السلاح النووي أم مضيق هرمز؟.. صراع داخل إيران بشأن ماهية الردع الحقيقي

"طهران تدرك المخاطر والقيود المرتبطة بالتحول إلى السلاح النووي"
شهدت إيران خلال عام 2025 نقاشا واسعا حول عقيدتها النووية ومدى صمودها، فعلى مدى عقود، سعت الجمهورية الإسلامية إلى بلوغ قدرة العتبة النووية، مع تجنب تطوير سلاح نووي فعليا، انطلاقا من تصور مفاده أن امتلاك هذه القدرة يوفر الردع من دون تعريض إيران للتبعات المترتبة على التحول إلى دولة نووية.
غير أن معهد "دراسات الأمن القومي العبري" (INSS) يرى أن التطورات التي شهدتها المنطقة منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2023، لا سيما العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران خلال عام 2025، هزت التصور الأمني الإيراني وعززت الأصوات الداعية إلى إعادة النظر في العقيدة النووية".
في هذا السياق، تسعى هذه الدراسة إلى بحث الجدل الدائر في إيران حول هذه المسألة، وتداعياته المحتملة على سياستها النووية، انطلاقا من أن فهم النقاش الداخلي في طهران يمثل عنصرا أساسيا في تقييم مسارات تطور البرنامج النووي وصياغة سياسة إسرائيل في التعامل معه.

وثيقة تأمين
في أكتوبر/ تشرين الأول 2025، قال علي شمخاني، مستشار المرشد الإيراني ووزير الدفاع السابق، إن حرب الأيام الإثنى عشر يوما بين إيران وإسرائيل في يونيو/ حزيران 2025 أثبتت أن إيران كان ينبغي أن تمتلك سلاحا نوويا.
وأضاف أنه "لو عاد إلى تسعينيات القرن العشرين، حين كان وزيرا للدفاع في حكومة الرئيس محمد خاتمي، لأيد تطوير قنبلة نووية".
وعقّب المعهد: "تقدم هذه التصريحات دليلا على تنامي النقاش داخل إيران حول احتمال تغيير عقيدتها النووية".
ويعود البرنامج النووي الإيراني إلى عهد الشاه، قبل أن يأمر مرشد الثورة روح الله الخميني بتجميده بعد الثورة الإسلامية، بصفته متعارضا مع رؤيته للإسلام.
واستدرك المعهد: "لكن الحرب الإيرانية العراقية بين عامي 1980 و1988، وما شهدته من استخدام العراق الأسلحة الكيميائية والصواريخ ضد إيران؛ دفعت النظام إلى استئناف البرنامج في منتصف الثمانينيات".
وتابع: "وفي أواخر ذلك العقد، صدرت تصريحات عن مسؤولين إيرانيين لم تستبعد إمكانية تطوير سلاح نووي في ظروف معينة".
فضلا عن ذلك، "كشفت مذكرات رئيس إيران السابق، أكبر هاشمي رفسنجاني، أن محسن رضائي، قائد الحرس الثوري آنذاك، أبلغ الخميني بأن تحقيق النصر يتطلب موارد عسكرية متقدمة، بينها القدرة على إنتاج أسلحة نووية".
مع ذلك، لفتت الدراسة إلى أن "التصريحات التي توحي بالسعي إلى السلاح النووي اختفت لاحقا بصورة شبه كاملة، بعدما أدركت القيادة الإيرانية أن مثل هذه التصريحات قد تزيد الضغوط الدولية".
وعليه، "أعلنت طهران أن برنامجها مخصص للأغراض السلمية وإنتاج الطاقة، فيما أكد المسؤولون الإيرانيون مرارا أن بلادهم لا تطور سلاحا نوويا ولن تفعل ذلك، وأن خامنئي يعده محرما شرعا".
وأردفت: "وفي الوقت نفسه، أوضح رفسنجاني أن إيران أرادت خلال الحرب مع العراق الاحتفاظ بخيار نووي يمكن اللجوء إليه إذا تعرضت لتهديد نووي، من دون أن تتحول هذه الفكرة إلى برنامج فعلي لتطوير السلاح".
ورغم ذلك، يقدر المعهد أن "خامنئي ظل يرى امتلاك قدرة نووية تتيح لإيران الاقتراب من إنتاج السلاح وسيلة لتوفير ردع فعال في مواجهة خصومها، كما رأى في البرنامج النووي أداة لحماية النظام في بيئة إقليمية تضم دولا نووية، بينها باكستان وإسرائيل التي تشير تقارير أجنبية إلى امتلاكها السلاح النووي".
