بعد قرار المحكمة العليا الأميركية.. هل يتم تقييد التصويت بالبريد بالانتخابات النصفية؟

"المعارك القضائية بشأن التصويت عبر البريد قد تستمر حتى موعد الانتخابات"
قضت المحكمة العليا الأميركية، في 25 أغسطس/ آب 2026، بالسماح للحكومة الفيدرالية بالمضي في تنفيذ أجزاء رئيسة من أمر تنفيذي أصدره الرئيس دونالد ترامب بشأن الانتخابات.
وكانت محكمة أدنى قد أوقفت تنفيذ تلك الأجزاء من الأمر التنفيذي رقم 14399، الذي يحمل عنوان "ضمان التحقق من الجنسية ونزاهة الانتخابات الفيدرالية".
لكن المحكمة العليا رفعت هذا الحظر، بعد أن طلبت وزارة العدل الأميركية السماح للحكومة بتنفيذ الأمر. وجاء القرار بأغلبية ستة قضاة مقابل ثلاثة.
وبحسب صحيفة "فيدوموستي" الروسية، فإن الأمر التنفيذي "كان يستهدف في المقام الأول التصويت عبر البريد، وهو نظام معمول به في عدد من الولايات التي يسيطر عليها الديمقراطيون والجمهوريون على حد سواء".
ومن بين هذه الولايات: كاليفورنيا، وكولورادو، وهاواي، ونيفادا، وأوريغون، ويوتا، وفيرمونت، وواشنطن، ونبراسكا، ونورث داكوتا، وألاسكا، وأريزونا، وفلوريدا، وكانساس، وماريلاند، وميسوري، ومونتانا، ونيو مكسيكو، ووايومنغ، وأيداهو، ومينيسوتا، ونيوجيرسي.
وفي رأي مخالف، قالت القاضية الليبرالية سونيا سوتومايور، وهي واحدة من القضاة الثلاثة الذين عارضوا القرار، إن المحكمة لم تحسم بعد ما إذا كانت محاولات الرئيس التدخل في إدارة الولايات للانتخابات المقرر إجراؤها في نوفمبر/ تشرين الثاني 2026 قانونية.
وكتبت سوتومايور: "لا يحسم قرار اليوم مسألة ما إذا كانت محاولات الرئيس التدخل في إدارة الولايات للانتخابات المقرر إجراؤها في نوفمبر/ تشرين الثاني 2026 قانونية".
وأضافت: "كما لا يفترض أن السلطة التنفيذية تمتلك أي صلاحيات دستورية أو قانونية لتنفيذ توجيهات الرئيس، وبدلا من ذلك، لا يفعل قرار اليوم سوى تأجيل النظر في هذه المسائل".

39 مليون صوت
ويرى التقرير أن "قرار المحكمة العليا لا يعني تأييد خطط ترامب لتقييد هذا الشكل من التصويت، لكنه في الوقت نفسه لا يمنعه من اتخاذ خطوات في هذا الاتجاه".
ويعتقد خبراء قانونيون استطلعت آراءهم شبكة "سي إن إن" وصحيفة "نيويورك تايمز" أنه من المرجح أن "تعود القضية إلى المحكمة العليا مرة أخرى، ولكن هذه المرة للفصل في مدى قانونية الأمر التنفيذي الرئاسي نفسه".
وفي الوقت ذاته، أشارت الصحيفة إلى أن "وزارة العدل الأميركية ستتمكن من إعداد قوائم بالناخبين الذين تعدّهم مؤهلين قانونا للتصويت في كل ولاية، تمهيدا لإخضاعها لمزيد من التدقيق".
واستطردت: "من المقرر أن تتضمن هذه القواعد بيانات شخصية للمواطنين، بما في ذلك معلومات التأمين وسجل الهجرة".
"وبشكل عام، يستخدم الديمقراطيون والجمهوريون على حدّ سواء التصويت عبر البريد، ورغم عدم وجود أدلة تثبت أن هذا الأسلوب يمنح أفضلية لأي من الحزبين، فإنه أصبح منذ عام 2020 أكثر ارتباطا بالحزب الديمقراطي". قالت الصحيفة.
وأكملت: "ومع ذلك، دعا الجمهوريون ناخبيهم أيضا إلى التصويت عبر البريد في انتخابات عام 2024، كما صوت ترامب نفسه عبر البريد عدة مرات، نظرا إلى أنه مسجل للتصويت في ولاية فلوريدا، رغم تأكيده مرارا أن التصويت عبر البريد يضر بنزاهة العملية الانتخابية في الولايات المتحدة".
وبحسب "المعهد الوطني للتصويت في المنزل" أدلى نحو 39 مليون شخص بأصواتهم عبر البريد خلال انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر/ تشرين الثاني 2022، التي انتهت بخسارة الديمقراطيين السيطرة على مجلس النواب، وهو ما مثّل 35 بالمائة من إجمالي الأصوات المدلى بها في تلك الانتخابات.
ووفقا لبيانات مختبر بيانات وعلوم الانتخابات في معهد "ماساتشوستس للتكنولوجيا" و"مركز بيو للأبحاث"، استخدم ما يصل إلى 46 بالمائة من الناخبين الديمقراطيين خيار التصويت عبر البريد، مقابل نحو 27 بالمائة من الناخبين الجمهوريين.
وتابعت الصحيفة: "ولا يزال من غير الواضح ما إذا كانت إدارة ترامب ستتمكن من تنفيذ البنود الرئيسة للأمر قبل انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر/ تشرين الثاني 2026".
علاوة على ذلك، "لا يوجد يقين بأن جميع بنود الأمر التنفيذي يمكن تنفيذها من دون مواجهة مقاومة من جانب الولايات".

