من أجل النيجر.. لماذا تجاوزت الجزائر خطها الأحمر التاريخي؟

"استعراض هذه الطائرات يمثل كسرا لمحظور تاريخي بالنسبة إلى الجزائر، التي لطالما عارضت نشر قواتها خارج حدودها"
استعاد النظام العسكري بقيادة الجنرال عبد الرحمن تياني السيطرة على العاصمة النيجرية، عقب إحباط محاولة انقلاب نفذتها وحدات متمردة خلال الفترة الممتدة بين 28 و29 أغسطس/آب 2026.
ووفقاً لمجلة "نيغريتسيا" الإيطالية، فقد انتهت الأزمة بعد تدخل حاسم للقوات شبه العسكرية الروسية التابعة لـ"فيلق إفريقيا"، قبل أن تتعزز التطورات بإرسال مقاتلات جزائرية، ما وضع الجزائر في موقع الضامن الإستراتيجي في منطقة الساحل.
وأشار التقرير الإيطالي إلى أن الهجوم المنسق الذي استهدف مقر الرئاسة والتلفزيون الرسمي ومطار العاصمة كشف عن وجود انقسامات عميقة داخل المؤسسة العسكرية.
ورغم ذلك، ترى المجلة أن تحرك القوات الموالية للنظام ودعم شركائه الدوليين أسهما في تعزيز قبضة الجيش على السلطة وتقوية موقع المجلس الوطني لحماية الوطن.

تدخل حاسم
بدأت حالة التمرد قرابة منتصف ليل الجمعة، مع دوي انفجارات وإطلاق رشقات نارية قرب مقر الرئاسة ومطار ديوري حماني الدولي.
ووفقا لما أوردته وسيلة الإعلام الفرنسية "جون أفريك"، اندلعت أولى الاشتباكات في أطراف العاصمة، على الطريق المؤدي إلى مدينة أوالام، بين وحدات موالية للنظام وأرتال من المتمردين قدمت من منطقة تيلابيري.
وبحسب المجلة، "تقع هذه المنطقة في شرق البلاد، على الحدود مع مالي وبوركينا فاسو، وتعدّ من أكثر الجبهات سخونة في مواجهة الإرهاب ذي الطابع الإسلامي في المنطقة".
ويعتقد التقرير أن "الانقلاب دبّره ضباط شباب كانوا يقودون وحدات من القوات الخاصة، تنتشر غالبيتها في تيلابيري، فيما تتمركز مجموعة أصغر منها في مدينة دوسو، غرب نيامي".
وتابع: "حاول الانقلابيون السيطرة على مقر الرئاسة، إلا أن الحرس الرئاسي الموالي لتياني تصدى لهم وأجبرهم على التراجع".
وأردف: "وفي الوقت نفسه، حاول المتمردون السيطرة على هيئة الإذاعة والتلفزيون الوطنية، ما أدى إلى توقف البث، قبل أن يستأنف في وقت لاحق، مع بث بيان لوزير الدفاع ساليفو مودي عند الساعة 11 من صباح 29 أغسطس".
وتحدث الوزير في بيانه عن "تحرك احتجاجي"، وأوضحت المجلة أن "هذه العبارة تُستخدم على نطاق واسع في البلدان الإفريقية الناطقة بالفرنسية لوصف حالات عصيان ينفذها جنود بسبب قضايا محددة، مثل المطالبة بصرف مستحقات مالية متأخرة".
ولفتت إلى أنه "في الوقت ذاته، كثيرا ما تستخدم العبارة أيضا للتقليل من شأن محاولات الانقلاب والتعامل معها بوصفها مجرد حالة تذمر داخل صفوف القوات".
وفي خضمّ هذه التطورات، أعلن تسجيل صوتي منسوب إلى "القوات المسلحة لاستعادة الوطن" عزل تياني وحل مؤسسات المرحلة الانتقالية.
وبحسب ما أورده التقرير، "حظيت هذه المبادرة بدعم جبهة التحرير الوطني، وهي واحدة من أبرز الحركات النيجرية المعارضة للمجلس العسكري التي أشادت بجرأة الجنود من دون أن تعلن مسؤوليتها عن محاولة الانقلاب".
وأفادت المجلة بأن "الجنود المتمردين تحصنوا داخل القاعدة 101 في مطار نيامي".
وتضم القاعدة قوة مكافحة الإرهاب التابعة لتحالف دول الساحل (AES)، وطائرات مسيرة، ووحدة روسية، إلى جانب كتيبة إيطالية يبلغ قوامها نحو 500 شخص.
علاوة على ذلك، "تكتسب القاعدة أهمية إستراتيجية بسبب وجود نحو ألف طن من اليورانيوم فيها، وهو ملف يشكّل موضع نزاع بين المجلس العسكري وشركة "أورانو" الفرنسية، فيما تشير بعض الروايات إلى أن هذه الكمية كانت محور الهجوم الأول على المطار عام 2026".
ويرى التقرير أن "التحول الحاسم جاء بعدما طلبت النيجر رسميا تدخل روسيا؛ إذ أكّد السفير الروسي في نيامي، فيكتور فوروباييف، تحرك قوات “فيلق إفريقيا” التي استخدمت على الأرض طائرات مسيرة انتحارية لاستهداف مواقع المتمردين داخل القاعدة 101، فيما عرض التلفزيون الرسمي صورا لعشرات الجنود المتمردين الذين استسلموا".
ووفق تقديره، "يتيح هذا الدفاع الفعال لموسكو إعادة تأكيد دورها كحامية لتحالف دول الساحل، بعد الانتكاسة التي تعرضت لها في 25 أبريل/ نيسان في شمال مالي".
وتابع: "ففي ذلك الوقت، أسفر الهجوم المشترك الذي شنته "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" ومتمردو الطوارق التابعين لجبهة تحرير أزواد، عن استعادة مدينة كيدال الإستراتيجية".
وبحسب قراءته للأحداث، "لم يكن أمام قوات فيلق إفريقيا في ذلك الوقت خيار يذكر سوى الاستسلام من دون قتال".
وهو ما يعتقد أنه "ألحق ضررا بصورة موسكو بوصفها الراعي العسكري لمالي وللدول الثلاث الأعضاء في تحالف دول الساحل".