"كما خلص إلى أن القضية النووية ليست سوى ذريعة غربية للضغط على إيران وعزلها وإضعافها وصولا إلى تغيير النظام"، وفق تحليل الدراسة.
وفي هذا السياق، أوضح المعهد أن "القيادة الإيرانية روجت لفكرة أن الغرب سيستمر بالضغط على طهرات في ملفات أخرى، مثل دعمها محور المقاومة وبرنامجها الصاروخي وحقوق الإنسان، حتى لو تمت تسوية القضية النووية".
وتعتقد الدراسة أن "هذه القناعة تعززت بما تعده طهران دروسا من تجارب دول أخرى، فقد رأى خامنئي أن تفكيك معمر القذافي للبرنامج النووي الليبي عام 2003 لم يمنع الإطاحة به لاحقا بمساعدة دول غربية، وهو ما عده دليلا على خطأ تقديم التنازلات للغرب".
علاوة على ذلك، "قارنت إيران بين وضع كوريا الشمالية النووية ومصير صدام حسين، مقدرة أن امتلاك السلاح النووي يوفر حماية لا تتوافر للدول التي تفتقر إليه".
وأردفت: "وبعد الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022، استخدمت الصحافة المحافظة الإيرانية تجربة كييف للتأكيد على أهمية امتلاك قدرات إستراتيجية مستقلة، مشيرة إلى أن تخلي أوكرانيا عن ترسانتها النووية واعتمادها على الضمانات الغربية أضعفا قدرتها على مواجهة روسيا".
وتابعت: "ومنذ 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، واجهت إيران تحديات أمنية متزايدة أضعفت الثقة في بعض عناصر عقيدتها الدفاعية، خصوصا شبكة الوكلاء والقدرات الصاروخية والطائرات المسيرة".
فبحسب الدراسة، "أدى تراجع شبكة الوكلاء وفشل الردع الصاروخي في ثني إسرائيل من مواصلة عملياتها ضد إيران، إلى تصاعد الدعوات لإعادة النظر في العقيدة النووية، والانتقال من وضع الدولة النووية العتبية إلى امتلاك السلاح بصفته "وثيقة تأمين" نهائية في مواجهة إسرائيل والولايات المتحدة".
من هنا، أشارت الدراسة إلى تصريح وزير الخارجية الأسبق، علي أكبر صالحي، في فبراير/ شباط 2024 الذي أوضح فيه أن "إيران تمتلك جميع المكونات اللازمة لإنتاج سلاح نووي، لكنها لم تجمعها معا".
في السياق ذاته، ذكر المعهد أنه في "أكتوبر/ تشرين الأول من العام نفسه، طالب عشرات النواب بتغيير العقيدة الدفاعية المتعلقة بالبرنامج النووي".
"وبعد حرب الإثنى عشر يوما في يونيو/ حزيران 2025 ازدادت الأصوات المؤيدة للتحول إلى السلاح النووي"، قال المعهد.
وأكمل: "ففي سبتمبر/ أيلول 2025، طالب 71 نائبا في البرلمان بإعادة النظر في العقيدة الدفاعية وتطوير سلاح نووي، مقدرين أن الهجوم الإسرائيلي الأميركي أثبت ضرورة امتلاكه".
بدوره، دعا أحمد نادري، عضو هيئة رئاسة البرلمان الإيراني، إلى الانسحاب من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، واعتماد سياسة الغموض النووي، ثم إجراء تجربة نووية، بصفتها وسائل لتجنب مصير العراق وليبيا".
في الوقت نفسه، "نشرت منصات إيرانية تحليلات أكدت أن الردع النووي هو السبيل الوحيد لمنع هجمات جديدة، مستشهدة بتصريحات أميركية عن صعوبة خوض حرب ضد دولة نووية".
وخص المعهد موقع "الدبلوماسية الإيرانية" بالذكر حين "استشهد بتصريحات الرئيس دونالد ترامب خلال لقائه بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين في أغسطس/ آب 2025، والتي أكد فيها أن الولايات المتحدة لن تحارب دولة تمتلك أسلحة نووية".
