ستيفن شوليس وشبكة الإمارات.. كيف تدار عمليات تسليح الدعم السريع؟

داود علي | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

كشفت مسودة تقرير أممي، اطلعت عليها رويترز ونشرت تفاصيلها في تحقيق حصري يوم 29 يوليو/ تموز 2026، أن طائرات بوينج 727 مرتبطة بشبكة أعمال متعاقد عسكري أميركي، نقلت أسلحة ومسيرات ومرتزقة ومقاتلين لصالح مليشيا الدعم السريع المدعومة إماراتيا إلى دارفور. 

واستند خبراء الأمم المتحدة إلى إفادات شاهدين في نيالا ومراسلات دولتين عضوين، قبل أن يخلصوا إلى استخدام ممر جوي خفي بين نجامينا ونيالا لإسناد القوة شبه العسكرية المتهمة بارتكاب إبادة جماعية. 

وتقود خيوط الطائرات إلى ستيفن شوليس، الجندي السابق في القوات الخاصة الأميركية، وصاحب شبكة شركات حصلت على عقود بمئات الملايين من واشنطن والأمم المتحدة، وتملك حضورا تجاريا وتشغيليا في الإمارات وإفريقيا. فكيف دخلت طائرات مرتبطة بمتعاقد خدم المصالح الأميركية إلى شبكة إمداد الدعم السريع؟ ومن اشترى الطائرات وشغلها ومول رحلاتها؟ وكيف عبرت المطارات العسكرية واختفت عن أنظمة التتبع؟ ومن هو المتعاقد الأميركي شوليس وما علاقته بالإمارات؟

من القبعات الخضراء إلى عقود الحرب

ويبدأ المسار بالإجابة عن من هو ستيفن شوليس؟ وهو جندي أميركي عمل ضمن القوات الخاصة للجيش الأميركي المعروفة باسم "القبعات الخضراء" قبل أن يغادرها منذ عقدين، لينتقل للعمل في مشروعات زراعية وتنموية بآسيا الوسطى. 

وفي عام 2002، أسس مجموعة "CADG"، المعروفة سابقا باسم "Central Asia Development Group"، قبل أن تتحول من شركة تعمل في التجارة الزراعية إلى متعاقد دولي يقدم خدمات الإنشاء والطيران والنقل والإمداد وتشغيل المنشآت في مناطق الحرب والبيئات النائية.

وتقدم الشركة، المسجلة في سنغافورة، شوليس بصفته مديرها التنفيذي، وتقول: إنها نفذت مشروعات تتجاوز قيمتها 800 مليون دولار في إفريقيا وآسيا والشرق الأوسط. 

غير أن حجم علاقته بالمؤسسات الأميركية يتضح بصورة أكبر في السجلات الحكومية التي راجعتها رويترز؛ إذ حصلت شركاته منذ 2002 على ما لا يقل عن 419 مليون دولار من أموال دافعي الضرائب الأميركيين عبر عقود عسكرية ومشروعات مساعدات خارجية.

شملت تلك العقود بناء منشآت للقوات الأميركية في أفغانستان، وتوفير أنظمة تكييف لها في العراق، والعمل في مطار تابع لوزارة الدفاع الأميركية في كينيا. كما نفذت شركاته مرافق مياه للقوات الجوية الأميركية في كينيا، ومباني للجيش في جمهورية أفريقيا الوسطى، ومنشآت للوكالة الأميركية للتنمية الدولية في موزمبيق.

 وإلى جانب واشنطن، تلقت شركات المجموعة أكثر من 160 مليون دولار مقابل أعمال لوكالات تابعة للأمم المتحدة خلال عقدين.

وتؤكد هذه المسيرة أن شوليس ليس وسيط طيران ظهر فجأة في حرب السودان، بل متعاقد خبير في العمل داخل البيئات العسكرية المعقدة. 

وتقول "CADG": إنها تمتلك أسطول نقل جوي وبري وشبكة مورّدين دولية، ولديها مكتب ومستودع كبير في دبي، فضلا عن قواعد جوية في جنوب أفريقيا والسودان. 

وهذه البنية هي التي جعلت انتقال نشاط شركات مرتبطة به إلى المسارات المحيطة بدارفور أكثر من مجرد مصادفة جغرافية.

