من كولومبيا إلى فنزويلا.. ما الذي يدفع أميركا الجنوبية للتقرب من إسرائيل؟

"على الرغم من محدودية هذه الخطوة، فإنها كانت حتى وقت قريب أمرا يصعب تصوره"
تحت عنوان "إسرائيل تكسب حلفاء جددا في أميركا الجنوبية"، تناول موقع "دويتشه فيله" الألماني التحولات التي تشهدها علاقات الكيان الإسرائيلي مع عدد من دول أميركا الجنوبية.
فبعد سنوات من العلاقات الدبلوماسية المتوترة، تتجه كولومبيا وفنزويلا نحو الكيان الإسرائيلي، فيما تحذو دول أخرى في أميركا الجنوبية حذوهما، ومع ذلك، يقدر التقرير أن مواقف البرازيل والمكسيك تكشف عن "حدود هذا التحول في التوجهات الإقليمية".
بندول سياسي
واستهل الموقع حديثه بالإشارة إلى أن فنزويلا وإسرائيل قطعتا علاقاتهما الدبلوماسية عام 2009، بعدما طرد الرئيس الفنزويلي آنذاك هوغو تشافيز السفير الإسرائيلي احتجاجا على العملية العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة".
وتابع: "وبعد 17 عاما، اتفقت كاراكاس وتل أبيب على إنشاء آلية تتيح لمواطني البلدين مجددا الحصول على الخدمات القنصلية".
وعقّب التقرير: "على الرغم من محدودية هذه الخطوة، فإنها كانت حتى وقت قريب أمرا يصعب تصوره".
أما كولومبيا، فيرى أنها "ذهبت إلى أبعد من ذلك بكثير، فلم تكتف حكومة الرئيس الجديد أبيلاردو دي لا إسبريلا بالتراجع عن قرار قطع العلاقات الدبلوماسية الذي اتخذه سلفه غوستافو بيترو، بل أعلنت أيضا اعتزامها نقل سفارتها إلى القدس، واعترفت بالسيادة الإسرائيلية على مرتفعات الجولان".
وبحسب الموقع، "تعد هذه المنطقة، وفقا للقانون الدولي، أرضا سورية محتلة من إسرائيل منذ عام 1967، فيما لا تعترف الغالبية العظمى من المجتمع الدولي، بما في ذلك ألمانيا والأمم المتحدة، بضمها إلى إسرائيل".
وقال إسحاق كارو، الأستاذ في جامعة ألبرتو أورتادو في تشيلي، في مقابلة مع DW، إن "هناك توجها نحو التقارب مع إسرائيل، يأتي استجابة لموجة اليمين الراديكالي التي ترسخت في المنطقة".
ويرى كارو أن هذا التوجه يرتبط أيضا بـ"انحياز نشط إلى السياسة الخارجية للولايات المتحدة".
وتحدث دانيال واجنر، الأستاذ المشارك في العلاقات الدولية بالجامعة العبرية في القدس، بدوره عن "موجة داخل أميركا الجنوبية".
موضحا أن "إرهاصاتها ظهرت مع الرئيس البرازيلي السابق جاير بولسونارو والرئيس السلفادوري نجيب بوكيلة، قبل أن تتجلى بصورة أوضح حاليا لدى الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي وفي دول أخرى".
ووصف واجنر هذا التحول بأنه "حركة بندول من اليسار إلى اليمين"، لكنه أضاف عاملا آخر يتمثل في الشعبوية.
وأوضح أنه "عندما تقترن النزعة نحو اليمين بالشعبوية، فإن الأمر لا يقتصر على التقارب مع إسرائيل، بل يصل إلى حد (احتضانها)".
بدوره، يرى جيلبرتو أراندا، من جامعة تشيلي، "وجود توجه إقليمي يتمثل أول عناصره في إعادة توجيه قوية نحو الولايات المتحدة في ظل إدارة دونالد ترامب، وما يترتب على ذلك من تقارب مع إسرائيل".

