أنبوب النفط السعودي عبر اليمن.. مشروع طاقة أم إعادة تشكيل للنفوذ؟

مصطفى كمال | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

على مدار عقود، ظل مضيق هرمز يمثل الشريان الوحيد والرئة التي تتنفس منها صادرات النفط الخليجية، لكنه ظل أيضاً رهينة للتوترات الجيوسياسية المستمرة.

اليوم، ومع اشتعال الحرب الأميركية-الإسرائيلية ضد إيران، ومسارعة الأخيرة لإغلاق المضيق، تعود إلى الواجهة من جديد خارطة "مشروع الأنبوب" الذي يمتد من حقول النفط في المنطقة الشرقية بالمملكة العربية السعودية، ليشق رمال صحراء الربع الخالي في السعودية، مُروراً عبر حضرموت والمهرة اليمنيتين، وصولاً إلى سواحل بحر العرب.

يمثل مشروع الأنبوب النفطي السعودي المقترح عبر حضرموت والمهرة تحوّلاً نوعياً في مقاربة الرياض لأمن الطاقة؛ إذ ينتقل من الاعتماد على حماية الممرات البحرية إلى محاولة تجاوزها جغرافياً.

فالمملكة التي تعتمد بشكل أساسي على مضيق هرمز لتصدير نفطها، تواجه معضلة إستراتيجية تتمثل في إغلاق هذا الممر الحيوي واستخدامه كسلاح من قبل إيران للإضرار بدول المنطقة، ما يدفعها للبحث عن بدائل أكثر أمناً واستقلالية.

لكن المشروع يطرح إشكاليات تتعلق بطبيعة الحضور السعودي في تلك المناطق، وحدود التوازن بين متطلبات الشراكة الاقتصادية واحترام السيادة اليمنية، خاصة في ظل غياب إطار سياسي مستقر ينظم مثل هذه المشاريع الإستراتيجية.

وفي الوقت نفسه، لا يمكن فصل المشروع عن سياق التنافس الإقليمي الأوسع؛ حيث تمثل الممرات البديلة للطاقة أحد عناصر إعادة توزيع النفوذ في المنطقة، في مواجهة أدوات الضغط التي تمتلكها إيران عبر سيطرتها الجغرافية على مضيق هرمز.

عودة اضطرارية

تُعدّ التطورات الجارية اليوم في مضيق هرمز أحد أبرز العوامل التي أعادت مشروع مدّ أنبوب النفط السعودي عبر الأراضي اليمنية إلى الواجهة مجددًا.

وفي هذا السياق، أفاد مصدر في الرئاسة اليمنية بأن المشروع يتصدر حاليًا النقاشات مع السعودية على مستوى القيادة، مع توقعات بتشكيل لجان فنية لإعداد دراسات الجدوى، إلى جانب لجان قانونية تتولى صياغة اتفاقية تعاون اقتصادي بشأنه.

وأكد المصدر أن التوتر الإقليمي شكّل دافعًا إضافيًا لإحياء المشروع، إلى جانب إنهاء الوجود الإماراتي في محافظتي حضرموت والمهرة شرقي البلاد، واستعادة السيطرة عليهما من قبل القوى الموالية للحكومة.

وكانت السعودية قد شرعت بالفعل في الترويج للمشروع عبر أدواتها الإعلامية وشخصيات قريبة من دوائرها السياسية.

وفي هذا الإطار، قال الكاتب والأكاديمي السعودي الدكتور منصور المالك، في منشور على منصة “إكس”: إن الوقت قد حان للسعودية ودول الخليج لإنشاء خط أنابيب مماثل لخط الشرق-الغرب لنقل النفط إلى بحر العرب عبر الأراضي اليمنية. مقدرا أن ذلك من شأنه أن يفقد مضيق هرمز أهميته.

قبل ذلك، كان مجلس الوزراء السعودي أقرّ في 11 فبراير 2026 إجراء مباحثات مع الجانب اليمني بشأن توقيع مذكرة تفاهم بين هيئة المساحة الجيولوجية في المملكة وهيئة المساحة الجيولوجية والثروات المعدنية في اليمن.

وعلى الرغم من أن المباحثات المعلنة تندرج ضمن إطار "التعاون الجيولوجي والتعديني"، فإن الصلة بين الثروات المعدنية والبنية التحتية لقطاع الطاقة تظل وثيقة للغاية. فالمسح الجيولوجي هو الأداة التي تحدد مسارات الأنابيب وتدرس طبيعة التربة والطبقات الأرضية لضمان سلامة المشاريع الإنشائية العملاقة.

