حميدتي في أديس أبابا وحشد عسكري على الحدود.. هل تقترب معركة الدمازين؟

العلاقة مع حميدتي قد تمنح إثيوبيا ورقة ضغط على الخرطوم، وهامشا للتحرك داخل المناطق السودانية
عاد قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو "حميدتي" إلى أديس أبابا في زيارة غير معلنة يوم 26 أغسطس/ آب 2026، بالتزامن مع تصاعد العمليات العسكرية لقواته وحلفائها في النيل الأزرق، واقترابها من المواقع التي تحمي الطرق المؤدية إلى الدمازين، عاصمة الإقليم.
وفي الوقت نفسه، كشفت صور الأقمار الصناعية عن حشد عسكري متسارع في قاعدة أصوصا الإثيوبية، شمل عشرات المركبات العسكرية وناقلات الجند، إلى جانب نشاط لوجستي متزايد، بينما دفع الجيش السوداني بتعزيزات إلى الدمازين لاستعادة المواقع التي فقدها في المناطق الحدودية.
ويضع تزامن زيارة حميدتي مع هذا الحشد العسكري أديس أبابا في قلب تطورات جبهة النيل الأزرق، ويفتح الباب أمام تساؤلات بشأن طبيعة الترتيبات الأمنية والعسكرية على الحدود، وما إذا كانت المنطقة تتحول إلى ممر لإمداد قوات الدعم السريع ودعم تقدمها باتجاه الدمازين.
وتزداد أهمية هذه التطورات مع انتقال المعارك من المناطق الحدودية إلى مواقع تحمي طرق الإمداد وعاصمة الإقليم، بما يجعل قدرة الجيش على قطع خطوط الإمداد القادمة من الحدود، ومواجهة الطائرات المسيرة، عاملا حاسما في تحديد اتجاه المعركة المقبلة.

طاولة أديس أبابا
وتناولت محادثات حميدتي الحرب وآفاق السلام وأمن الحدود، بحسب مصدر في قيادة الدعم السريع وآخر حكومي إثيوبي تحدثا إلى "مدى مصر".
وقال المصدر الأول: إن اتساع العمليات في النيل الأزرق يزيد أهمية التواصل مع أديس أبابا، مشيرًا إلى لقاء جمع حميدتي برئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، فيما لم يؤكد المصدر الإثيوبي اللقاء أو ينفه، مكتفيًا بتأكيد عقد اجتماعات مع مسؤولين إثيوبيين.
وحدد المصدر الحكومي أولوية إثيوبيا في منع امتداد القتال إلى أراضيها وحماية استقرار المناطق الحدودية، وقال: إن بلاده تراقب الجماعات المسلحة على جانبي الحدود، وتبقي قنواتها مفتوحة مع مختلف الأطراف السودانية، بعدما بدأت المعارك تؤثر في المناطق المجاورة لها.
ويجري هذا التواصل وسط اتهامات متبادلة بشأن دور إثيوبيا في الحرب السودانية؛ فقد نقلت رويترز، في مايو/ أيار 2025، اتهام الجيش السوداني لإثيوبيا والإمارات بالتورط في هجوم بطائرات مسيرة استهدف مطار الخرطوم.
وفي هذا المناخ، نقلت الوكالة عن مصدر في المخابرات السودانية تقديره أن أديس أبابا قد تستفيد من قوات حميدتي في مواجهة خصومها الداخليين، خصوصًا الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي.
وكان مصدر عسكري إثيوبي قد تحدث للموقع عن عبور مقاتلين من تيغراي من السودان إلى غرب الإقليم، قبل تجدد القتال مع الحكومة الاتحادية.
ويرى المصدر الاستخباراتي أن هذه العلاقة قد تمنح إثيوبيا ورقة ضغط على الخرطوم، وهامشًا للتحرك داخل المناطق السودانية المحاذية لحدودها.
وتفسر هذه القراءة جانبًا من القلق السوداني، بينما يربط دبلوماسي سوداني سابق أهمية زيارة حميدتي بما قد يعقبها من اجتماعات أمنية وترتيبات ميدانية.
وبحسب الدبلوماسي، يراقب قادة تيغراي التحركات العسكرية واللوجستية قرب الحدود السودانية، وقد يدفعهم توثيق العلاقة بين أديس أبابا وقوات الدعم السريع إلى إعادة النظر في انتشارهم على الحدود.