فضلا عن ذلك، أشار الموقع الفارسي إلى "مقارنة سبق أن أجراها وزير الخارجية الأميركي الأسبق مايك بومبيو بين نهج الولايات المتحدة تجاه كوريا الشمالية ونهجها تجاه إيران، استنادا إلى امتلاك كوريا الشمالية أسلحة نووية قادرة على ضرب الولايات المتحدة".
ووفقا للموقع الفارسي، "فإن إيران لم تدرك قط أهمية الردع بالأسلحة النووية، وأن استمرار السياسة الحالية قد يؤدي إلى مزيد من الهجمات، بل وربما هجمات أشد خطورة".
من جانبها، ترى الباحثة والكاتبة الإيرانية آرزو إسكندری أن "البيئة الأمنية المحيطة بإيران، وامتلاك الولايات المتحدة وإسرائيل أسلحة نووية، إضافة إلى وجود دول نووية أخرى مثل الهند وباكستان وروسيا؛ تجعل امتلاك إيران للسلاح النووي وسيلة لتحقيق توازن قوى وردع خصومها".
كما أكدت على أن "أهمية السلاح النووي تكمن أساسا في قدرته على منع الحرب وليس في استخدامه فعليا".
وبحسب رأيها، "ففي نظام دولي تعد فيه كل دولة "ذئبا" لدولة أخرى، لا يُمكن اقتراح سوى آليتين لاحتواء الحرب: الردع وتوازن القوى، ولا توجد قوة أو أداة قادرة على تحقيق هذين المبدأين معا، باستثناء الأسلحة النووية، لذا، تحتاج إيران إلى أسلحة نووية للحفاظ على أمنها القومي".
ووفق تقديرها، "لو تبنت طهران الردع النووي كجزء من عقيدتها الدفاعية، لما اغتيل قائد فيلق القدس قاسم سليماني، ولما نُفذ الهجوم على القنصلية الإيرانية بدمشق في أبريل/ نيسان 2024، ولما عرّض اغتيال زعيم حماس في طهران إسماعيل هنية في يوليو/ تموز 2024، المنطقة لخطر حرب جديدة".
أصوات مشككة
بالتوازي مع الدعوات إلى تغيير العقيدة النووية الإيرانية وتطوير سلاح نووي، أشار المعهد إلى "ظهور أصوات تشكك في قدرة الخيار النووي العسكري على توفير الحصانة اللازمة لبقاء الجمهورية الإسلامية".
ويعتقد المعهد أنه "لا يمكن استبعاد أن يكون بعض هذه المواقف، لا سيما الصادرة عن مسؤولين رسميين، محاولة لإخفاء نية التقدم سرا نحو السلاح".
مع ذلك، أقر أن "بعضها الآخر يبدو تعبيرا عن نقاش داخلي حقيقي يشكك في جدوى امتلاكه، من دون الدعوة بالضرورة إلى التخلي عن البرنامج النووي".
وبحسب رؤيته، "تستند هذه المواقف إلى أن تجارب الدول النووية خلال العقود الأخيرة تثبت أن امتلاك السلاح لا يمنع بالضرورة التعرض لهجوم عسكري".
وأشار إلى "مقال نشره مصطفى ناصري عام 2024، رأى أن الردع الفعال يتطلب، إلى جانب السلاح النووي، قدرات عسكرية تقليدية، وقدرات غير متكافئة، وقوة دبلوماسية، واستقرارا اقتصاديا وسياسيا".
واستشهد المقال الفارسي بـ"باكستان والهند، اللتين لم يمنع امتلاكهما السلاح النووي اندلاع مواجهات بينهما، وبجنوب إفريقيا التي طورت سلاحا نوويا سرا قبل أن تدمر ترسانتها عام 1989 تحت تأثير الضغوط الدولية والمشكلات الداخلية".
كما أشار المقال إلى أن "إسرائيل، رغم امتلاكها السلاح النووي وفقا لتقارير أجنبية، لم تتمكن من منع الهجمات الإيرانية عليها في أبريل/ نيسان وأكتوبر/ تشرين الأول 2024".
ووفقا لهذا الطرح، فإن "الردع النووي يكون أكثر فاعلية في مواجهة الدول التي تخشى حربا شاملة، لكنه أقل جدوى أمام التنظيمات غير الحكومية والهجمات السيبرانية".
فضلا عن ذلك، يعتقد هذا الرأي أن "استخدام السلاح النووي في نزاعات محدودة أو ردا على ضغوط اقتصادية ودبلوماسية سيكون غير عقلاني بسبب آثاره التدميرية، وقد يؤدي إلى عزلة دولية وعقوبات أشد".

