لأول مرة منذ قرن.. ماذا وراء تعيين أول محافظ تركماني لكركوك العراقية

الطالباني منح منصب محافظ كركوك للتركمان في سابقة تحدث لأول مرة منذ مئة عام
لم يكن تعيين محافظ من القومية التركمانية لمحافظة كركوك العراقية حدثًا عابرًا، لا سيما أنه الأول من نوعه منذ نحو مئة عام. وجاء ذلك بعد تنازل حزب "الاتحاد الوطني الكردستاني" بزعامة بافل الطالباني عن المنصب، ضمن تفاهمات سياسية أُبرمت عام 2024 بين المكونات الأساسية في المحافظة (العرب، والتركمان، والأكراد).
وفي 16 أبريل/نيسان 2026، صوّت مجلس محافظة كركوك على انتخاب رئيس "الجبهة التركمانية" محمد سمعان آغا محافظًا جديدًا، عقب استقالة المحافظ السابق، القيادي في "الاتحاد الوطني الكردستاني" ريبوار طه الذي كان قد تولى المنصب في 10 أغسطس/آب 2024، وأسندت إليه لاحقًا مهمة النائب الأول للمحافظ الجديد.

تطورات متسارعة
لم يكن تنصيب محافظ تركماني لمحافظة كركوك، الغنية بالنفط وإحدى أبرز المدن المتنازع عليها بين المكونات العراقية، حدثًا معزولًا، بل جاء بعد أسبوع واحد فقط من انتخاب قيادي في "الاتحاد الوطني الكردستاني" رئيسًا للعراق، عقب انسداد سياسي استمر خمسة أشهر منذ الانتخابات البرلمانية التي جرت في 11 نوفمبر/تشرين الثاني 2025.
وفي 11 أبريل/نيسان، صوّت البرلمان العراقي على انتخاب آميدي رئيسًا للجمهورية، خلافًا لإرادة الحزب "الديمقراطي الكردستاني" بزعامة مسعود البارزاني الذي يحظى بأكبر عدد من المقاعد البرلمانية ضمن المكون الكردي. وأعلن الحزب لاحقًا عدم اعترافه بهذا الاختيار، مؤكدًا أنه لن يتعامل معه كرئيس للجمهورية.
وكان حزب البارزاني قد أُقصي من منصب محافظ كركوك عام 2024، إثر تفاهمات بين "الاتحاد الوطني الكردستاني" وحزب "تقدم" بقيادة محمد الحلبوسي، و"عصائب أهل الحق" بزعامة قيس الخزعلي، وهو ما عده الحزب "خيانة" وانقلابًا على التفاهمات التي كانت تقضي بتوليه إدارة المحافظة.
وعقب انتخاب آميدي، بدعم من الأطراف السياسية ذاتها، ظهر زعيم "الاتحاد الوطني الكردستاني" بافل الطالباني، المعروف بقربه من إيران والقوى الموالية لها، في تسجيل مصوّر وجّه فيه الشكر إلى تركيا ورئيسها رجب طيب أردوغان، كما قدّم اعتذارًا إلى دول الخليج على خلفية هجمات انطلقت من الأراضي العراقية.
وبحسب مواقع محلية، فإن رسالة الاعتذار والتنازلات المتعلقة بكركوك تمثل "انعطافة إستراتيجية" تهدف إلى فتح آفاق جديدة مع دول الخليج وتركيا. في المقابل، وصفها "الاتحاد الوطني الكردستاني" بأنها مسعى لتحقيق "توازن دولي" وإبعاد العراق عن الاستقطابات الإقليمية.
وفي رسالته، قال الطالباني: "نبدأ بتقديم اعتذار صادق إلى الدول العربية المجاورة التي تعرضت لهجمات انطلقت من الأراضي العراقية... نشعر بالخجل الشديد من هذه الأفعال".
وأضاف: "العراق في طور تشكيل حكومة جديدة، حكومة ستعمل على إصلاح الجسور التي تضررت، لكنها لم تُكسر، وستضمن حصر السلاح بيد الدولة، وتكون حكومة مستقلة وطنية ملتزمة بالدفاع عن حقوق شعبها".