حشد عسكري
وفي قاعدة أصوصا التابعة للجيش الإثيوبي، رصد مختبر البحوث الإنسانية بجامعة ييل نحو 100 مركبة عسكرية خفيفة وصلت خلال خمسة أيام في أواخر أغسطس/ آب، إلى جانب 15 مركبة تتوافق مواصفاتها مع ناقلات جند مدرعة.
وأظهرت الصور تجهيزات لتثبيت الأسلحة، مع ترجيح وجود أسلحة مثبتة على خمس مركبات على الأقل.
وشمل الرصد حاويات وشاحنات وناقلات للمركبات، بعد تراكم ما لا يقل عن 60 حاوية شحن خلال نحو شهرين.
وتتقاطع هذه الصور مع رواية مصدر استخباراتي سوداني تحدث عن تسارع النشاط مع وصول مقاتلين من دارفور عبر جنوب السودان، إلى جانب ذخائر وصناديق يُعتقد أنها تحمل أسلحة ومستلزمات لمستشفيات ميدانية.
وأضاف المصدر أن كثرة الرحلات إلى مدارج ترابية جعلت عمليات نقل المقاتلين أكثر وضوحًا ورصدًا.
وسبق أن كشفت رويترز، في تحقيق نشرته في فبراير/ شباط 2026، عن معسكر آخر في منطقة مينغي بالإقليم نفسه، يُستخدم لتدريب آلاف المقاتلين لصالح قوات الدعم السريع.
واستند التحقيق إلى صور وشهادات ووثائق، وقال: إن المعسكر يقوم على تمويل إماراتي، في ظل اتهامات لأبوظبي بالانخراط في الحرب إلى جانب قوات حميدتي.
ورصد التحقيق أيضًا إنشاءات في مطار أصوصا، بينها تجهيزات للتحكم بالطائرات المسيرة، حدَّدها خبير في منظمة "باكس" الهولندية، فيما تحدث مسؤولون إثيوبيون عن خطط لتحويل المطار إلى مركز لعملياتها.
وبالتزامن مع الحشد، نقل موقع "مدى مصر" عن بيانات تتبع مفتوحة المصدر تسجيل 46 رحلة لطائرات إليوشن من الإمارات خلال أغسطس/ آب 2026، وهو أعلى إجمالي شهري منذ بدء الجسر الجوي، وفق البيانات.
وعن وجهة هذه الإمدادات، نقل الموقع عن مسؤول رفيع في القوات الجوية الإثيوبية قوله: إنها تخدم مواجهة الحكومة لخصومها، لكنها موجهة أساسًا إلى قوات حميدتي.
طرق الدمازين
وتنبع مخاوف الجيش السوداني من موقع الحشد بقدر حجم هذا الحشد. فأصوصا تقع في إقليم بني شنقول-قمز، على بُعد نحو 100 كيلومتر من الكرمك، وترتبط بمسارات برية وجوية تصل إلى مناطق العمليات في النيل الأزرق، بحسب مصادر أمنية وعسكرية تحدثت إلى "سودان تربيون".
وحذر مصدر استخباراتي في الفرقة الرابعة مشاة من تحول المنطقة الممتدة بين القاعدة ومواقع الدعم السريع إلى نطاق يصعب اختراقه.
ووفق روايته، قد يتيح ذلك ممرًا للإمدادات والعمليات باتجاه الدمازين، في ظل قدرة محدودة للجيش على اعتراض التحركات القادمة من الحدود.
وتعززت هذه المخاوف بعد خسارة قيسان والكرمك. وكانت الأخيرة قد انتقلت بين الطرفين، قبل أن تعيد قوات الدعم السريع تجميع قواتها في معسكرات بأصوصا وتشن هجومًا جديدًا، بحسب مصدر عسكري سوداني.
وقالت ثلاثة مصادر عسكرية للموقع: إن قوات عبرت من إثيوبيا وشاركت في الهجوم، بينما تحدث مسؤول إداري في أصوصا عن تحرك وحدات مشاة من قاعدة تابعة للدعم السريع نحو الحدود.
ثم امتد القتال إلى بكوري وسركم. ونقلت "سودان تربيون" إعلان قوات الدعم السريع السيطرة على المنطقتين، بالتحالف مع الحركة الشعبية بقيادة جوزيف توكا، وأوردت أن الجيش صد موجات الهجوم الصباحية قبل أن يعيد تموضعه خارج المنطقتين.
وتوضح الصحيفة أن بكوري، الواقعة على بُعد نحو 170 كيلومترًا جنوب شرقي الدمازين، تضمّ مقر لواء مشاة تابعًا للفرقة الرابعة، وهو ما يمنحها أهمية ضمن المواقع التي تحمي الطرق المؤدية إلى عاصمة الإقليم.