الإمارات تمول أسطول شوليس

وتربط الوثائق بين شوليس والطائرات عبر شركتين رئيسيتين، "Occidental Support Services"، المسجلة في الإمارات والمملوكة له بالكامل، و"Contractor Airways" الجنوب إفريقية التي يتقاسم ملكيتها مع شريكه كريغ مونرو. وتولت الأولى التمويل والتوظيف، بينما ظهرت الثانية بصفتها مشتريا لعدد من طائرات بوينج القديمة.

بدأ أحد المسارات في البرازيل؛ حيث باعت شركة "Total Linhas Aéreas" طائرة بوينج "727"، تحمل الرقم التسلسلي "22438"، مقابل نحو مليون دولار إلى وسيط أميركي يدعى مايكل فيريرا. 

وقالت الشركة البرازيلية: إن الوسيط باع الطائرة لاحقا إلى "Occidental"، وظهرت شركة شوليس أيضا مشغلا جديدًا للطائرة في وثائق التسجيل البرازيلية، قبل إعادة طلائها باللون الأبيض ونقلها إلى تشاد في نوفمبر/ تشرين الثاني 2024.

أما المسار الثاني فبدأ من ولاية ميشيغان الأميركية، ففي 29 مايو 2025، اشترت "Contractor Airways" طائرة بوينج "727" من شركة "Kalitta Charters II" المتعاقدة مع الحكومة الأميركية. 

وأظهرت وثائق هيئة الطيران الفيدرالية أن الطائرة التي كانت تحمل التسجيل "N726CK"، انتقلت إلى الشركة التي يملكها شوليس ومونرو، ثم وصلت إلى نجامينا في يوم توقيع العقد.

وقال مونرو لرويترز: إن "Occidental Support Services" قدمت التمويل اللازم لشراء طائرات "Contractor Airways"، ما يجعل شركة شوليس الإماراتية حلقة مالية مباشرة في تكوين الأسطول. 

لكن الدور التشغيلي لـ "Occidental" ظهر أيضا في عقود طاقم طائرة بوينج "737" التي دمرها الجيش السوداني في نيالا في مايو 2025؛ إذ كان طيار من جنوب السودان ومهندس أرضي بيروفي على متنها يعملان لديها. 

ولا تكشف السجلات المنشورة مصدر تمويل الشركة أو هوية العميل النهائي للرحلات، كما لا تقدم دليلا على أن الحكومة الإماراتية تعاقدت مع شوليس، لكنها تثبت أن شركة إماراتية يملكها موّلت الطائرات ووفرت بعض أطقمها.

طائرات تختفي بين أربع دول

وانتقلت الطائرات من عمليات شراء تبدو مدنية إلى مسارات تصل بين نجامينا والكفرة ونيالا وبوصاصو، وهي مطارات حددها خبراء ودبلوماسيون بوصفها عقدا في شبكة الإمداد الإقليمية لمليشيا الدعم السريع. 

واعتمدت رويترز في تتبعها على صور الأقمار الصناعية وبيانات مواقع الهواتف وتسجيلات مفتوحة المصدر، بعدما غابت معظم الرحلات عن منصات التتبع المعتادة. ظهرت الطائرات بصورة متكررة داخل الساحة العسكرية المحصنة في مطار نجامينا؛ حيث تتمركز طائرات القوات الجوية التشادية والمسيرات والطائرة الرئاسية. 

ومن هناك، نفذت الطائرة القادمة من شركة "كاليتا" سبع رحلات على الأقل إلى الكفرة بين يونيو/ حزيران وأكتوبر/ تشرين الأول 2025، قبل أن يظهر تسجيل مصور لها وهي تهبط في نيالا. أما طائرة البرازيل، فرصدت في ثلاث رحلات إلى الكفرة بين مارس/ آذار 2025 ويناير/ كانون الثاني 2026.

وكانت بوينج "737" أول دليل بشري على طبيعة الشبكة. فقبل ساعات من استهدافها في نيالا، ظهرت داخل الجزء العسكري من مطار نجامينا، ثم وصلت إلى معقل الدعم السريع ليل 2 مايو 2025. 

وبعد نحو أربع ساعات دمرها الجيش السوداني. وقالت مصادر عسكرية حينها: إن 51 من بين 54 قتيلا كانوا من مقاتلي الدعم السريع، بينهم ستة ضباط كبار على الأقل.

المفارقة أن هيئة الطيران المدني التشادية قالت إن الطائرات لم تحصل على تراخيص للعمل من البلاد، وإنها لم تقدم طلبات التسجيل وشهادات التشغيل اللازمة. وأوضحت، في الوقت نفسه، أنها لا تدير الطيران العسكري أو أنظمة مراقبة تحركاته. أما وزير الخارجية التشادي عبد الله صابر فضل فقال: إن الأسئلة عن الطائرات تخضع للسرية الدفاعية.

