بعد "أبراهام".. قصة "اتفاقيات إسحاق" التي تُبرمها إسرائيل مع أميركا اللاتينية

"اتفاقيات إسحاق" نسبة إلى النبي إسحاق (عليه السلام)
خلال زيارته إلى إسرائيل في 19 أبريل/نيسان 2026، وإثارته جدلًا واسعًا بزيارة حائط البراق وتوقيعه ثلاث مذكرات تفاهم، إلى جانب تدشين نقل سفارة بلاده إلى القدس، أعلن الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي خطوة سياسية لافتة بإطلاق ما أسماه "اتفاقيات إسحاق".
وراء هذه التسمية تبرز مبادرة تتجاوز كونها إعلانًا رمزيًا؛ إذ تهدف إلى إنشاء تحالف سياسي واقتصادي وأمني يضم دولًا من غرب أميركا اللاتينية الداعمة لإسرائيل والولايات المتحدة، في إطار مساعٍ للحد من النفوذ الإيراني والروسي والصيني في المنطقة.
وتُنظر هذه الخطوة في إسرائيل على أنها محاولة لبناء إطار إقليمي جديد مع دول أميركا اللاتينية، وتوسيع نفوذها غربًا عبر "اتفاقيات إسحاق"، على غرار توسعها شرقًا من خلال "اتفاقيات أبراهام" في الشرق الأوسط.

ما هي “اتفاقيات إسحاق”؟
تمثل "اتفاقيات إسحاق" (Isaac Accords)، التي يقف وراءها بشكل رئيس الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي، محاولة لاستلهام نموذج "اتفاقيات أبراهام" لعام 2020، والتي هدفت إلى تطبيع العلاقات بين إسرائيل وعدد من الدول العربية والإسلامية.
وتسعى هذه المبادرة إلى نقل روح تلك الاتفاقيات إلى نصف الكرة الغربي، عبر تعزيز الشراكة بين إسرائيل ودول في أمريكا اللاتينية، مثل الأرجنتين وأوروغواي وبنما وكوستاريكا.
وبحسب ما أُعلن عند إطلاقها، تركز الاتفاقيات على مجالات التعاون الاستخباري والعسكري، إلى جانب الشراكات الاقتصادية والتكنولوجية، ما يجعلها، وفق محللين، خطوة إسرائيلية لتوسيع تحالفاتها خارج الشرق الأوسط، وتحديداً في أميركا اللاتينية.
طُرحت الفكرة لأول مرة في 14 يناير/كانون الثاني 2025، عندما أعلن ميلي إطلاق مبادرة "اتفاقيات إسحاق"، عقب حصوله على جائزة "جينيسيس" (Genesis Prize) وتبرعه بقيمتها المالية لتمويل المشروع.
وجرى الإعلان خلال حفل أقيم في متحف التسامح في القدس، بحضور الرئيس الإسرائيلي يتسحاق هرتسوغ وممثلين عن مؤسسة الجائزة، المعروفة باسم "نوبل اليهودية"، والتي تُمنح سنوياً لشخصيات بارزة في دعم القيم اليهودية والانتماء لإسرائيل.
وقدم ميلي المبادرة بصفتها إطاراً سياسياً ودبلوماسياً جديداً لتوسيع العلاقات بين إسرائيل ودول أميركا اللاتينية، مستلهماً تجربة اتفاقيات أبراهام، مع السعي إلى تكييفها مع السياق الإقليمي في تلك المنطقة.
وخلال لقاء جمعه بوزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر في 29 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، تم توقيع اتفاق لتدشين هذه المبادرة.
وأُطلقت الاتفاقيات رسمياً خلال زيارة ميلي إلى إسرائيل في 19 أبريل/نيسان 2026، حيث رُوّج لها كخطوة لتعزيز التعاون السياسي والاقتصادي والثقافي بين إسرائيل ودول أميركا اللاتينية.
وتتولى "منظمة الأصدقاء الأمريكيين لاتفاقيات إسحاق" (AFOIA)، برئاسة السفير الأميركي السابق في كوستاريكا ستافورد فيتزجيرالد، مهمة تنفيذ المبادرة، ما يعكس دعماً أميركياً لها.
ووفق موقع المنظمة، تهدف الاتفاقيات إلى تعزيز التعاون الدبلوماسي والاقتصادي والثقافي، إضافة إلى متابعة مواقف دول المنطقة في الأمم المتحدة، بما في ذلك أنماط التصويت، وتصنيف بعض المنظمات الفلسطينية واللبنانية ضمن قوائم "الإرهاب".