وهي ذات المتطلبات التي يحتاجها مشروع أنبوب النفط، سواء من حيث البيئة الأمنية أو الجاهزية الفنية. وعليه، يمكن النظر إلى التعاون الجيولوجي بوصفه "غطاءً تنمويًا" يهدف إلى بناء الثقة وتعزيز المصالح المشتركة، كونه من الناحة العملية يضع "حجر الأساس" الفني والقانوني لأي تعاون إنشائي ضخم مستقبلاً.

المشروع السعودي

تقع المهرة في أقصى شرق اليمن، ويبلغ طول الشريط الحدودي بين المهرة وسلطنة عمان حوالي 300 كيلومتر تقريبًا، يمتد من بحر العرب إلى السعودية. كما يبلغ طول الشريط الساحلي للمحافظة 560 كيلومتر على بحر العرب.

وتتشارك القبائل على جانبي الحدود بتحدثها لغة سامية تختلف عن اللغة العربية التي تتحدثها المناطق المحيطة بها.

وتمتد المحافظة على مساحة تزيد عن 67 ألف كيلومتر مربع، ما يجعلها ثاني أكبر محافظات اليمن بعد حضرموت الواقعة على حدودها الغربية. تتفاوت التقديرات الحالية لعدد سكان المحافظة بشكل كبير وتصل إلى حوالي 650 ألف نسمة.

بدأت المناقشات حول إنشاء خط الأنابيب في ثمانينيات القرن الماضي بين المملكة العربية السعودية وحكومة جنوب اليمن حينها، وفقًا لما ذكره الرئيس السابق لجنوب اليمن، علي ناصر محمد. وفشلت تلك المحادثات، لكنها استؤنفت بعد توحيد اليمن عام 1990.

تجددت المفاوضات بين الجانب اليمني والسعودي حول أنبوب النفط السعودي في العام 1997 وأوشك الرئيس السابق علي عبد الله صالح على توقيع اتفاقية بناء الأنبوب مع المملكة السعودية، غير أن المفاوضات توقفت في العام 2002، نتيجة اختلاف وجهات النظر حول حماية الأنبوب، والتي تقتضي- من الجانب السعودي- منح كامل السيادة لهم على طول وعرض مساحة المشروع.

ووفقًا لبرقية دبلوماسية أميركية مسربة عام 2008، ظل السعوديون حريصين على تأمين الأراضي وبناء خط أنابيب في المستقبل عبر شراء ولاء القادة المحليين في جميع أنحاء البلاد. وبالتالي، استمر الكثيرون في النظر إلى رغبة السعودية في إنشاء خط أنابيب نفط في اليمن على أنها بُعد رئيس للعلاقة السعودية اليمنية.

وتكشف برقية سرية صادرة عن مكتب ولي العهد السعودي السابق، نايف بن عبد العزيز، في منتصف جماد الأول 1433هـ. الموافق أبريل/ نيسان 2012م. حرص السعودية على تنفيذ مشروع أنبوب النفط وتمريره إلى بحر العرب إما عبر الأراضي اليمنية أو العمانية.                  

دوافع العودة

لطالما مثّل الوصول إلى سواحل بحر العرب "هدفًا جيوسياسيًا" راسخًا في حسابات صانع القرار في الرياض. فالسعودية تعتمد بدرجة رئيسة على مضيق هرمز كممر لتصدير نفطها، وهو مسار يظل عرضة للتهديد في حالات التصعيد مع إيران، كما هو قائم في الوقت الراهن.

ومن هذا المنطلق، يكتسب الوصول إلى بحر العرب أهمية إستراتيجية؛ إذ يتيح تقليل المخاطر الجيوسياسية، وضمان استمرارية تدفق الصادرات في حالات الطوارئ، وتعزيز هامش الاستقلالية في سياسة الطاقة.

في المقابل، يبرز عامل سياسي بالغ الأهمية يتمثل في طبيعة العلاقة بين الرياض والحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا؛ حيث تمارس السعودية نفوذًا واسعًا على القرار السياسي اليمني، ما يضع الحكومة في موقع تفاوضي محدود القدرة، ويقيّد هامشها في فرض الشروط أو تحسينها في أي ترتيبات محتملة تتعلق بالمشروع.

إلى جانب ذلك، استطاعت السعودية، خلال سنوات تدخلها في اليمن، ترسيخ حضورها في محافظة المهرة عبر مزيج من الانتشار العسكري وبناء شبكات نفوذ محلية.

فمنذ منتصف نوفمبر 2017، بدأت المملكة في توسيع وجودها داخل المحافظة، حيث أحكمت سيطرتها على عدد من المرافق الحيوية، بما في ذلك ميناء نشطون، ومعبري صرفيت وشحن الحدوديين، إضافة إلى مطار الغيضة، عاصمة المحافظة. كما أنشأت سلسلة من المعسكرات والمواقع العسكرية على امتداد المناطق الساحلية للمحافظة.

