تركيا تراقب المحادثات الإسرائيلية-السورية وعينها على الانتخابات.. لماذا؟

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

تراقب تركيا المحادثات الإسرائيلية-السورية بقدرٍ من الحذر، بين ترحيب بأي مسار يخفف التوتر وتحفظات تفرضها حساباتها الأمنية والإقليمية.

وبينما تمضي سوريا والكيان الإسرائيلي نحو استكشاف فرص التفاهم، ترى تركيا أن مستقبل هذا المسار سيظل رهنا بحدود التنازلات التي يمكن أن يقدمها الطرفان، وبالتحولات السياسية المرتقبة في إسرائيل. بحسب تقييم موقع أميركي.

وذكر موقع "المونيتور"، في تقرير له، أن تركيا رحَّبت بمحادثات إسرائيلية-سورية بوساطة أميركية، لكنها تبقى متشككة في استعداد إسرائيل للتعايش مع دولة سورية أقوى مدعومة من أنقرة.

وأوضح أن وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، ورئيس جهاز الموساد، رومان غوفمان، عقدا محادثات في الأردن، في 23 أغسطس 2026، برعاية أميركية هدفت إلى نزع فتيل التوتر وإحياء مفاوضات الأمن بين إسرائيل وسوريا.

وأضاف أن النقاشات تطرقت أيضا إلى التوتر التركي-الإسرائيلي، عقب الضربة التي شنّتها إسرائيل في 18 أغسطس على قاعدة أبو الظهور شمالي سوريا، على مسافة نحو 70 كيلومترا من الحدود التركية.

ولفت "المونيتور" إلى أن قرب الضربات من الحدود التركية زاد من المخاوف من مواجهة مباشرة بين إسرائيل وتركيا؛ إذ زعم الجانب الإسرائيلي أن أنقرة حاولت نشر تقنية عسكرية متطورة في القاعدة العسكرية المهجورة.

لكن أنقرة رفضت هذا الزعم، واتهمت رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بشن الضربات لتعزيز شعبيته قبل انتخابات الكنيست في أكتوبر/تشرين الأول 2026، وهو ما دفع واشنطن إلى تكثيف جهود نزع فتيل التوتر بين الطرفين.

ونقل "المونيتور" عن مسؤول تركي في ملف الأمن القومي، تحدث شرط عدم الكشف عن اسمه، قوله: إن أنقرة تدعم المحادثات السورية-الإسرائيلية برعاية أميركية، لكنه تساءل عما إذا كان الطرفان ملتزمين بالقدر ذاته باتفاق أمني لن يخرقه أي منهما.

وقال المسؤول: "لا نرى حسن النية ذاته الذي نراه لدى الجانب السوري، مع إدارة [الرئيس السوري أحمد] الشرع، كما نراه لدى إدارة نتنياهو". مضيفا أن تركيا تريد سوريا مزدهرة ومستقرة وفاعلة، في حين لم تلتزم إسرائيل حتى الآن برؤية مماثلة.

وأوضح "المونيتور" أن إسرائيل ما زالت قلقة جدا من الخلفية الإسلامية للرئيس الشرع، وتنظر إلى العلاقة العسكرية المتنامية بين أنقرة ودمشق بوصفها تهديدا أمنيا محتملا على المدى الطويل.

وأضاف أن تركيا وسوريا وقّعتا مذكرة تعاون عسكري في أغسطس/آب 2025، تقدم أنقرة بموجبها بالفعل تدريبا واستشارات ودعما تقنيا للقوات السورية، للمساعدة في إعادة بناء قدرتها العسكرية.

خطوط حمراء

ورأى "المونيتور" أن أنقرة تنظر إلى المحادثات أساسا كوسيلة لإدارة التوتر ومنع مواجهة تركية-إسرائيلية عرضية في سوريا، لا كمسار مرشح لحل الخلافات الإستراتيجية الأعمق بين الجانبين.