ويقدر المعهد أن "هذه الشكوك تصاعدت بعد حرب الإثنى عشر يوما، ففي نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، نشر محمد رضا نقدي، المستشار البارز لقائد الحرس الثوري والقائد السابق للباسيج، مقالا بعنوان “لماذا لا تحتاج إيران بأي حال إلى القنبلة النووية؟” عارض فيه الدعوات المتزايدة إلى تطوير السلاح".
وبحسب المعهد، "استند نقدي إلى تجارب تاريخية ليثبت أن الدول النووية تعرضت لهجمات، مستشهدا بالولايات المتحدة وإسرائيل وروسيا وباكستان والهند".
ولفتت الدراسة العبرية إلى أن "الطرح نفسه تكرر في مقابلة مع دبلوماسيين إيرانيين سابقين، أحدهما السفير السابق لدى باكستان مشاء الله شاكري، الذي رأى أن السلاح النووي لدى الهند وباكستان أدى دورا ردعيا ولم يستخدم في الحروب بينهما، كما لم يستخدم في الحرب الروسية الأوكرانية رغم امتلاك روسيا ترسانة نووية".
في المقابل، شدد شاكري على أن "القوة الحقيقية تنبع من التنمية الاقتصادية والاستفادة السلمية من التكنولوجيا النووية".
أما الدبلوماسي السابق محسن روحي صفت، فشكك -بحسب المعهد- في "فكرة أن مجرد امتلاك السلاح يحقق الردع، موضحا أن فعاليته تكون أكبر لدى الولايات المتحدة وروسيا بسبب ضخامة ترسانتيهما، بينما تضطر الدول ذات الترسانات المحدودة، مثل باكستان، إلى مواصلة الاستثمار في القوات التقليدية والدفاع الجوي للحفاظ على توازن القوى".
وذكرت الدراسة أنه "من الحجج الأخرى، زيادة احتمال تعرض إيران لهجوم إسرائيلي أو أميركي إذا مضت في تطوير السلاح النووي، بما قد يهدد استقرار النظام نفسه".
وبحسبها، "عززت حرب يونيو/ حزيران 2025 هذا القلق، بعدما كشفت عن عمق الاختراق الاستخباراتي الغربي للبرنامج النووي الإيراني وعن استعداد إسرائيل والولايات المتحدة لاستخدام القوة لمنع طهران من امتلاك قدرة عسكرية نووية".
وتابعت: "كانت إيران تقدر لسنوات أن إسرائيل ترغب في مهاجمة منشآتها النووية لكنها تفتقر إلى القدرة اللازمة، بينما تمتلك الولايات المتحدة القدرة العسكرية لكنها لا تريد التورط في حرب جديدة بالشرق الأوسط".
واستدركت: "لكن حرب الإثنى عشر يوما أظهرت أن هذا التقدير لم يعد صالحا، ما يعني أن أي تقدم سري نحو السلاح قد ينكشف ويؤدي إلى هجوم جديد قبل اكتماله".
في السياق ذاته، "يرى بعض المعارضين أن أضرار السلاح النووي تتجاوز فوائده، فقد رأى موقع "رسا نيوز" أن الردع الإيراني يقوم بالفعل على مزيج من القدرات العلمية والعسكرية والشعبية، وأن تطوير سلاح نووي قد يمنح خصوم إيران ذريعة لاتهامها بالخداع وشن هجوم عليها، فضلا عن الإضرار بصورة البلاد دوليا".
على صعيد آخر، أوضح المعهد أن "منتقدين يشككون في قدرة إيران على بناء ردع نووي فعلي حتى لو نجحت في إنتاج القنبلة".
فقد "ذكر أستاذ الدراسات الإقليمية في جامعة طهران آريا برزن محمدي أن الردع يتطلب عددا كبيرا من الرؤوس النووية وتجارب تثبت القدرة على استخدامها، إضافة إلى وسائل إطلاق موثوقة".
فيما "حذر المعلق داود هاشمتي من أن امتلاك كمية كافية من اليورانيوم المخصب لا يكفي لصناعة سلاح فعال، لأن الأمر يتطلب تجارب نووية يصعب إخفاؤها، فضلا عن امتلاك قدرة "الضربة الثانية"، وهي عنصر أساسي لضمان الردع، ووفقا لهذا الطرح، لا تمتلك إيران حاليا منظومة متكاملة تضمن هذه القدرة".