وتشير معطيات متداولة إلى أن عدد المعسكرات التي أقامتها السعودية منذ أواخر 2017 لا يقل عن عشرة معسكرات.

ومع وصول قواتها إلى المهرة بذريعة مكافحة التهريب، شرعت في سبتمبر 2018 باتخاذ خطوات أولية لتنفيذ مشروع الأنبوب، من خلال وضع علامات لمسار الخط في صحراء المحافظة، غير أن هذه التحركات قوبلت برفض قبلي؛ حيث أقدم رجال القبائل المهرية على إيقافها.

في هذا السياق، يؤكد الشيخ علي سالم الحريزي امتلاكهم معلومات تفيد بأن شركة ألمانية -سبق أن نفذت مشاريع بنية تحتية لصالح السعودية- حصلت على امتياز إنشاء ميناء نفطي سعودي في المهرة.

وبحسب هذه الرواية، فقد باشرت الشركة بالفعل في سبتمبر 2018 بوضع العلامات الأولية لمسار المشروع، قبل أن تقوم القبائل بإزالتها، ما دفع الشركة إلى وقف العمل نتيجة تصاعد المخاطر الأمنية التي واجهتها خلال مرحلة التنفيذ.

ميدانيًا، شهد مارس 2018 خطوة لافتة تمثلت في تحويل مطار الغيضة إلى قاعدة عسكرية سعودية، في تجاوز لأحد الشروط الأساسية التي وضعتها السلطات المحلية.

وضمت القاعدة مركز قيادة عمليات يتولى إدارة المعلومات الاستخباراتية، وتنظيم المهام، والإشراف على المعسكرات السعودية الرئيسة في المحافظة، والتي تنسّق بدورها مع مواقع عسكرية أصغر. كما أُنشئت قاعدة عسكرية إضافية في ميناء نشطون مطلع العام ذاته.

ويُقدَّر عدد القوات السعودية المنتشرة في المهرة بما يتراوح بين 1500 و2000 جندي. وبحلول عام 2019 كانت المملكة قد أقامت أكثر من 20 قاعدة وموقعًا عسكريًا في عموم المحافظة.

عوائق التنفيذ

يواجه المشروع تحدياً جوهرياً يتمثل في الموقف المحلي. فقد شهدت المهرة خلال السنوات الماضية احتجاجات متكررة ضد الوجود العسكري السعودي، ورفضاً لأي ترتيبات يُنظر إليها على أنها تنتقص من السيادة اليمنية.

وبالتالي، فإن أي محاولة لتمرير المشروع دون معالجة هذه التعقيدات قد تؤدي إلى خلق بؤرة توتر جديدة في منطقة كانت تُعد نسبياً مستقرة.

في الوقت ذاته، فسلطنة عُمان، التي ترتبط بحدود طويلة مع المهرة، تنظر بحذر إلى أي توسع سعودي في المنطقة، لما قد يحمله من تداعيات أمنية وجيوسياسية.

وفي هذا الإطار، أسّس قادة احتجاجات المهرة، في سبتمبر 2019، وبدعم من عُمان، مجلس الإنقاذ الوطني الجنوبي لمواجهة المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات وطرد القوات العسكرية التابعة للتحالف بقيادة السعودية من كلٍّ من المهرة وجنوب اليمن.

ورغم الأهمية الإستراتيجية للمشروع، إلا أن تنفيذه يظل محفوفاً بجملة من التحديات، تشمل الكلفة الاقتصادية العالية، والهشاشة الأمنية، وتعقيدات المشهد السياسي اليمني. كما أن غياب سلطة مركزية مستقرة وقادرة على اتخاذ قرار سيادي جامع يمثل عائقاً إضافياً أمام أي مشروع بهذا الحجم.

العائق الحوثي

إلى جانب العوامل السابقة، يبرز عامل حاسم لا يقل أهمية أو تأثيرًا، يتمثل في جماعة الحوثي التي تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى لاعب رئيس في المعادلة اليمنية والإقليمية.

وفي هذا السياق، يبدو أن أي مشروع لمدّ أنبوب نفط عبر الأراضي اليمنية سيظل مرهونًا، بشكل أو بآخر، بموقف الجماعة؛ إذ إن تجاهلها أو تجاوزها دون تفاهمات مباشرة، أو دون إدماجها ضمن ترتيبات الصفقة، من شأنه أن يضع المشروع أمام مخاطر تعطيل جدية، قد تصل إلى حد إفشاله.

