشريع برلماني، لكن، من وجهة نظري، ينبغي أن يقترن أي تطبيع مع الكويت بمكاسب دفاعية كبيرة".

حسابات مختلفة

وتختلف حسابات السعودية بصورة جوهرية عن حسابات الإمارات -بحسب "ريسبونسبل ستيتكرافت"- ويعود ذلك بالأساس إلى المعارضة الشعبية الواسعة لتوثيق العلاقات مع إسرائيل، فحتى في ظل النظام الملكي المطلق، تواجه المملكة تحديات أكبر في احتواء المعارضة السياسية.

وأكد بيطار أن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان "يدرك تماما أن تسريع مسار التطبيع سيكون خطوة شديدة الحساسية على المستوى الشعبي".

وأضاف: "رغم التوتر القائم بين السعوديين والإيرانيين، فإن كثيرا من الخليجيين، خصوصا السعوديين، ما زالوا ينظرون إلى إسرائيل بوصفها عدوا، أو على الأقل تهديدا إستراتيجيا، ودولة تسعى إلى فرض هيمنة إقليمية تتعارض مع مصالح معظم الدول العربية".

وتابع بيطار قائلا: "يبدو أن إسرائيل، على غرار الإمارات، تدفع باتجاه الفوضى والتفتيت، مستفيدة من القلق الوجودي لدى الأقليات في لبنان وسوريا وشمال إفريقيا".

واستدرك: "لكن السعوديين، مثل الأتراك والمصريين، يميلون في الغالب إلى دعم الاستقرار والحفاظ على التوازن الإقليمي القائم، ومنع انهيار الدول في هذه البلدان، ولا يرون أن السياسات الإماراتية-الإسرائيلية الهادفة إلى تفتيت الشرق الأوسط تخدم مصالحهم".

أما قطر التي تعرضت لقصف إسرائيلي عام 2025، فترى أن كلا من الأخيرة وطهران تمثلان تهديدا لها، وفق التقرير.

وبدلا من الارتهان لأي منهما، يُرجح أن تتجه الدوحة إلى تعزيز علاقاتها مع السعودية وتركيا لمواجهة التحديات المستجدة، مع الاستمرار في اتباع نهج دبلوماسي حذر تجاه إيران.

وخلال مشاركته في حوار المنامة في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، أكد وزير خارجية عُمان أن إسرائيل، وليس إيران، تمثل التهديد الإقليمي الأكبر.

وفي إطار سعيها للحفاظ على دورها كقناة دبلوماسية موثوقة بين واشنطن وطهران، حرصت عُمان على تجنب أي خطوات قد تؤدي إلى توتير علاقتها بإيران، فامتنعت عن إدانتها علنا عقب هجمات الطائرات المسيّرة التي استهدفت المدن الساحلية العُمانية خلال الرد على الحرب الأميركية-الإسرائيلية.

كما تغيبت عن قمة مجلس التعاون الخليجي التي انعقدت في 28 أبريل/نيسان 2026، والتي كان متوقعا أن تصدر عنها مواقف مناهضة لإيران.

وقالت المجلة: إن "التهديدات الإيرانية، وتقلبات السياسات الأميركية، والتحولات الإقليمية المتسارعة، تُعقّد حسابات الأمن لدى دول الخليج العربي".

وأضافت "ففي حين تتجه الإمارات والبحرين، وربما الكويت، نحو التعامل مع إسرائيل كشريك أمني، يُستبعد أن تسلك السعودية وقطر وعُمان المسار نفسه".

وفي مختلف أنحاء الخليج، يدفع السعي إلى قدر أكبر من الاستقلالية نحو بناء شراكات انتقائية، بما يعكس عملية إعادة تموضع غير متكافئة، تحكمها اعتبارات الواقعية السياسية والقيود الاجتماعية والسياسية القائمة.

وفي المقابل، فإن أي تقارب مع إسرائيل قد يهدد شرعية هذه الأنظمة ويؤجج اضطرابات داخلية، خاصة في ظل حالة الغضب الشعبي الواسعة في العالم العربي تجاه العدوان الإسرائيلي على غزة، والتي وصفتها العديد من أبرز منظمات حقوق الإنسان بأنها "إبادة جماعية".