"فورين بوليسي": لهذه الأسباب حقبة الحكام السلطويين على وشك الأفول

"الهزيمة الانتخابية الكبيرة التي مُني بها فيكتور أوربان مؤشرا على وصول هذا النموذج إلى ذروته"
يرى "ستيفن والت"، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة هارفارد، كاتب العمود في مجلة فورين بوليسي، أن مرحلة “الزعيم القوي” قد تكون بلغت ذروتها، وأن حقبة الحكام السلطويين ربما تقترب من نهايتها.
وأوضح والت أن هؤلاء القادة كانوا حتى وقت قريب يتمتعون بنفوذ متصاعد؛ إذ برزت شخصيات مثل فلاديمير بوتين، وفيكتور أوربان، ورجب طيب أردوغان، وشي جين بينغ، ومحمد بن سلمان، وجايير بولسونارو، بوصفهم نماذج صاعدة، أثارت إعجاب الطامحين إلى الحكم المطلق، ومن بينهم دونالد ترامب.
وفي تلك المرحلة، شهد العالم تراجعا في الديمقراطية والحريات، وبدت آليات الضبط والتوازن الدستوري أقل فاعلية، حتى داخل الولايات المتحدة. في المقابل، تبنّى بعض من يعرّفون أنفسهم كمحافظين فكرة “السلطة التنفيذية الموحدة”، بينما انشغل باحثون بدراسة ظاهرة تآكل الديمقراطيات واحتمال تشكّل تكتل من الأنظمة الاستبدادية، كما في كتب مثل The Age of the Strongman وStrongmen: Mussolini to the Present.
ويرى والت أن جاذبية هذا النمط من الحكم جاءت كرد فعل على إخفاقات متراكمة لدى قيادات الدول الديمقراطية خلال العقود الماضية؛ فالولايات المتحدة خاضت حروبا مكلفة دون جدوى، وواجهت أزمة مالية من دون محاسبة المسؤولين، كما بقيت السلطة في يد سياسيين متقدمين في السن مترددين في إفساح المجال لجيل جديد.
أما في أوروبا، فقد شهدت المملكة المتحدة سلسلة من رؤساء الوزراء الضعفاء، بينما عانت فرنسا من رئاسة نيكولا ساركوزي، ومرت إيطاليا بفترة مضطربة خلال حكم سيلفيو برلسكوني، وحتى قيادات أكثر كفاءة مثل أنجيلا ميركل واجهت صعوبات في مراحل لاحقة.
وفي ظل الركود الاقتصادي، وارتفاع معدلات الهجرة واللجوء، وتضخم المخاوف من الإرهاب، أصبح اللجوء إلى “الزعيم القوي” الذي يعد بالأمن والاستقرار خيارا جذابا لكثيرين.
ويتساءل والت عما إذا كانت الهزيمة الانتخابية الكبيرة التي مُني بها فيكتور أوربان مؤشرا على وصول هذا النموذج إلى ذروته. ورغم أن البعض قد يعدها حالة خاصة نظرا لخصوصية المجر، إلا أن هذه الهزيمة تعكس استياءً متراكما من نتائج حكمه.
ويخلص والت إلى أن قادة هذا النمط قد يواجهون مرحلة أكثر صعوبة؛ إذ تكشف تجاربهم إخفاقات واضحة في نموذج الحكم الفردي.

أوربان وبوتين وابن سلمان
وبدأ والت بأوربان، مشيرا إلى أنه كان بلا شك سياسيا بارعا أتقن التلاعب بالمؤسسات المجرية للإبقاء على قبضته على السلطة وإثراء نفسه وحاشيته.
لكن ما لم يُحسنه، أو لم يُعرْه اهتماما يُذكر على ما يبدو، هو تحسين حياة المجريين العاديين، وقد أدى هذا الإخفاق في نهاية المطاف إلى سقوطه.
فمزيج الأداء الاقتصادي الباهت والفساد المستشري الذي يصعب إخفاؤه والاعتماد المتصاعد على مستشارين متملقين فقدوا صلتهم بالواقع مهّد الطريق للإطاحة به.
ولو أحسن إدارة شؤون البلاد عوضا عن الانشغال بمصالحه الشخصية، لكان على الأرجح في منصبه اليوم، وفق والت.
وانتقل والت إلى الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، مشيرا إلى أنه مثله مثل أوربان أثبت براعة فائقة في البقاء في السلطة وجمع ثروة طائلة والقضاء على المنافسين، سواء منهم السياسيون الإصلاحيون كالراحل أليكسي نافالني، أو الشخصيات المشاكسة من داخل المؤسسة كـ يفغيني بريغوجين، الذي قاد مجموعة "فاغنر"، قبل أن يختلف مع بوتين ويلقى حتفه في حادث تحطم طائرة مريب.
وأضاف والت أنه على خلاف كثير من المراقبين الغربيين يرى أن لبوتين أسبابا وجيهة للنظر إلى توسع حلف شمال الأطلسي (الناتو) وبعض السياسات الغربية بوصفها تهديدا خطيرا ومتناميا.
غير أن رده على هذا الوضع، لا سيما قراره المصيري بغزو أوكرانيا في فبراير/شباط 2022، كان خطأ فادحا ستندم عليه روسيا لعقود، بحسب والت.
فالثمن كان باهظا؛ إذ تزايد اعتماد روسيا على شريكها الصيني الأكثر ثراءً وحيوية، بينما تتخلف هي أكثر فأكثر عن بقية العالم في العلوم والتكنولوجيا التي ستتوقف عليها قوتها المستقبلية.
وانضمت السويد وفنلندا إلى الناتو، وأوروبا تعيد تسليح نفسها. وحتى لو حققت روسيا نصرا حاسما على أوكرانيا، وهو ليس أمرا مضمونا، فلن يوقف ذلك تراجعها بين القوى الكبرى.
ورغم أن بوتين سيبقى على الأرجح في السلطة طوال حياته، فإن روسيا ستكون أقل ازدهارا وأمنا مما كانت ستكون عليه في ظل زعيم مختلف، كما أن أسلوبه الوحشي في الحكم لن يدفع كثيرا من القادة إلى الاقتداء به.