"وفي المقابل، برزت أصوات ترى أن طهران لا تحتاج أصلا إلى سلاح نووي، لأنها تمتلك وسائل تقليدية كافية لردع خصومها، وفي مقدمتهم إسرائيل"، قال المعهد.
وتابع: "يعتقد هؤلاء أن الصواريخ الإيرانية وقدرات "المقاومة" حققتا بالفعل مستوى من الردع يغني عن القنبلة النووية، فيما ذهبت وكالة "تسنيم" المقربة من الحرس الثوري إلى أن إيران عززت ردعها عبر تطوير الصواريخ والطائرات المسيرة وتوسيع نفوذها الإقليمي وتعميق التعاون مع حلفائها".
وهو ما اتفق معه موقع "رسا نيوز" الذي أكد أن "القدرات الهجومية والدفاعية الإيرانية كافية لتحقيق الردع، مستشهدا بما وصفه بقدرة إيران على فرض وقف إطلاق النار خلال حرب الأيام الإثنى عشر يوما في يونيو/ حزيران 2025".
ولفتت الدراسة العبرية إلى أن "التحفظات امتدت إلى خيار الغموض النووي، فبعد حرب الإثنى عشر يوما دعا بعض المعلقين إلى الانسحاب من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية واعتماد سياسة لا تكشف فيها إيران طبيعة قدراتها النووية، بحيث تستخدمها كورقة ضغط في المفاوضات مع الولايات المتحدة".
واستدركت: "لكن التيار البراغماتي حذر من أن هذه السياسة قد تؤدي إلى نتيجة عكسية، حيث حذرت صحيفة "شرق" الإصلاحية من تجربتي العراق وليبيا، إذ أدت الشكوك بشأن قدراتهما غير التقليدية، إلى جانب سياسات الغموض وعدم التعاون، إلى تصعيد الضغوط ثم التدخل العسكري".
وأردفت: "ترى هذه الأصوات أن وضع إيران يختلف عن كوريا الشمالية، التي تمكنت من الحفاظ على قدر من الغموض حتى تجربتها النووية عام 2006".
وتعزو تلك الجهات ذلك إلى أن "إيران تقع في منطقة شديدة الاضطراب، وتواجه إسرائيل بصورة مباشرة، كما أظهرت حرب 2025 محدودية قدرتها على حماية أسرار برنامجها النووي".
وعليه، يحذر أصحاب هذا الرأي من أن "الغموض النووي أو الانتقال إلى السلاح قد لا يوفران بالضرورة الحصانة التي تبحث عنها طهران، بل قد يزيدان مخاطر المواجهة العسكرية والعزلة الدولية ويهددان الهدف الأساسي للجمهورية الإسلامية، وهو ضمان بقاء النظام".
ردع جيوسياسي
ومع اندلاع الحرب في الثامن والعشرين في فبراير/ شباط 2026، عاد الجدل داخل إيران حول ضرورة مراجعة العقيدة النووية.
وقال المعهد: "منذ وقف إطلاق النار المؤقت بين إيران والولايات المتحدة في أبريل/ نيسان 2026، ازدادت دعوات مسؤولين إيرانيين ووسائل إعلام مقربة من النظام إلى تحقيق الردع النووي عبر إنتاج السلاح".
وقال أحمد بخشايش أردستاني، عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في مجلس الشورى، إن الوقت حان لإنتاج القنبلة النووية، لأن إيران دفعت بالفعل ثمن المواجهات المرتبطة بهذا الملف، ومن ثم ينبغي استكمال تصنيعها.
من جانبه، "لم يستبعد النائب حسين علي حاجي دليغاني إجراء تجربة نووية مستقبلا، مؤكدا أن الحرب أظهرت بوضوح افتقار إيران إلى الردع النووي، وأن امتلاك السلاح كان سيمنحها قدرة أكبر على الردع".
علاوة على ذلك، تشير الدراسة إلى أن دليغاني "رجح انسحاب طهران مستقبلا من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، بما ينهي التزامها بالقواعد الدولية المفروضة عليها حاليا".
فيما "أوضح المتحدث باسم لجنة الأمن القومي إبراهيم رضائي أن تهديدات وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس باغتيال مجتبى خامنئي تستدعي إعادة النظر في العقيدة النووية".
