من الأمن إلى الاقتصاد.. تحولات العراق الجديدة تفتح باب المقاربة البراغماتية مع تركيا

"تبرز تركيا باعتبارها فاعلا يسعى إلى صياغة مقاربة مختلفة تجاه العراق"
في ظل التحولات العميقة التي يشهدها العراق بعد تشكيل حكومته الجديدة، تتجه أنقرة نحو مقاربة أكثر براغماتية ومرونة تقوم على إدارة التوازنات، بما يعكس سعيا متبادلا للحفاظ على التقارب الإستراتيجي بين البلدين وسط بيئة إقليمية مضطربة.
ونشر مركز "فيكير تورو" التركي مقالا للكاتب بِي لجاي دومان، تحدّث فيه عن حكومة العراق الجديدة برئاسة علي فالح كاظم الزيدي oghg مايو/أيار 2026؛ حيث شكّل تشكيل هذه الحكومة نهاية لأزمة سياسية، استمرت قرابة 6 أشهر عقب الانتخابات التشريعية التي جرت في نوفمبر/تشرين الثاني 2025.
واستدرك الكاتب التركي: “غير أن قراءة المشهد العراقي من زاوية تشكيل الحكومة فقط تبدو قراءة سطحية؛ لأن الأزمة في جوهرها كانت انعكاسا لتحولات أعمق تتعلق بإعادة توزيع النفوذ داخل النظام السياسي العراقي، وتبدل طبيعة التوازنات الإقليمية المؤثرة في بغداد”.

الشراكات المتوازنة
وقال دومان: إن المشهد الذي رافق انتخاب رئيس الجمهورية، وصعود مرشح الاتحاد الوطني الكردستاني نزار آميدي، قد كشف عن تصدعات متزايدة داخل التحالفات التقليدية التي حكمت العراق بعد 2003.
إذ لم يعد الانقسام محصورا بين المكونات الرئيسية فقط، بل بات يمتد داخل كل مكون سياسي على حدة؛ سواء في البيت الشيعي الذي يشهد تنافسا بين قوى الدولة والفصائل المسلحة.
أو داخل الساحة الكردية التي تعاني من صراع نفوذ بين أربيل والسليمانية، أو حتى في البيئة السنية التي دخلت مرحلة إعادة تموضع سياسي وتحالفي.
من هنا، فإن الحكومة الجديدة لا تعكس فقط تسوية سياسية مؤقتة، بل تعبّر عن مرحلة انتقالية تتراجع فيها صيغة "التوافق التقليدي" لصالح مشهد أكثر تفتتا وأقل استقرارا، يوضح دومان.
وما يؤكّد ذلك هو أن الحكومة لم تتمكن من تمرير جميع وزرائها دفعة واحدة، إضافة إلى استمرار الخلافات حول الوزارات السيادية والأمنية، وهو ما يكشف هشاشة البنية السياسية العراقية وعدم قدرة القوى المختلفة على إنتاج توافقات مستقرة طويلة الأمد.
واستدرك الكاتب أنه "رغم التغيير الحكومي، فإن البرنامج السياسي والاقتصادي للحكومة الجديدة لا يمثل قطيعة مع مرحلة محمد شياع السوداني، بل يبدو امتدادا معدلا لها".
فَشعار "الدولة المستقرة والاقتصاد المنتج والشراكات المتوازنة" يعكس استمرار الرهان على إعادة بناء مؤسسات الدولة وتحسين الأداء الاقتصادي، مع الحفاظ على سياسة خارجية قائمة على التوازن بين المحاور الإقليمية والدولية.
لكنّ التحدي الأساسي يكمن في أن العراق يحاول تطبيق هذا التوازن في بيئة إقليمية تزداد اضطرابا.
فالتصعيد المتكرر بين الولايات المتحدة وإيران، وتزايد الضغوط الإسرائيلية على طهران، واحتمالات اتساع الصراع الإقليمي، كلّ ذلك يجعل العراق معرضا دائما للتحول إلى ساحة مواجهة غير مباشرة.
لذلك فإن الحديث عن "الشراكات المتوازنة" لا يعبر فقط عن رؤية دبلوماسية، بل يمثل محاولة لحماية العراق من الانزلاق مجددا إلى سياسة المحاور.
في هذا السياق، تبدو سرعة الترحيب الأميركي والإيراني بالحكومة الجديدة مؤشرا مهما على وجود تفاهم ضمني بين الطرفين على ضرورة منع انهيار التوازن العراقي، حتى وإن ظل هذا التوازن هشا وقابلا للاهتزاز مع أي تصعيد إقليمي جديد.
تحالفات وتوازنات
ضمن هذا المشهد المعقد، تبرز تركيا بوصفها فاعلا يسعى إلى صياغة مقاربة مختلفة تجاه العراق.
فأنقرة لم تعد تنظر إلى العراق بوصفه ملفا أمنيا مرتبطا بمكافحة حزب العمال الكردستاني "بي كا كا" فحسب، بل باتت تتعامل معه على أنه مساحة إستراتيجية ترتبط بمشاريع الطاقة والتجارة والنقل وإعادة تشكيل الجغرافيا الاقتصادية للمنطقة.
وقال دومان: إن تركيا تحاول تقديم نفسها كشريك قادر على دعم استقرار الدولة العراقية بدلا من الاستثمار في الانقسامات الداخلية.
لذلك تركز على مشاريع مثل "طريق التنمية" والتكامل الاقتصادي والتعاون المؤسسي، بوصفها أدوات لإعادة دمج العراق في الاقتصاد الإقليمي، وتحويله من ساحة صراع إلى عقدة ربط جيوسياسية.
وهذا التحول في الرؤية التركية، وفق الكاتب، يرتبط أيضا بإدراك أنقرة بأن العراق قد أصبح عنصرا أساسيا في معادلة الأمن الإقليمي؛ حيث إن استقرار العراق أو انهياره لا ينعكس فقط على أمن الحدود التركية، بل يؤثر في مجمل التوازنات الاقتصادية والسياسية في المنطقة.
ونجد أن أحد أبرز التحولات في السياسة التركية تجاه العراق يتمثل في انتقال أنقرة من سياسة قائمة على دعم أطراف محددة، إلى سياسة أكثر مرونة تقوم على إدارة التوازنات.
ففي السابق، كانت تركيا تميل إلى بناء علاقات وثيقة مع قوى وشخصيات بعينها، لكن المشهد العراقي المتغير دفعها إلى تبني مقاربة أكثر براغماتية.
ويظهر ذلك بوضوح في تعاملها مع مرحلة تشكيل الحكومة الجديدة؛ حيث حرصت أنقرة على عدم الانحياز العلني لأي طرف، وركزت بدلا من ذلك على ضمان استمرار العلاقات الإستراتيجية مع الدولة العراقية بغضّ النظر عن شكل التحالفات السياسية الحاكمة.
كما أن الانفتاح النسبي على الاتحاد الوطني الكردستاني، والتفاهمات الجديدة في كركوك، ومحاولات تخفيف التوتر مع السليمانية، كلها تعكس رغبة تركية في توسيع شبكة العلاقات داخل العراق وعدم حصرها في شريك واحد.