وانتقل والت إلى الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، مشيرا إلى أنه كغيره من الزعماء السلطويين برع في ترسيخ سلطته والحفاظ عليها حتى في ظل أخطاء متكررة، كما أثبت مهارته في استغلال الموقع الجيوسياسي لتركيا لانتزاع مكاسب أو تنازلات من الراغبين في التعاون مع بلاده.
ومع ذلك، يصعب عدّ فترة حكمه الممتدة لأكثر من عشرين عاما قصة نجاح؛ إذ كان الأداء الاقتصادي لتركيا مخيبا للآمال، ويعزى في معظمه إلى الفساد وتدخلات أردوغان غير الموفقة.
وانتهت سياسته الخارجية القائمة على "صفر مشاكل مع الجيران" إلى نزاعات مع كثير منهم. ولا غرابة في ضوء هذا السجل أن يلجأ أردوغان إلى إجراءات قمعية متصاعدة للبقاء في السلطة.
وتناول والت ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، مشيرا إلى أنه رغم رسوخ سلطته في الداخل، فإن سنوات حكمه الفعلي للمملكة كانت حافلة بالتعثرات.
وأوضح أنه كان من المنطقي السعي إلى تحديث اقتصاد المملكة وتقليص الاعتماد على النفط والغاز وكسر شوكة "هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" وتحسين صورة البلاد دوليا عبر توظيف المجال الرياضي وغيره من الفعاليات البارزة، غير أن تنفيذ هذه الرؤية افتقر إلى الكفاءة وجاء متهورا.
فقد أتت جهوده الأولى في السياسة الخارجية -بما فيها التدخل العسكري المكلف في اليمن ومحاولة التأثير على السياسة الداخلية اللبنانية- بنتائج عكسية، وزاد الأمر سوءا اغتيال الصحفي جمال خاشقجي.
وتعثرت الطموحات الكبرى لرؤية 2030 -ومنها بناء مدينة مستقبلية عملاقة من العدم- أمام الواقع العملي والاقتصادي. وأخيرا، أعلن صندوق الثروة السيادي الممول لهذه المشاريع تقليصا جوهريا لخططه.
وهذا هو بالضبط نوع الفشل الذي يمكن توقعه في نظام لا يُسمح فيه لأحد بأن يشكك في حكمة القائد أو أن يضيف قدرا من الواقعية إلى طريقة تفكيره. وفق والت.