وبيّن أن هذه الخلافات تتمحور حول دعم تركيا لإعادة بناء الدولة السورية وقدرتها العسكرية، مقابل إصرار إسرائيل على الحفاظ على حرية عملها العسكري. مشيرا إلى أن خبراء يستبعدون أن تفضي المحادثات إلى اتفاق تقبل بموجبه إسرائيل إعادة بناء جيش سوري سيادي ذي قدرات فعلية.

وقال سفير تركيا الأسبق في دمشق، عمر أونهون، للموقع: إن تركيا أيضا تفضل اتفاقا بين الطرفين يحترم سيادة سوريا. مضيفا أن إسرائيل لا تسعى إلى اتفاق معقول مع سوريا، بل تنتهج سياسة تهدف إلى منعها من النهوض مجددا ولا تحترم سيادتها.

وأشار "المونيتور" إلى أن مسؤولين أمنيين إسرائيليين حذروا مرارا من أن نشر تركيا رادارات ومنظومات دفاع جوي في سوريا قد يقيّد حرية عمل سلاح الجو الإسرائيلي، بما في ذلك قدرته على استخدام الأجواء السورية في عمليات ضد إيران.

وأوضح أن جيشا سوريا أكثر قدرة، خصوصا إذا زُوّد برادارات حديثة ومنظومات دفاع جوي وأنظمة قيادة مدعومة تركيا، قد يعقّد تلك المهمات ويقوّض ميزة تشغيلية إسرائيلية رئيسة.

وقال مدير مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة أوكلاهوما، جوشوا لانديس: إن إسرائيل "لا تريد أن تعيد سوريا بناء جيشها"، وتصر على أن لديها خطوطا حمراء لمنع تركيا من مساعدة سوريا على إعادة بناء قواتها المسلحة.

ونقل "المونيتور" عن مصدر أمني إسرائيلي قوله: إن ضربة أبو الظهور استندت إلى معلومات استخباراتية محددة، رجّحت أن دمشق أذنت بانتشار تركي في شمال سوريا قد يشمل منظومات رادار.

تجنب الاشتباك

وذكر التقرير أن تركيا وإسرائيل اتفقتا في أبريل/نيسان 2025 على آلية لتجنب الاشتباك، تهدف إلى منع صدامات عرضية أو سوء تفاهم بين قواتهما العاملة في سوريا.

وأضاف أن الخطوط الساخنة العسكرية وبروتوكولات تجنب الاشتباك التي أرستها تلك المحادثات ساعدت في منع القوات التركية والإسرائيلية من العمل بقرب مفرط من بعضها بعضا؛ إذ تتجنب تركيا مناطق جنوب سوريا التي تنتشر فيها القوات الإسرائيلية، فيما تبتعد إسرائيل عن مناطق الشمال حيث تتركز القوات والأصول العسكرية التركية.

وأورد "المونيتور" أنه عقب سقوط نظام بشار الأسد، في ديسمبر/كانون الأول 2024، تقدَّمت القوات الإسرائيلية إلى ما وراء مرتفعات الجولان التي ضمّتها من طرف واحد عام 1981، ودخلت المنطقة العازلة الخاضعة لمراقبة الأمم المتحدة وأجزاء أخرى من جنوب غربي سوريا.

وأشار التقرير إلى أن إسرائيل بررت ذلك في البداية بمخاوف أمنية من جماعات إسلامية مقربة من الشرع تقترب من حدودها. مضيفا أن مسؤولين إسرائيليين قالوا أيضا إن وجودها العسكري وضرباتها تهدف إلى حماية أقلية الدروز في سوريا.

وأوضح "المونيتور" أن طائفة الدروز السورية ترتبط بروابط دينية وعائلية وثيقة مع نحو 120 ألف مواطن درزي في إسرائيل، يخدم كثير منهم في الجيش الإسرائيلي.

ومع ذلك، ترى أنقرة أن ضربة أبو الظهور تظهر أن الخطوط الحمراء الإسرائيلية في سوريا تتوسع لتتجاوز الجنوب وتشمل مناطق في أنحاء البلاد، من بينها مناطق أقرب بكثير إلى الحدود التركية.