كما أثنى الطالباني على دور عدد من الأطراف الدولية في خفض التصعيد بين إيران والولايات المتحدة، ومن بينها تركيا والرئيس رجب طيب أردوغان، إلى جانب باكستان وشركاء في أوروبا والعالم العربي والمملكة المتحدة، مشيدًا بـ"جهودهم الهادئة ولكن الحيوية".
تحالف الصفقات
وفي تعليقه على اعتذار بافل الطالباني وتنازله عن منصب محافظ كركوك لصالح المكون التركماني، قال الباحث في الشأن السياسي العراقي، لطيف المهداوي: إن "زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني أطلق رسالة الاعتذار عقب انتخاب القيادي في حزبه نزار آميدي رئيسًا للجمهورية، وبالتالي فهو يعبّر، بشكل أو بآخر، عن توجه الرئاسة العراقية، وإن لم يصدر ذلك رسميًا عن شخص الرئيس".
وأضاف المهداوي، في حديثه لـ"الاستقلال"، أن "بافل الطالباني، لو كان يتقن اللغة العربية، لكان مرشحًا مباشرًا لمنصب رئيس الجمهورية بدلًا من تولي شخصيات من حزبه هذا الموقع، لكنه، عمليًا، يدير هذا المنصب بشكل غير مباشر.
وعليه، فإن الاعتذار يعكس تحولًا في موقف الحزب، إذ لم يسبق له اتخاذ مثل هذا الموقف، خصوصًا أن الجهات التي تنفذ هجمات ضد دول أخرى هي فصائل موالية لإيران، تربطها علاقات تحالف مع حزبه".
ورأى أن "الاتفاقات السياسية التي تجمع الأطراف الثلاثة (الاتحاد الوطني الكردستاني، وتحالف تقدم، وعصائب أهل الحق) تُنفّذ وفق منطق الصفقات، بحيث يحصل كل طرف على المنصب الذي يسعى إليه.
وفي هذا السياق، مُنح منصب محافظ صلاح الدين قبل نحو شهرين لشخصية موالية للعصائب، هو هيثم الزهوان، بتنسيق بين هذه الأطراف ذاتها".
وأشار إلى أن "تحالف المصالح هذا مرشح للتوسع، وقد ينضم إليه رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، الساعي إلى ولاية ثانية، لا سيما بعد دعمه انتخاب نزار آميدي رئيسًا للجمهورية، وهيثم الزهوان محافظًا لصلاح الدين".
وفي السياق ذاته، بارك زعيم تحالف "تقدم" محمد الحلبوسي، في تدوينة عبر منصة "إكس" بتاريخ 16 أبريل/نيسان، استكمال المرحلة الثانية من خارطة طريق إدارة محافظة كركوك، عبر تدوير المناصب وفق الاتفاق السياسي المبرم في أغسطس/آب 2024.
وأعرب الحلبوسي عن شكره لبافل الطالباني على "جهوده وتعاونه في سبيل استقرار كركوك والحفاظ على تنوعها"، مشيرًا إلى أن سكان المحافظة "ينتظرون خطوات عملية للإنصاف والإعمار، من خلال دعم الموازنات وتطوير البنى الخدمية والاقتصادية".
من جانبه، هنّأ زعيم "عصائب أهل الحق" قيس الخزعلي بانتخاب محمد سمعان محافظًا جديدًا لكركوك، مقدرا أن هذه الخطوة "تعزز حضور جميع مكونات المحافظة في إدارة شؤونها".
وأكد الخزعلي، في تدوينة عبر "إكس"، أن انتخاب محافظ جديد يمثل "محطة مفصلية" تعكس تقدم كركوك نحو الاستقرار، وتؤكد أنها نموذج مصغر للعراق يجمع تنوعه ضمن وحدة متماسكة.
وأوضح أن هذا التطور جاء “ثمرة الاتفاق السياسي بين الاتحاد الوطني الكردستاني وتحالف تقدم، والذي جرى برعايته أواخر عام 2024”. مشيرًا إلى أن الاتفاق أسهم في "إرساء التوازن والشراكة وإنهاء حالة الانسداد السياسي".
وأضاف أن المرحلة المقبلة ستشهد تداولًا في منصب المحافظ، بما يتيح انتقاله لاحقًا إلى المكون العربي، في إطار ترسيخ مبدأ الشراكة بين مختلف مكونات كركوك.