ورجّح فريق الخبراء الأممي أن طائرات بوينج اتخذت خطوات متعمدة لتجنب رصدها أثناء التحليق. ورغم عدم تفصيل هذه الخطوات، تكشف الرحلات الليلية، وغياب إشارات البث، وتغيير الطلاء وعلامات التسجيل، والعمل من ساحة عسكرية، منظومة مصممة لتقليص آثار الحركة عبر الحدود.

جسر جوي في قلب معركة دارفور

وحسمت مسودة تقرير الأمم المتحدة الجزء الذي ظل غامضا حول طبيعة حمولة الطائرات، وقالت لجنة الخبراء إنها حصلت على معلومات موثوقة من أربعة مصادر تفيد بأن طائرات بوينج نقلت مقاتلين من مليشيا الدعم السريع ومرتزقة أجانب ومعدات عسكرية، بينها مسيرات وأسلحة.

استندت اللجنة إلى شاهدين في نيالا ومراسلات من دولتين عضوين، وخلصت إلى أن مليشيا الدعم السريع استخدمت الممر الجوي بين نجامينا ونيالا لإيصال الرجال والسلاح إلى دارفور. 

كما وثقت هبوط طائرات بوينج "727" وإليوشن "إل-76" في نيالا ليلا بين يناير/ كانون الثاني ويوليو/ تموز 2026، رغم عدم تسجيل تحركاتها في أنظمة المراقبة المستقلة.

كانت نيالا الوجهة النهائية الأكثر أهمية؛ إذ تحولت بعد اندلاع الحرب إلى المركز العسكري واللوجستي الرئيس للدعم السريع في دارفور. أما الكفرة في جنوب شرقي ليبيا، والخاضعة لمليشيا خليفة حفتر، فشكلت محطة وسيطة بين الرحلات الجوية وخطوط النقل البرية المتجهة إلى السودان. وربطت رويترز ثلاث طائرات تابعة لشبكة شوليس بست عشرة عملية هبوط على الأقل في نيالا والكفرة وبوصاصو.

جاءت هذه الحركة في مرحلة حاسمة من حصار الفاشر، الذي استمر 18 شهرا وانتهى بسيطرة الدعم السريع على المدينة في أكتوبر/ تشرين الأول 2025. وخلال الحصار، وفرت شبكة الإمداد العابرة للحدود الوقود والمقاتلين والمسيرات والذخائر اللازمة لاستمرار العمليات حول آخر معقل رئيس للجيش في دارفور.

وتكشف مسودة التقرير حلقة أخرى من الشبكة؛ إذ قدرت عدد المرتزقة الكولومبيين بما بين 1500 وألفي رجل. وأقام هؤلاء، المعروفون باسم "ذئاب الصحراء"، قاعدة في نيالا منذ مارس 2025، وشغلوا المسيرات وشاركوا في التخطيط لمعركة الفاشر. وقال الخبراء: إن شركة "Global Security Services Group" الإماراتية وظفتهم.

شبكة مكتملة ومسؤولية غائبة

وتضع النتائج الجديدة شركات المتعاقد والجندي الأميركي السابق شوليس داخل البنية التي خدمت الدعم السريع، لكنها لا تقدم بعد إجابة كاملة عن الجهة التي أدارت الشبكة من أعلاها. 

فالمثبت أن شركة يملكها في الإمارات اشترت إحدى الطائرات، ومولت شراء طائرات أخرى، ووظفت أفرادا من طاقم رحلة انتهت في نيالا. والمثبت أيضا أن طائرات مرتبطة بشركاته نقلت مقاتلين ومرتزقة وأسلحة ومسيرات. أما هوية العميل الذي استأجر الطائرات، والجهة التي دفعت تكاليف الوقود والصيانة والرواتب، ومستوى معرفة شوليس بتفاصيل الحمولات، فلا تزال خارج السجل المنشور.

ويفرض مجلس الأمن منذ 2004 حظرا على تزويد الأطراف المتحاربة في دارفور بالأسلحة والمعدات والمساعدة التقنية. وبذلك، لا تتعلق المسؤولية بمشغل الطائرة وحده، بل تمتد إلى الدول التي سمحت باستخدام مطاراتها، والشركات التي باعت الطائرات، والجهات التي موَّلت الرحلات أو تعاقدت عليها، متى ثبت علمها بالوجهة والمستخدم النهائي.