وجاء في البيان الرسمي لتوقيع الاتفاقيات أن الدول المشاركة ستعمل على "الدفاع عن الحرية والديمقراطية"، والتعاون في مكافحة "الإرهاب ومعاداة السامية والاتجار بالمخدرات".
كما نص البيان على التنسيق لمواجهة ما وصفه بـ"محاولات إيران توسيع نفوذها في نصف الكرة الغربي"، في إشارة إلى مزاعم إسرائيلية بوجود شبكات مرتبطة بحركات مقاومة، مثل "حزب الله"، في أمريكا اللاتينية.

انضمام الإكوادور وباراغواي
وصف الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي "اتفاقيات إسحاق"، نسبة إلى النبي إسحاق (عليه السلام)، بأنها "مبادرة لتوسيع نطاق النموذج الذي أطلقه الرئيس دونالد ترامب في الشرق الأوسط ليشمل أميركا اللاتينية"، بهدف مواجهة تحديات مثل "الإرهاب ومعاداة السامية وتهريب المخدرات".
وأشار ميلي إلى دعوة دول أخرى للانضمام، مؤكداً أن "الدول التي تتشارك القيم لديها مهمة العمل معاً"، مضيفاً أنه "بدعم من الولايات المتحدة، تتوفر فرصة لإحداث تغيير جذري".
وفي هذا السياق، أفاد مصدر دبلوماسي إسرائيلي لموقع "جويش إنسايدر"، في 20 أبريل/نيسان 2026، بأن الإكوادور وباراغواي مرشحتان للانضمام إلى الاتفاقيات، إلى جانب اهتمام دول أخرى مثل أوروغواي وبنما وكوستاريكا، وجميعها تربطها علاقات جيدة بإسرائيل.
وتشير المعطيات إلى أن الدول المرشحة للانضمام تُدار في الغالب من قبل حكومات يمينية أو ليبرالية اقتصادياً، وتتمتع بعلاقات إيجابية مع الولايات المتحدة، كما تتبنى مواقف أقل انتقاداً لإسرائيل مقارنة بدول أخرى في المنطقة.
وبناءً على ذلك، تبدو الخريطة الأولية لـ"اتفاقيات إسحاق" وكأنها ترسم محوراً يمتد من الأرجنتين جنوباً إلى أميركا الوسطى، عبر دول متقاربة سياسياً مع واشنطن وتل أبيب، في محاولة لبناء تحالف عابر للقارات يعيد تشكيل موازين النفوذ في نصف الكرة الغربي.
وتشجع الولايات المتحدة هذه الاتفاقيات بصفتها أداة لمحاصرة النفوذ الإيراني والروسي والصيني في أميركا اللاتينية، ودعم المعسكر الغربي هناك، فضلاً عن كسب إسرائيل دعماً دولياً أوسع ودمجها في تحالفات جديدة، خاصة في ظل تراجع دعم بعض الدول الأوروبية.
ورغم أن 31 دولة من أصل 33 في أميركا اللاتينية تعترف بإسرائيل، فإن القارة لا تزال تحتضن تيارات مناهضة للاستعمار ومؤيدة للقضية الفلسطينية، وقد تعزز هذا التوجه مع الحرب على غزة، ما دفع حكومات يسارية إلى اتخاذ مواقف أكثر تشدداً، وصلت في بعض الحالات إلى قطع العلاقات مع تل أبيب.
فقد أدانت دول مثل البرازيل وكولومبيا وتشيلي السياسات الإسرائيلية، واتخذت خطوات دبلوماسية واقتصادية ضدها، فيما قطعت بوليفيا علاقاتها بالكامل، وشبّه الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا ما يحدث في غزة بـ"المحرقة".
في هذا السياق، تبرز "اتفاقيات إسحاق" كتحرك إستراتيجي لمحاولة كسر العزلة السياسية التي تواجهها إسرائيل، وتوسيع نفوذها في أمريكا اللاتينية، خاصة بعد تراجع زخم "اتفاقيات أبراهام" في بعض الساحات.
كما يُنظر إلى هذه الاتفاقيات على أنها جزء من جهود أوسع لإعادة ترميم صورة إسرائيل دولياً، وفتح مسارات بديلة لتعزيز علاقاتها خارج محيطها الإقليمي، في ظل الانتقادات المتزايدة لسياستها في الأراضي الفلسطينية.
في المقابل، ترى تقديرات أخرى أن الاتفاقيات تحمل أبعاداً سياسية وأيديولوجية، من بينها توظيف التحالفات لمواجهة خصوم مثل إيران، وتعزيز النفوذ الأميركي-الإسرائيلي في دول الجنوب العالمي.