بدوره، "تبنى المحلل الإيراني مصطفى نجفي المقرب من دوائر النظام والحرس الثوري الطرح نفسه، مؤكدا أن القدرة على إنتاج السلاح لا تعادل امتلاكه فعليا، وأن بقاء إيران دولة نووية على عتبة امتلاك السلاح النووي من دون تصنيع السلاح قد يزيد المخاطر الأمنية، كما أظهر الهجوم عليها".
أيضا، "ذهبت وكالة "فارس" المقربة من الحرس إلى أن إيران لا تملك، في ظل التحول نحو نظام عالمي جديد، خيارا سوى تحقيق ردع نووي لإبعاد احتمال العمل العسكري الهادف إلى احتلالها وتفكيكها، بما يسمح لها بالتفاوض من موقع قوة".
في المقابل، أفاد المعهد بـ"بروز أصوات أخرى ترى أن الحرب أثبتت قدرة إيران على تحقيق الردع من دون سلاح نووي، اعتمادا على أوراق إستراتيجية أخرى، في مقدمتها مضيق هرمز وقدراتها التقليدية من صواريخ وطائرات مسيرة".
في هذا السياق، أشارت الدراسة إلى "عضو مجمع تشخيص مصلحة النظام في إيران، محسن رضائي، الذي أكد أن أهمية مضيق هرمز تتجاوز أهمية "عشرات القنابل الذرية"، فيما وصفه النائب محمد تقي نقدعلي بأنه عنصر أساسي في قوة إيران التفاوضية وأهم من القنبلة النووية".
وتابعت: "تعتقد العديد من التحليلات الإيرانية أن الموقع الجغرافي، لا سيما مضيق هرمز، يمثل أهم أدوات الردع التي استخدمتها طهران خلال الحرب، إذ لا يشكل ممرا رئيسا لتجارة النفط فحسب، بل يمنح القوات الإيرانية حرية حركة وقدرة على فرض كلفة اقتصادية عالمية عبر استراتيجية الحرب غير المتكافئة".
وفي السياق نفسه، "رأى خبير العلاقات الدولية محمد رضا دهشيري أن مفهوم الردع متغير وفقا لطبيعة التهديدات، وأن الحرب كشفت انتقال إيران من الردع العسكري التقليدي إلى ردع جيوسياسي قائم على الطاقة".
وأردف المعهد: "فبدلا من رسالة (إذا هاجمتمونا فسنرد عسكريا)، أصبحت الرسالة الإيرانية، بحسب دهشيري، (إذا تسببتم في أزمة أمنية فسيتضرر الاقتصاد العالمي وسيتعرض سوق الطاقة لصدمة)".
ومع ذلك، نوه المعهد إلى أن "خبير العلاقات الدولية شدد على ضرورة الإبقاء على أدوات الردع التقليدية، ومنها الصواريخ والطائرات المسيرة، إلى جانب مضيق هرمز والقدرة النووية المحتملة و"جبهة المقاومة"، بصفتها عناصر متكاملة توفر لإيران عمقا إستراتيجيا وردعا إقليميا".

خمسة شروط
وبين ذاك وذاك، تبنى المعهد رأي عبد الرسول دبسالار، الباحث في معهد الأمم المتحدة لبحوث نزع السلاح، خلال المؤتمر السنوي لوحدة الدراسات الإيرانية بالمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في الدوحة، في سبتمبر/ أيول 2025، الذي قدر أن "الجمهورية الإسلامية لن تغير على الأرجح عقيدتها النووية".
وبحسب الباحث الإيراني، فقد "فشلت سياسة البقاء عند العتبة النووية لأنها لم تمنع الهجوم الإسرائيلي في يونيو/ حزيران 2025".
ووفق تقديره، "فهناك خمسة شروط لنجاح الردع النووي: أولها، سرعة اتخاذ القرار وإظهار الحزم، وثانيها، امتلاك قدرات تقليدية تتيح كسب الوقت اللازم لإنتاج القنبلة الأولى عند التصعيد، وثالثا، الاستعداد لتحمل التبعات الاقتصادية والدولية للتحول إلى السلاح".
فضلا عن "وجود تحالفات وبيئة إقليمية تحمي الدولة من الضغوط ولا تضم خصما مستعدا لتجاوز الخطوط الحمراء وشن هجوم سريع، وأخيرا، امتلاك استخبارات استراتيجية دقيقة تمكنها من معرفة الأفعال التي قد تدفع الخصم إلى مهاجمتها".