نتنياهو وشي جين بينغ
وانتقل والت إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، مشيرا إلى أنه ليس مستبدا بالمعنى الفعلي، فهو منتخب ديمقراطيا في انتخابات نزيهة ويده ليست مُطلقة داخليا، حيث يواجه قيودا كالحاجة إلى إدارة ائتلاف هش.
ومع ذلك، فقد أثبت براعته في التملص من المآزق والتشبث بالسلطة مرارا، مدعوما إلى حد بعيد باستعداد أميركا لحماية إسرائيل من تبعات أفعاله.
غير أن حصيلة حكمه الطويل هي إسرائيل أكثر انقساما من أي وقت مضى، وتغدو شيئا فشيئا دولة منبوذة دوليا، وتواجه تراجعا حادا في شعبيتها في الولايات المتحدة، وهي لا تزال عاجزة عن القضاء على خصومها رغم حملات القصف المتكررة والوحشية.
وحين لا يكون أمامك سوى إبقاء بلدك في حالة حرب دائمة للبقاء في السلطة، فهذا ليس دليلا على جدارة القيادة، بحسب تأكيد والت.
وأضاف والت أن الرئيس الصيني، شي جين بينغ، برع في توطيد سلطته رغم العقبات التي حاول الحزب الشيوعي وضعها أمام الحكم الفردي، وقام ببعض الرهانات الذكية كالتطور السريع في تقنيات الطاقة الخضراء التي تؤتي ثمارها اليوم وستكون أكثر قيمة مستقبلا.
كما استفاد من أخطاء القادة الأميركيين الذين أهدروا تريليونات الدولارات على حروب عبثية أو تصرفوا كقوة مهيمنة متسلطة تجاه شركاء الولايات المتحدة القدامى.
لكنه لم يتمكن من إعادة التوازن للاقتصاد الصيني، ولا معالجة مشاكله الديموغرافية الحادة، ولا السيطرة على تايوان، ولا حل أزمة البطالة المزمنة في صفوف الشباب.
وربما تكون حملات التطهير المتواصلة لكبار المسؤولين، بمن فيهم قادة عسكريون رفيعو المستوى، دليلا على الضعف بقدر ما هي دليل على القوة. وصحيح أنه تفوق على نظرائه من القادة، لكن ليس إلى الحد الذي يثبت تفوق هذا النمط من القيادة، بحسب تقييم والت.
ترامب والنموذج الفاشل
وانتقل والت إلى ترامب، مشيرا إلى أنه ليس مستبدا بالمعنى الدقيق، لكن مَن يشك في أنه يتمنى ذلك؟
فهو رئيس كان يرى نفسه "الشخص الوحيد المهم"، ويحرص على أن يُلصق اسمه بكل مبنى في واشنطن، ويتوقع من مساعديه ووزرائه وقادة الدول الأجنبية مظاهر ولاء تُحرج المشاهد، فضلا عن رغبته في تشييد قوس نصر ضخم لتخليد ذكراه.
وأكد والت أن الخبر السار لمن يفضلون العيش في ظل نظام ديمقراطي هو أن أداء ترامب في ولايته الثانية كان كارثيا، وتعكس ذلك استطلاعات الرأي بوضوح؛ إذ ألحقت سياساته الاقتصادية ضررا بالصناعات بدلا من دعمها، وأسهمت في تأجيج التضخم وزيادة العجز في الميزانية الفيدرالية.
أما سياسته الخارجية فقد نفّرت الحلفاء التقليديين دون أي فائدة تُذكر، وكان قراره بمهاجمة إيران قبل شهرين كارثة إستراتيجية، وفق وصف والت.
وتابع والت أن بوادر الانشقاق باتت تظهر في صرح حركة "ماغا"، وأن تأييد ترامب لأوربان، بما في ذلك إرساله نائب الرئيس جي دي فانس للترويج له، ربما أسهم في فوز بيتر ماجيار عليه.
وبعض حلفائه الأجانب -كزعيم حزب "ريفورم" البريطاني نايجل فاراج ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني- ينأون بأنفسهم عنه.
وبمفرده، كشف ترامب عن مخاطر السلطة التنفيذية المركزية أكثر مما يمكن لآلاف المقالات القانونية أن تفعله.

الديمقراطية تستعيد أنفاسها
في المقابل، أشار والت إلى أن بعض الأنظمة والقادة الديمقراطيين يُظهرون بوادر تعافٍ مشجعة؛ إذ حقق رئيس الوزراء الكندي، مارك كارني، أغلبية حاسمة في البرلمان وأثبت نفسه بديلا عقلانيا وناجحا حتى الآن لـ "الترامبية".
كذلك، أثبت عمدة نيويورك، زهران ممداني، أن القناعات الراسخة وروح الدعابة والحضور الفاعل في وسائل التواصل الاجتماعي والاستعداد الدائم للحوار مع الطرف الآخر تؤتي ثمارها في صناديق الاقتراع.
وتجاوزت كوريا الجنوبية والبرازيل محاولات الانقلاب وأسرعتا إلى محاسبة المسؤولين، وهو ما عجزت عنه الولايات المتحدة بعد محاولة ترامب قلب نتائج انتخابات 2020.
وأخيرا، رفض الناخبون في المجر رفضا قاطعا منهج أوربان في المحاباة والترهيب، ولدى ماجيار، رئيس الوزراء المرتقب، خطط لتفكيك المنظومة السياسية غير الليبرالية التي شيّدها أوربان.
غير أن والت لا يريد المبالغة في هذا التوجه أو الإفراط في التفاؤل؛ حيث ستظل دول كثيرة يقودها مستبدون، ويراهن على أن بعض الزعماء المذكورين أعلاه أقرب إلى البقاء في السلطة مدى الحياة من التنحي طوعا أو الإطاحة بهم.
ولن يختفي "الديمقراطيون" غير الليبراليين من أمثال ترامب وأردوغان وناريندرا مودي في الهند من المسرح الدولي. وتواجه كبرى الديمقراطيات في العالم، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، مشاكل راسخة من الاستقطاب والشلل السياسي والتفاوت المفرط وتآكل المعايير الديمقراطية.
لكنه استدرك بأن "الغطرسة التي تمتع بها الزعماء المستبدون قبل سنوات ربما بدأت تتلاشى، وقد كشفت إخفاقاتهم السياسية عن قصور الاعتماد على رأي شخص واحد".
وختم بالقول: "مع تزايد وضوح هذه الإخفاقات، يتذكر المرء مقولة ونستون تشرشل الشهيرة: "الديمقراطية أسوأ أشكال الحكم، باستثناء كل الأشكال الأخرى".

