ويُرجع معارضون لميلي تقاربه مع إسرائيل إلى عوامل داخلية وخارجية، من بينها وجود جالية يهودية كبيرة في الأرجنتين، ورغبته في كسب دعم سياسي من واشنطن.
ولم تخلُ الاتفاقيات من انتقادات، إذ عارضتها أحزاب وجماعات في أمريكا اللاتينية، إلى جانب منظمات يهودية مثل فرع "يهود من أجل فلسطين" في الأرجنتين، وشبكات مماثلة في البرازيل وتشيلي والمكسيك وأوروغواي.
ورأت هذه الجهات أن "اتفاقيات إسحاق" تُستخدم لتجاوز التزامات دول المنطقة بالقانون الدولي، وتهميش المسارات القانونية المتعلقة بمساءلة إسرائيل، كما حذّرت من توظيف التعاون الاقتصادي والأمني بمعزل عن قضايا الاحتلال والحرب.
كما أبدت مخاوف من أن يشمل التعاون في مجالات مثل "إدارة المياه" ممارسات مشابهة لما تتهم به إسرائيل في الأراضي الفلسطينية، في إشارة إلى دور شركة "مكوروت" في هذا القطاع.
مسار جديد
تعود تسمية "اتفاقيات إسحاق" إلى فكرة الاستمرارية الرمزية، إذ يُنظر إلى النبي إسحاق (عليه السلام) بصفته وارث إرث النبي إبراهيم (أبو الأنبياء). وبالمثل، تسعى هذه الاتفاقيات إلى البناء على إرث "اتفاقيات أبراهام" وتوسيع نطاقها، وفق ما أوردته صحيفة "جيروزاليم بوست" في 29 أكتوبر/تشرين الأول 2025.
وبهذا المعنى، فكما فتحت "اتفاقيات أبراهام" الباب أمام تطبيع العلاقات مع دول عربية، تهدف "اتفاقيات إسحاق" إلى فتح مسار جديد مع دول أميركا اللاتينية، عبر تعزيز التعاون الدبلوماسي، والتنسيق في التصويت داخل المنظمات الدولية، وتطوير الشراكات الأمنية والاقتصادية والتكنولوجية، إلى جانب مواجهة النفوذ الإيراني في المنطقة، والترويج لما يُوصف بالقيم الغربية أو اليهودية-المسيحية، بحسب تقارير إسرائيلية.
ويرتبط هذا التوجه أيضاً بخلفية الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي، الذي أبدى اهتماماً لافتاً باليهودية؛ إذ درس التوراة على يد حاخام، وعبّر عن رغبته في اعتناق اليهودية مستقبلاً. كما ظهر في مناسبات عدة حاملاً نسخة من التوراة ومرتدياً "الكيباه" (القلنسوة اليهودية)، وحرص على زيارة حائط البراق (المبكى) وأداء طقوس دينية.
وسبق لميلي أن أعلن أنه "صهيوني من الدرجة الأولى"، معبّراً مراراً عن دعمه لإسرائيل والدين اليهودي، رغم أنه ليس يهودياً، كما لوّح بالعلم الإسرائيلي خلال حملاته الانتخابية.
وخلال لقائه وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر في 29 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، عند الإعلان الأولي عن الاتفاقيات، وصف ساعر تعاطف ميلي مع اليهودية والشعب اليهودي ودولة إسرائيل بأنه "صادق وقوي ومؤثر".
وأشار إلى أنه في مستهل اللقاء تلا دعاء "شيهيخيان" اليهودي، الذي يُتلى في المناسبات الخاصة، مضيفاً أنه عندما وضع "الكيباه" على رأسه، بادر ميلي فوراً إلى ارتداء واحدة مماثلة كان يحتفظ بها في مكتبه، في دلالة رمزية على هذا التقارب.
المصادر
- PM Netanyahu and Argentine President Javier Milei announce the launch of the Isaac Accords
- Milei, Netanyahu launch ‘Isaac Accords’ to encourage Israel, Latin America engagement
- Netanyahu, Milei launch ‘Isaac Accords’ to foster cooperation between Israel and Western Hemisphere
- The Isaac Accords: Building New Bridges Between Israel and Latin America
- American Friends of Isaac Accords (AFOIA)
- مؤسسة "جينيسيس برايز" تسلم الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي جائزة "نوبل اليهودية" لعام 2025
- Latin American Jewish groups warn, after Abraham comes the Isaac Accords


