وتضيف رواية مصدر عسكري لموقع "عين السودان" تفاصيل عن الهجوم، مشيرًا إلى قصف كثيف بالطائرات المسيرة والمدفعية، أعقبه تقدم من ثلاثة اتجاهات، أحدها من داخل إثيوبيا.
وقال المصدر: إن نقص أنظمة التشويش أضعف الدفاعات، وانتهى بانسحابها، ثم إخلاء سركم ودخول المهاجمين إليها دون مقاومة.
وبحسب مصدر في الفرقة الرابعة، انتقلت المعركة من البلدات الحدودية إلى خطوط حماية الطرق المؤدية إلى الدمازين، لتصبح استعادة هذه المواقع أولوية بالنسبة للجيش.

اختبار الإمداد
ورد الجيش السوداني بإرسال تعزيزات كبيرة من الخرطوم والجزيرة وسنار إلى الدمازين، بهدف استعادة المواقع التي فقدها جنوب شرقي النيل الأزرق، وقد شملت لواءً من نخبة جهاز المخابرات العامة وكتائب من القوة المشتركة للحركات المسلحة المتحالفة معه.
وحملت القوات أنظمة للتشويش، وبدأ بعضها الانتشار شمال بكوري، استعدادًا لتنفيذ ضربات بالمدفعية والطائرات المسيرة.
وتأتي هذه التجهيزات بعد معركة ربطت المصادر خسارتها بعجز الوحدات عن الحد من هجمات الطائرات المسيرة، وهي مشكلة تبرز أهمية هذا السلاح في تقرير لبعثة تقصي الحقائق بشأن السودان، نقلته أسوشيتد برس.
فقد رصد التقرير شبكات تمد قوات الدعم السريع بالسلاح والتدريب والمتعاقدين الأجانب المرتبطين بمنظومات متقدمة وطائرات مسيرة، كما أشار إلى نتائج أولية بشأن إسهام طائرات مسيرة موردة من الخارج في توسيع قدرات الجيش السوداني أيضًا.
وفي الدمازين، تفقد قائد الجيش عبد الفتاح البرهان القوات، برفقة حاكم الإقليم وقائد الفرقة الرابعة.
وبحسب بيان للجيش، اطلع البرهان على الوضعين الأمني والعملياتي، وشدَّد على الجاهزية واليقظة والانضباط.
وفسرت مواقع محلية، منها "أخبار السودان"، الجولة بأنها محاولة لإظهار السيطرة على المدينة والرد على تصريحات قوات الدعم السريع بشأن اقترابها منها.
لكن مصدرًا في الفرقة الرابعة حدد تحديًا يتجاوز حجم التعزيزات، يتمثل في حماية الطرق ومستودعات الإمداد والمدفعية ووسائل الاتصالات المنتشرة على مساحات واسعة، بينما يتحرك الخصوم من محاور متعددة عبر الحدود ومناطق نفوذ الحركة الشعبية، ويضغطون لإجبار الجيش على إعادة توزيع وحداته.
وحذَّر مختبر البحوث الإنسانية بجامعة ييل من تزايد خطر مهاجمة الدمازين وسقوط ضحايا ونزوح مدنيين، بينهم من قد يعبر إلى إثيوبيا.
أما وقف التقدم، فيرتبط بمشكلة الإمداد؛ إذ تتحرك قوات الجيش من الدمازين عبر طرق يؤدي تعطيلها إلى إضعاف خطوط الإمداد وصعوبة الاحتفاظ بالمواقع التي تستعيدها.
لذلك، يظل تأمين طرق الحركة ومواجهة الطائرات المسيرة شرطين أساسيين لتثبيت تقدم الجيش، ومنع قوات الدعم السريع وحلفائها من تجديد الضغط على الدمازين.
المصادر
- Hemedti in Addis Ababa | Buildup at Ethiopian base fuels concerns over RSF corridor toward Blue Nile capital
- حميدتي في أديس أبابا.. اتهامات سودانية لإثيوبيا بهجمات من داخل أراضيها
- غارات ليلية عنيفة في الدمازين.. ماذا استهدفت؟
- السودان يتهم إثيوبيا بالتخطيط لاحتلال الفشقة والدمازين
- إثيوبيا تبني معسكرا سريا لتدريب مقاتلين لقوات الدعم السريع

