انتصار محدود
ويرى بافل كوشكين، الباحث البارز في معهد الولايات المتحدة وكندا التابع للأكاديمية الروسية للعلوم (ISKRAN) أن قرار المحكمة العليا يمثل بالنسبة إلى ترامب "انتصارا محدودا، لكنه ليس حاسما".
وأوضح أن "المحكمة أوقفت العمل بالحظر القضائي الصادر عن محكمة أخرى، والذي كان يمنع تنفيذ الأمر التنفيذي المتعلق بالتصويت عبر البريد في 23 ولاية وواشنطن العاصمة، من دون أن تفصل في جوهر القضية أو تقيم مدى قانونية الأمر نفسه".
ويقول الخبير: "لم ينتصر ترامب بعد، لكنه كسب الوقت". موضحا أن "الولايات التي يسيطر عليها الديمقراطيون ستظل قادرة على الطعن في الإجراءات المحددة التي تتخذها الإدارة بعد دخولها حيز التنفيذ".
ويعتقد كوشكين أن "الحكم يضفي مزيدا من الضبابية على مستقبل المعارك القضائية وقد يؤدي إلى إطالة أمدها".
ويضيف: "من مصلحة ترامب إطالة أمد العملية وإثارة قدر من الارتباك".
ووفق تقديره، "يمنح القرار البيت الأبيض فرصة لتعقيد وتأخير مساعي السلطات في الولايات الديمقراطية لعرقلة تشديد القيود على التصويت عبر البريد، رغم بقاء باب الطعن القضائي مفتوحا".
وتابع: يكتسب ذلك أهمية خاصة بالنسبة إلى الديمقراطيين قبل انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر/ تشرين الثاني 2026؛ إذ يشكل التصويت عبر البريد أهمية تقليدية أكبر لقاعدتهم الانتخابية".
ولذلك، خلص إلى أنه "حتى التعديلات المحدودة قد تؤثر في القواعد أو التأخير في الطعن عليها في النتائج داخل الولايات المتأرجحة، مثل ميشيغان وبنسلفانيا ونورث كارولاينا"، وقال: "حتى الفارق البسيط في عدد الأصوات قد يؤدي دورا حاسما".

أفضلية انتخابية
من جانبه، يرى دميتري نوفيكوف، الأستاذ المشارك في كلية الاقتصاد العالمي والسياسة العالمية بالمدرسة العليا للاقتصاد في موسكو (WEIA)، أن "قرار المحكمة العليا يصب في مصلحة الجمهوريين ويعكس موازين القوى داخل المحكمة؛ حيث يتمتع المحافظون بالأغلبية، لكنه لا يمثل نهاية الجدل بشأن التصويت عبر البريد".
وبحسب نوفيكوف، فإن "مسألة التصويت عبر البريد "سياسية بحتة"؛ إذ إن تسهيل هذه الآلية يخدم الديمقراطيين بصورة أكبر؛ لأن قاعدتهم الانتخابية أكثر تنقلا، كما يتيح التصويت عبر البريد خيارا مناسبا للناخبين الموجودين بعيدا عن أماكن إقامتهم".
ويرى أن "أمر ترامب يمثل محاولة لفرض عقبات إضافية قد تستبعد شريحة من الناخبين وتمنح الجمهوريين أفضلية انتخابية".
وفي الوقت ذاته، يشير نوفيكوف إلى أن "قرار المحكمة العليا الحالي لا يتناول كيفية تطبيق الأمر التنفيذي؛ لأنه لم يدخل حيز التنفيذ بعد".
ووفقا له، فإن "المحكمة أكدت فقط صلاحية الرئيس، بصفته رئيس الحكومة الفيدرالية، في تنظيم عمل هيئة البريد الأميركية".
ويضيف: "مع بدء تنفيذ الأمر وتحديد تفاصيله وتبلور الممارسات القانونية المرتبطة بتطبيقه، ستظهر سوابق جديدة".
ومن ثم، توقع أن "يلجأ الديمقراطيون، في ضوء هذه السوابق، إلى الطعن قضائيا في بعض الإجراءات، استنادا إلى قوانين الانتخابات والحريات الدستورية للمواطنين".
وعليه، يرى نوفيكوف أن "المعارك القضائية بشأن التصويت عبر البريد قد تستمر حتى موعد الانتخابات، بل وربما تتواصل بعدها".
وانطلاقا من تلك المعطيات، تساءلت الصحيفة: هل يستطيع الرئيس الأميركي دونالد ترامب تزوير فوز حزبه في انتخابات التجديد النصفي؟
