كما دعا الخزعلي الحكومة المحلية الجديدة إلى تحمّل مسؤولياتها كاملة، والعمل على تعزيز الأمن، وتحقيق العدالة بين المكونات، وإطلاق مشاريع الخدمات والإعمار بما يلبّي تطلعات سكان المحافظة.
توازن العلاقات
في المقابل، علّق عضو "الاتحاد الوطني الكردستاني" صالح فقي على اعتذار بافل الطالباني، قائلًا: إن حزبه يسعى إلى إبعاد إقليم كردستان والعراق عن بؤر الصراعات، والعمل على بناء علاقات متوازنة ومتميزة مع مختلف دول العالم.
وأضاف فقي، في تصريحات نقلتها مواقع محلية، أن "الاتحاد الوطني لا يعمل على تطوير علاقاته مع دول الخليج وتركيا على حساب علاقته مع إيران، بل يسعى إلى الحفاظ على توازن في علاقاته مع جميع دول المنطقة، وكذلك مع الولايات المتحدة الأمريكية".
وأكد أن "منح منصب محافظ كركوك لا يرتبط بتركيا، وإنما يأتي في إطار اتفاق سياسي وُقّع في صيف عام 2024، وليس تطورًا مستجدًا".
من جهته، رأى السياسي الكردي لطيف الشيخ أن رسالة الاعتذار التي وجّهها الطالباني إلى دول الخليج، إلى جانب تنازل حزبه عن منصب محافظ كركوك لصالح المكون التركماني، تمثل "مؤشرات على توجه جديد في سياسة الحزب".
وأوضح الشيخ، في تصريح لصحيفة "العالم الجديد" بتاريخ 20 أبريل/نيسان، أن "هناك تقاربًا ملحوظًا بين الاتحاد الوطني وتركيا بعد سنوات من التوتر، ما يعكس رغبة لدى الطالباني في تحقيق توازن في علاقات الحزب الإقليمية، وعدم الاكتفاء بعلاقته مع إيران".
وأشار إلى معلومات تفيد بزيارة مرتقبة لبافل الطالباني إلى العاصمة التركية أنقرة، للقاء الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، معتبرًا أن ذلك "يدل على طي صفحة الخلاف مع أنقرة وفتح مسار جديد للعلاقات"، بالتزامن مع استمرار جهود نزع سلاح حزب العمال الكردستاني.
وخلال السنوات الماضية، فرضت السلطات التركية قيودًا على الرحلات الجوية إلى مطار السليمانية، كما واصلت عملياتها العسكرية في مناطق ضمن نطاق نفوذ "الاتحاد الوطني الكردستاني"، وسط اتهامات للحزب بوجود صلات مع حزب العمال الكردستاني.
ورأى الشيخ أن "الاعتذار الموجه إلى دول الخليج يعكس أيضًا وجود تباينات داخل الفصائل المسلحة"، موضحًا أن "الفصائل المتهمة بتنفيذ هجمات ضد إقليم كردستان ودول الخليج ليست بالضرورة تلك التي يرتبط بها الاتحاد الوطني بعلاقات وثيقة"، في إشارة إلى علاقات بافل الطالباني مع كل من قيس الخزعلي، الأمين العام لـ"عصائب أهل الحق"، وهادي العامري، رئيس "منظمة بدر".
بدوره، رأى المتحدث باسم "عصائب أهل الحق" حسين الشيخاني، في مقابلة تلفزيونية بتاريخ 14 أبريل/نيسان، أن تصريحات بافل الطالباني واعتذاره لدول الخليج "أمر طبيعي ولا يثير إشكالًا"، مشيرًا إلى أن موقف الحكومة العراقية أيضًا يرفض الهجمات.
المصادر
- بعد 100 عام.. انتخاب أول تركماني لمنصب محافظ كركوك العراقية
- من طهران إلى الخليج وأنقرة.. قصة «الاستدارة الكبرى» لطالباني «الابن»
- بافل طالباني: نعتذر للدول العربية التي تعرضت للهجمات من الأراضي العراقية ونشعر بالخجل من هذه الأفعال
- رئيس الجمهورية يسلّم محمد سمعان مرسوم تعيينه محافظا لكركوك
- الشيخ الخزعلي يبارك انتخاب محافظ كركوك ويعدها خطوة نحو الاستقرار وتكريس للشراكة بين المكونات

