وبحسب دبسالار، "لا تتوافر هذه الشروط في إيران، فعملية صنع القرار فيها موزعة بما يصعب الوصول إلى توافق سريع وإظهار الحزم اللازم لردع الخصوم، كما أن قدراتها التقليدية لا تكفي لمنع هجوم قبل امتلاك الوقت اللازم لإنتاج السلاح".
"حيث تعاني أنظمة القيادة والسيطرة من أوجه قصور، ولا تتمتع صواريخها بالموثوقية الكافية لضمان ردغ الدول المجاورة عن استهداف إيران"، بحسب رأيه.
في الوقت ذاته، أشار دبسالار إلى أن طهران "تواجه عزلة دولية، فيما لم تثبت روسيا والصين ووكلاء طهران الإقليميين استعدادهم لتقديم دعم عسكري لها عند الحاجة، في حين تتمتع إسرائيل بالقدرة والاستعداد لاتخاذ قرار سريع بالهجوم".
فضلا عن ذلك، يقدر دبسالار أن إيران "تفتقر إلى معلومات استخباراتية كافية بشأن نوايا إسرائيل".
كذلك، "تعاني طهران "ضعف قدراتها التقليدية، خصوصا في مجالات الدفاع السلبي والاتصالات والقيادة والسيطرة، ما يجعل امتلاك عدد محدود من الرؤوس النووية غير كاف لتحقيق ردع فعال".
وأنظمة وإجراءات الدفاع السلبي هي مجموعة التدابير والوسائل الوقائية التي لا تعتمد على إطلاق النار أو استخدام الأسلحة، بل تهدف إلى تقليل الخسائر في الأرواح والممتلكات، وخفض البصمة الحرارية والرادارية، وحماية المنشآت الحيوية من هجمات العدو.
ومن ثم، يقدر الباحث أن "النخبة العسكرية الإيرانية تدرك هذه القيود، ما يجعل تغيير العقيدة باتجاه تطوير السلاح النووي أمرا غير مرجح".
واستدرك المعهد: "لكن هذا التقدير لا يعكس على الأرجح إجماعا داخل القيادة السياسية والأمنية الإيرانية".
وأرجع ذلك إلى أن "تراجع شبكة وكلاء إيران منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2023، إلى جانب فشل قدراتها التقليدية، وفي مقدمتها الصواريخ الباليستية، في ردع إسرائيل؛ أدى إلى تعزيز الأصوات الداعية إلى الانتقال من القدرة النووية العتبية إلى امتلاك السلاح".
كما توقع أن "مقتل علي خامنئي وتعيين ابنه مجتبى الذي قد لا يكون ملتزما بالضرورة بموقف والده الداعي إلى الاكتفاء بالقدرة العتبية، قد يعزز داخل القيادة الجديدة الاتجاه المؤيد لتطوير السلاح النووي لتحقيق ردع أكثر فاعلية".
ووفق تقديراته، "تبدو القيادة الحالية التي يؤدي الحرس الثوري دورا بارزا فيها، أكثر تشددا واستعدادا لتحمل المخاطر في مواجهة الولايات المتحدة، مع تنامي ثقتها بقدرة الجمهورية الإسلامية على تحقيق مكاسب، بينها السيطرة على مضيق هرمز وإلحاق أضرار بجيرانها".
ورغم ذلك، يشدد المعهد على أن "طهران تدرك أيضا المخاطر والقيود المرتبطة بالتحول إلى السلاح النووي".
وبحسب تحليله، "يكشف النقاش العلني حول المسألة عن وجود خلافات داخل دوائر الحكم، وهو ما يتيح لإسرائيل والولايات المتحدة فرصة لتعزيز قناعة صناع القرار الإيرانيين بأنهما لن تتسامحا مع أي تحول إيراني نحو السلاح النووي، وأن القوة التي استخدمت خلال الحرب الأخيرة قد تستهدف في هذه الحالة أيضا أصول النظام وبنيته التحتية الحيوية".
وعليه، خلص إلى أن "التهديد المباشر لبقاء النظام قد يعزز القناعة بأن تطوير السلاح النووي سيحول البرنامج من أصل استراتيجي إلى عبء، بما قد يثني الجمهورية الإسلامية عن اتخاذ خطوات في هذا الاتجاه".
