تحول جوهري
ويعتقد الموقع أن الأرجنتين "تعد المثال الأبرز على هذا التحول، فقد جعل خافيير ميلي تقاربه مع إسرائيل محورا بارزا في سياسته الخارجية وفي هويته السياسية".
ووفقا لكارو، "أصبح الارتباط بإسرائيل سمة مميزة لليمين الراديكالي في المنطقة، ويرتبط بخطاب الانتماء إلى حضارة غربية يهودية مسيحية".
ومع ذلك، لفت التقرير إلى أن "دوافع هذا التقارب تختلف من دولة إلى أخرى".
إذ يشير واجنر إلى "عوامل أيديولوجية ودينية، إلى جانب اعتبارات استراتيجية، كما أن تعزيز العلاقات مع إسرائيل يمثل وسيلة لإرسال إشارة إلى واشنطن بشأن توجه الدولة على الساحة العالمية".
وبحسب التقرير، "توضح كولومبيا مدى اتساع نطاق هذا التحول؛ ففي عهد بيترو، قطعت بوغوتا علاقاتها بإسرائيل عام 2024 بسبب حرب غزة، بينما اتجهت في عهد دي لا إسبريلا مجددا نحو موقف أكثر تأييدا لإسرائيل".
ويصف كارو هذا التحول بأنه "انعطافة جوهرية" في السياسة الخارجية الكولومبية، لا سيما في علاقاتها مع الولايات المتحدة، كما يكشف اعتراف بوغوتا بالسيادة الإسرائيلية على مرتفعات الجولان عن مدى عمق هذا التغيير".
ووفقا لأراندا، "يتزامن توجه كولومبيا نحو واشنطن مع قناعات الرئيس الجديد، الذي اعتنق المسيحية البروتستانتية".
في المقابل، رأى الموقع أن "فنزويلا لا تنسجم بسهولة مع هذا التصور الأيديولوجي، فلم يطرأ تغير سياسي على النظام الحاكم، وإنما تغير موقع البلاد على الساحة الدولية عقب التدخل الأميركي والتقارب اللاحق مع واشنطن في مطلع عام 2026".
وتابع: "يحمل استئناف الخدمات القنصلية بين البلدين قيمة رمزية كبيرة، وبالنسبة إلى إسرائيل، فإن استعادة العلاقات مع دولة كانت لسنوات من أشد خصومها في المنطقة تمثل نجاحا دبلوماسيا".
وعلى نطاق أوسع، أشار التقرير إلى أن ما وصفه بـ"البنادول" يتأرجح في دول أخرى؛ فقد قطعت علاقاتها بإسرائيل عام 2023، قبل أن تستأنفها في ديسمبر/ كانون الأول 2025 عقب تغيير الحكومة.
بوليفيا وأضاف: "كما شهدت تشيلي بدورها تحولا؛ فبينما اتخذ غابرييل بوريك موقفا شديد الانتقاد تجاه حكومة بنيامين نتنياهو، تبنت الحكومة الجديدة برئاسة خوسيه أنطونيو كاست موقفا أكثر إيجابية بكثير، وتسعى، من بين أمور أخرى، إلى إعادة إحياء التعاون في المجال الدفاعي".
ومع ذلك، يؤكد أراندا أن "سانتياغو لم تذهب إلى الحد الذي وصلت إليه كولومبيا".

ثقل موازن
وقال التقرير: إن "المشهد في أميركا الجنوبية بعيد كل البعد عن التجانس"، موضحا أن "البرازيل تمثل قوة موازنة في هذا السياق، إذ تتخذ حكومة لويس إيناسيو لولا دا سيلفا موقفا شديد الانتقاد تجاه السياسات الإسرائيلية في قطاع غزة والضفة الغربية".
وفي هذا السياق، يؤكد أراندا أن "البرازيل هي بلا شك الدولة الأكثر نفوذا في المنطقة التي تتخذ موقفا منتقدا تجاه إسرائيل".
وعليه، أشار الموقع إلى أنه "نظرا إلى الثقل الديموغرافي والاقتصادي والسياسي للبرازيل، يصعب عد التحول الإقليمي في أميركا الجنوبية نحو إسرائيل تحولا شاملا".
وأردف: "ويضاف إلى ذلك المكسيك، القوة الأخرى في أميركا الجنوبية وأميركا الوسطى، ففي الوقت الذي اتخذ فيه لولا موقفا شديد الانتقاد، تحاول المكسيك في عهد الرئيسة كلوديا شينباوم الحفاظ على قدر أكبر من الحياد والتوازن الدبلوماسي".
واستطرد: "فعلى الرغم من انتقادها للسياسة الإسرائيلية في غزة، فإنها تحافظ على العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل".
وفسر التقرير هذا الموقف بالقول: إن "انتقاد حكومة نتنياهو لا يعني بالضرورة قطع العلاقات مع إسرائيل".
ومن ثم، خلص الموقع إلى "تراجع تماسك الجبهة التي كانت تتخذ موقفا منتقدا لإسرائيل في أميركا الجنوبية".
ويرى أراندا أن "هذا التكتل بات اليوم "غير واضح المعالم" بعد التحولات السياسية التي شهدتها دول مثل كولومبيا، رغم أن البرازيل لا تزال تتمتع بثقل كاف يتيح لها طرح موقف بديل".
بالنسبة لأهمية العلاقات بين دول أميركا الجنوبية والاحتلال الإسرائيلي، أوضح التقرير أن "المصالح الإسرائيلية لا تقتصر على مجرد بناء علاقات ودية مع الحكومات، بل تمتد هذه العلاقات إلى تأسيس دولة إسرائيل عام 1948، وتشمل مجالات الهجرة والتجارة والأمن".
فضلا عن أن "دعم دول أميركا الجنوبية لإسرائيل داخل المنظمات متعددة الأطراف، مثل الأمم المتحدة، مهما على الدوام في الحد من عزلتها على الساحة الدولية".
ويلخص واجنر المصالح الإسرائيلية الراهنة في ثلاثة مفاهيم هي: "الشرعية والتعاون والنفوذ".
وتابع: “فمن جهة، تحتاج إسرائيل إلى شركاء، كما تحتاج إلى التعاون الاقتصادي والتكنولوجي والعسكري، وفي المقابل، تجد دول أميركا الجنوبية في إسرائيل شريكا قويا في مجالات مثل الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي والدفاع”، على حد قوله.
وبالتالي، يقدر الموقع أن "هذا التقارب يمثل علاقة متبادلة الاتجاه، لكنه يظل مرتبطا بدرجة كبيرة بالدورات السياسية في أميركا الجنوبية، وبمن يتولى السلطة ومتى وأين".

