البعد الأمني
وأردف الكاتب: "من الجانب الأمني نجد أن الإستراتيجية التركية في طور التحول أيضا، فأنقرة باتت تدرك أن التهديدات الأمنية في العراق لا ترتبط فقط بوجود حزب العمال الكردستاني، بل كذلك بضعف مؤسسات الدولة العراقية ووجود فراغات أمنية وسياسية تسمح بتمدد الجماعات المسلحة”.
لهذا، فإن المقاربة التركية الحالية لا تعتمد فقط على العمليات العسكرية، بل تسعى إلى بناء بيئة إقليمية أكثر استقرارا عبر دعم مؤسسات الدولة وتعزيز التعاون الأمني مع بغداد.
من هنا تأتي أهمية تركيز الحكومة العراقية الجديدة على مبدأ "حصر السلاح بيد الدولة"، فهذا المبدأ يعد نقطة تقاطع مهمة بين الرؤية العراقية الرسمية والمصالح التركية.
وشدد الكاتب على أن “أهمية العراق تكمن في كونه ليس مجرد دولة ذات أزمات داخلية، بل مركزا جيوسياسيا تتقاطع عنده مشاريع النفوذ الإقليمي وخطوط التجارة والطاقة. وهذه المركزية تمنحه وزنا إستراتيجيا كبيرا، لكنها في الوقت نفسه تجعله عرضة دائمة لِلتجاذبات والصراعات”.
ولفت إلى أن "العراق يمتلك القدرة على التحول إلى محور للترابط الاقتصادي الإقليمي، وذلك في حال نجاحه في تحقيق الاستقرار السياسي وتعزيز سيادة الدولة، لكنه قد يتحول أيضا إلى بؤرة صراع مفتوحة، إذا استمرت الانقسامات الداخلية وتفاقمت المنافسات الإقليمية على أرضه".
واستطرد: “من هنا، فإن أي مسار جديد للتعاون الإستراتيجي بين تركيا والعراق لم يعد يقتصر تأثيره على مستوى العلاقات الثنائية فحسب، بل بات يرتبط بصورة مباشرة بمستقبل التوازنات الإقليمية في الشرق الأوسط”.
وقال دومان: إن “الرؤية التركية خلال السنوات الأخيرة تعكس تحولا واضحا في مقاربة العراق؛ إذ لم تعد أنقرة تنظر إليه فقط من زاوية التحديات الأمنية، بل تعده فضاء جيوسياسيا يمكن أن يتحول إلى مركز للترابط الاقتصادي والتكامل الإقليمي والاستقرار المؤسسي”.
واستدرك: “لكن نجاح هذه الرؤية لا يعتمد على التحرك التركي وحده، بل يرتبط أيضا بقدرة بغداد على إنتاج إرادة سياسية موازية، وبناء مؤسسات دولة قادرة على إدارة الانقسامات الداخلية وحماية القرار السيادي”.
وتابع: “في هذا الإطار، يمكن القول إن فرص استدامة هذا التقارب تقف على مدى نجاح رئيس الوزراء الجديد، الزيدي، في احتواء الهشاشة السياسية الداخلية، وتحقيق توازن دقيق في علاقات العراق الإقليمية والدولية”.

