تركيا تنتظر الانتخابات

ورأى "المونيتور" أن تركيا ستحافظ على الأرجح على نبرتها المتحفظة تجاه الضربات الإسرائيلية في سوريا حتى الانتخابات الإسرائيلية؛ إذ تعتقد أنقرة أن أي تصعيد أشد قد يصبّ في مصلحة نتنياهو، ويتيح له خوض الحملة الانتخابية على وقع تهديدات أمنية إقليمية متصاعدة.

وأخيرا عقب الضربات، قال رئيس دائرة الاتصالات في الرئاسة التركية، برهان الدين دوران: إن تركيا "من الخبرة بما يكفي كي لا تنجر إلى ألاعيب شخصيات مثل نتنياهو تهدف إلى تقويض السلام والاستقرار في منطقتنا".

لكن "المونيتور" استبعد أن تتراجع تركيا عن جهودها لإعادة بناء الجيش السوري، مقدرا أن أنقرة أقرب حليف إقليمي للحكومة السورية، وقد جعلت الحفاظ على نفوذها في دمشق محورا أساسيا في سياستها لما بعد الحرب.

وقال لانديس: إن أردوغان "عاقد العزم على توسيع نفوذ تركيا في المنطقة، وتحديدا في شرق المتوسط".

وأضاف "المونيتور" أن أنقرة، إلى جانب مصالحها الأمنية في سوريا، تنظر إلى دمشق شريكا متناميا في شرق المتوسط؛ حيث وسّعت إسرائيل تعاونها الدفاعي والسياسي مع اليونان وقبرص.

وأشار إلى أن لتركيا خلافات طويلة الأمد مع اليونان وقبرص حول الحدود البحرية والتنقيب عن الطاقة والحقوق الإقليمية، وأن تنسيقا أوثق مع دمشق، بما يشمل احتمال اتفاق مستقبلي لترسيم الحدود البحرية، قد يعزّز موقف أنقرة في تلك الخلافات ويضيف شريكا إقليميا آخر إلى إستراتيجيتها في شرق المتوسط.

وقال لانديس: "لن تتخلى تركيا عن هذه المعركة، فهي عازمة على تقوية سوريا وبناء جيشها وردع إسرائيل في المنطقة".

ورأى "المونيتور" أن مدى قدرة تركيا وإسرائيل على احتواء تنافسهما في سوريا قد يتوقف أيضا على نتيجة الانتخابات الإسرائيلية في أكتوبر؛ إذ تجادل أنقرة بأن نتنياهو استفاد سياسيا من تصاعد التوترات الإقليمية، وسعى حتى الآن إلى تجنب خطوات قد تزيد تأجيج المواجهة.

وأضاف التقرير أن أنقرة ترى أن انتخابات أكتوبر قد تؤثر في نبرة أي تسوية ونطاقها، لا في إزالة جذر الخلاف، إذ يرجّح أن تستمر التوترات حول إعادة بناء الجيش السوري والنفوذ التركي والخطوط الحمراء الأمنية الإسرائيلية حتى مع حكومة إسرائيلية مختلفة.

وقال المسؤول التركي: إن الوضع قد يبدو مختلفا إذا فاز رئيس الأركان الأسبق، غادي آيزنكوت، أبرز منافسي نتنياهو، بالانتخابات، لكن أنقرة لا تفترض أن تغيير الحكومة سيجلب تلقائيا تحولا كبيرا في السياسة الإسرائيلية تجاه سوريا.

وأظهر استطلاع أجرته القناة 12 هذا الأسبوع تقدّم حزب "يشار" بزعامة آيزنكوت على حزب "الليكود" بزعامة نتنياهو، بواقع 25 مقعدا مقابل 21 مقعدا، مع تقدم كتلة المعارضة أيضا على المعسكر اليميني الذي يقوده رئيس الوزراء.

وختم المسؤول تصريحه بالقول: "سيكون علينا الانتظار والترقب".