وتعزز هذه القراءة سوابق ميدانية واضحة؛ إذ تمكنت الجماعة في عام 2022 من تعطيل تصدير النفط اليمني عبر استهداف موانئ التصدير في شبوة وحضرموت، تحت مبرر وقف "نهب الثروات النفطية".

وهو ما يمكن أن يتكرر في حال المضي بمشروع الأنبوب دون التوصل إلى تفاهمات تضمن لهم حصة أو دورًا فيه.

على المستوى السياسي، عبّرت المؤسسات التابعة لسلطة الحوثيين عن موقف رافض لأي ترتيبات تُبرم خارج نطاقهم.

فقد أعلنت هيئة المساحة الجيولوجية والثروات المعدنية التابعة لحكومة صنعاء غير المعترف بها دوليًا رفضها لأي إجراءات أو تفاهمات بين الجانب السعودي وهيئة المساحة الجيولوجية التابعة للحكومة المعترف بها، عادّة تلك الخطوة لاغية وباطلة وغير قانونية، بحجة أنها تصدر عن جهة "منتحلة للصفة".

ويعكس هذا الموقف رسالة سياسية واضحة مفادها أن أي مشروع إستراتيجي بهذا الحجم لن يكون مقبولًا من وجهة نظر الجماعة ما لم يمر عبر قنواتها أو يُعاد تعريفه ضمن إطار تفاوضي يشملها.

وفي سياق تصعيد أدوات الضغط، تتجه الجماعة إلى توسيع نطاق نفوذها البحري، مستفيدة من موقعها الجغرافي وتنامي قدراتها.

في هذا الإطار، نقلت صحيفة وول ستريت جورنال عن مسؤولين عرب أن جماعة الحوثي قد تتجه إلى فرض رسوم عبور على السفن المارة عبر مضيق باب المندب، كما أشارت إلى ضغوط إيرانية تُمارس على الجماعة لدفعها نحو إغلاق المضيق.

وتأتي هذه المعطيات ضمن سياق أوسع من الرسائل السياسية الموجهة إلى السعودية ودول الإقليم، مفادها أن الحوثيين يمتلكون القدرة على التأثير في معادلات الطاقة والتجارة، وعلى فرض خياراتهم أو عرقلة مشاريع إستراتيجية كبرى ما لم تُؤخذ مصالحهم في الحسبان.

بين الطاقة والسياسة

في نهاية المطاف، فإن اختزال مشروع الانبوب النفطي السعودي في كونه بنية تحتية لنقل النفط يقدّم قراءة ناقصة.

فمن الناحية العملية، يمثل أنبوب النفط المقترح أداة لإعادة تشكيل موازين القوة، وليس مجرد مسار بديل للطاقة. فبإنشاء منفذ مباشر على بحر العرب، تتحرر السعودية -جزئيًا- من قيد الجغرافيا الذي يفرضه مضيق هرمز، ما يقلّص قدرة الخصوم-خصوصًا إيران-على استخدامه كورقة ضغط، ويعيد توزيع عناصر الردع في الإقليم.

هذا التحول يمنح الرياض هامشًا أوسع في صياغة سياستها الخارجية؛ إذ تنتقل من موقع المتأثر بالممرات إلى موقع المبادر بخلق مسارات بديلة.

كما أن ربط الأنبوب ببنية لوجستية أوسع (موانئ، طرق، وربما سكك حديد) يحوّله إلى ممر اقتصادي عابر للحدود، بما يعزز النفوذ السعودي في جنوب الجزيرة العربية ويعيد دمج شرق اليمن ضمن مجالها الحيوي.

إقليميًا، يفتح المشروع الباب لإعادة تشكيل شبكة تدفقات الطاقة والتجارة، عبر تقليص مركزية هرمز لصالح مسارات جديدة، وهو ما قد يعيد توزيع الأدوار بين الفاعلين الإقليميين.

دوليًا، يمنح السعودية موقعًا أكثر تأثيرًا في أسواق الطاقة، ليس فقط كمصدر رئيس، بل كفاعل يتحكم في تنويع المسارات وتقليل المخاطر، وهو عنصر حاسم في معادلات التسعير والأمن الطاقي.

إجمالاً، على المدى القصير سيبقى المشروع في إطار التهيئة السياسية والفنية (دراسات، تفاهمات، تمهيد قانوني) دون انتقال فعلي للتنفيذ.

لكن على المدى المتوسط والبعيد قد يتحول إلى ورقة تفاوضية ضمن ترتيبات أوسع تتعلق بتسوية سياسية في اليمن أو تفاهم إقليمي.

فنجاحه لا يعتمد على الإرادة السعودية وحدها، بل وعلى توازنات معقدة داخل اليمن وعلى مستوى الإقليم.