كسر المحظور
"وفي السياق ذاته، دخلت الجزائر على خط الأزمة؛ إذ عززت دعمها العسكري والسياسي للنيجر". قالت المجلة.
وأكملت: "ففي اليوم نفسه، 29 أغسطس، وبعد ساعات قليلة من الاشتباكات مع الجنود المتمردين، سلم وفد جزائري بقيادة اللواء رشيد شبلوي إلى نيامي أربع مقاتلات من طراز (سوخوي سو-30 إم كيه إيه) وطائرة نقل من طراز (إليوشن-76)، وطائرة للتزود بالوقود جوا من طراز (إليوشن-78)".
وبحسبها، "حضر مراسم التسليم عدد من كبار المسؤولين في النيجر، بينهم رئيس الوزراء علي محمد الأمين زين، ووزير الدفاع ساليفو مودي، ورئيس هيئة الأركان موسى سالاو بارمو".
ونوَّهت المجلة إلى أن "هذه الدفعة تأتي بعد تسليم أربع مروحيات في 9 أغسطس، اثنتان منها من طراز (ميل مي-24) واثنتان من طراز (ميل مي-171)".
في الأثناء، أشارت إلى أنه "في الوقت الذي بدأت فيه الأوضاع تعود إلى الهدوء، حلقت مقاتلات جزائرية في سماء نيامي يوم 30 أغسطس".
ووفقا للمحلل أكرم خريف، فإن "استعراض هذه الطائرات يمثّل كسرا لمحظور تاريخي بالنسبة إلى الجزائر، التي لطالما عارضت نشر قواتها خارج حدودها".
وتشترك الجزائر مع النيجر في حدود تمتد لأكثر من 900 كيلومتر، كما تخشى -بحسب المجلة- امتداد حالة عدم الاستقرار إلى نيجيريا.
ومن هنا، أبرز التقرير "أهمية تنفيذ أحد أكبر مشاريع البنية التحتية للطاقة، وهو خط أنابيب الغاز العابر للصحراء، الذي يهدف إلى نقل الغاز النيجيري إلى الجزائر عبر النيجر لمسافة تتجاوز 4 آلاف كيلومتر".
في هذا السياق، ذكرت المجلة أن "الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون كان قد ربط، في أبريل/ نيسان 2026، التعاون الاقتصادي بالأمن في منطقة الصحراء، مؤكدا أن البلدين يقفان (في الخندق نفسه)".
ومع ذلك، لفتت إلى أنه "لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت هذه الخطوة تمثل بداية لوجود عسكري جزائري دائم، أم أنها مجرد إظهار مؤقت للتضامن بهدف تأكيد الحضور والنفوذ في المنطقة".
في المحصلة، أوضح التقرير أن "هذا التمرد يمثل ثالث هجوم يسجل عام 2026 على المطار، بعد هجمات تنظيم الدولة الإسلامية في يناير/ كانون الثاني، وهجمات جماعة نصرة الإسلام والمسلمين في يونيو/ حزيران، وهما أبرز تنظيمين جهاديين يحارب ضدهما أعضاء تحالف دول الساحل الثلاثة".
وفي ظل عدم إعلان أي جهة مسؤوليتها عن التمرد، عزت المجلة الانتفاضة إلى "حالة الاستياء داخل وحدات الجيش، التي أنهكتها الخسائر المتواصلة أمام الجهاديين".
مع ذلك، أعلن المجلس العسكري الحاكم، بقيادة عبد الرحمن تياني، أن التحقيقات خلصت إلى وجود "شبكة واسعة من المتواطئين تقودها فرنسا"، متهما إياها بالتحريض على تمرد الجنود واستهداف مواقع حساسة، بينها المطار والقصر الرئاسي.
من جانبها، رفضت فرنسا هذه الاتهامات، إذ نفى وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو بشكل قاطع أي تورط لبلاده، ووصف الاتهامات النيجرية بأنها "محض افتراء وخيال".


















