ملك الأردن في الصين.. هل بدأ حلفاء أميركا في البحث عن بدائل؟

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

تخوض الولايات المتحدة حربا ضد إيران منذ ستة أشهر، ومع استمرارها تزداد تداعياتها وتعقيداتها، وفي ظل هذه التطورات، توجه العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني إلى بكين؛ حيث قضى سبعة أيام في زيارة رسمية.

وقالت صحيفة "سوهو" الصينية: إن هذه الزيارة تعكس أن "حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط بدأوا، بهدوء، في التوجه نحو الشرق"، مقدرة أنها مؤشر على التحولات الجارية في طبيعة العلاقات الدولية بالمنطقة.

وجاءت زيارة الملك عبد الله الثاني إلى الصين التي استمرت من 18 إلى 24 أغسطس/آب، تلبية لدعوة من الجانب الصيني، لتكون الزيارة التاسعة له إلى الصين منذ توليه العرش عام 1999.

وأشارت الصحيفة إلى أن العاهل الأردني أصبح أول رئيس دولة عربية تستقبله الصين خلال عام 2026، في وقت تشهد فيه منطقة الشرق الأوسط أوضاعا متغيرة ومعقدة على المستويين السياسي والأمني، لا سيما الأردن الذي تعرض لضربات إيرانية قاسية استهدفت القواعد الأميركية الموجودة بأراضيه.

ولفتت إلى أن "إدراج مدينتي شنغهاي وشنتشن ضمن برنامج الزيارة يبرز الأهمية المتزايدة للملفات الاقتصادية والتكنولوجية، ويعكس حرص الأردن على بحث فرص التعاون في هذه المجالات".

حقيقة قاسية

ويقدر التقرير أن "الحرب على إيران كشفت عن مأزق أميركي يزداد تعقيدا، بعدما تحولت المواجهة التي بدأت بهجوم أميركي إسرائيلي مشترك في 28 فبراير/ شباط 2026 إلى حرب طويلة الأمد، رغم اعتقاد واشنطن في البداية بإمكان حسمها سريعا".

وتابعت: "فقد ردت إيران بسلسلة هجمات ألحقت أضرارا بمنشآت الطاقة وموانئ التصدير في دول خليجية، إلى جانب استهداف متكرر لقواعد عسكرية أميركية في المنطقة".

"فيما تواجه الولايات المتحدة معضلة بين ارتفاع تكلفة التدخل البري وعدم قدرة الضربات الجوية على حسم الصراع، ما يجعل استمرار الحرب صعبا والانسحاب منها خيارا لا ترغب فيه واشنطن"، وفق تقديرها.

وفي خضم هذا المشهد، رأت الصحيفة أن الحرب "تدفع حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط إلى تقديم ثمن باهظ، في ظل تعرض منشآت الطاقة في دول الخليج للهجمات، وتعطل طرق الملاحة، وتراكم الخسائر الاقتصادية". 

وأردفت: "في المقابل، لم تتمكن واشنطن من توفير حماية فعالة، كما لم تستطع تخصيص مزيد من الموارد لطمأنة حلفائها".

علاوة على ذلك، "تخضع الموارد التي تخصصها الولايات المتحدة للشرق الأوسط لمراجعة مستمرة في اتجاه تقليصها؛ إذ تحتاج واشنطن إلى تركيز اهتمامها على المنافسة الإستراتيجية في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، فيما تتراجع أولوية الشرق الأوسط في حساباتها".

ومن هنا، تقدر أن "دول المنطقة التي كانت تعتمد بصورة كاملة على الولايات المتحدة في مجال الأمن بدأت تدرك حقيقة قاسية، وهي أن واشنطن لم تعد الحليف القادر دائما على تحمل المخاطر وتوفير الحماية عند الضرورة".

وعليه، تعتقد أن دول المنطقة "قررت الاتجاه شرقا، فعلى مدى عقود، كانت المعادلة بالنسبة إلى دول الشرق الأوسط بسيطة: الأمن عبر الولايات المتحدة والاقتصاد عبر الغرب".

واستدركت: "لكن هذه المعادلة بدأت تفقد فعاليتها، بعدما أصبحت الالتزامات الأمنية الأميركية أقل موثوقية، فيما بات نموذج التعاون الاقتصادي الغربي أقل قدرة على تلبية احتياجات دول المنطقة التنموية".

وفي المقابل، أشادت الصحيفة بالصين موضحة أنها "توفر ما تحتاجه دول الشرق الأوسط بشدة في المرحلة الراهنة، من استثمارات لا تقترن بشروط سياسية، ونقل للتكنولوجيا، وبناء للبنية التحتية، إلى جانب سوق استهلاكية ضخمة".

في هذا السياق، ذكر التقرير أن "متوسط حجم التجارة الثنائية بين الصين ومجلس التعاون لدول الخليج العربية يبلغ نحو 300 مليار دولار سنويا، فيما يأتي 42 بالمائة من واردات الصين النفطية من الشرق الأوسط".

مع ذلك، تشدد "سوهو" أن "التجارة ليست سوى الجانب الظاهر من هذا التحول؛ إذ بدأت دول الشرق الأوسط تنظر إلى الصين بوصفها شريكا إستراتيجيا، لا مجرد مشترٍ للطاقة".

ووفقا لها، "تشير تحليلات إلى أن دول الخليج بدأت تحويل جانب متزايد من ثقلها الاستثماري من الأسواق الأميركية والأوروبية إلى الصين، بما يعكس انتقال العلاقة بين الصين ودول الخليج من شراكة تقوم أساسا على تجارة الطاقة إلى شراكة إستراتيجية أوسع تستهدف بناء المستقبل".

وفي هذا الإطار، تعتقد أن بكين "تتحول تدريجيا إلى أحد اللاعبين الرئيسين في الشرق الأوسط، مقدمة للمنطقة نموذجا مختلفا لممارسة النفوذ، يقوم على الاستثمار بدلا من الضغوط السياسية، والوساطة الدبلوماسية بدلا من التحالفات العسكرية".

الاتجاه شرقا

ومن ثم، تنظر الصحيفة لزيارة الملك عبد الله الثاني إلى الصين "كنموذج واضح لهذا التوجه نحو الشرق".

وتابعت: "فالأردن يعد من الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وتوجد على أراضيه قواعد عسكرية أميركية مهمة، لكن الواقع يفرض على الملك عبد الله الثاني إجراء تعديلات على سياساته".

وعزت ذلك إلى أن "تداعيات الصراع بين الولايات المتحدة وإيران امتدت إلى الأراضي الأردنية، بعدما سقطت صواريخ وطائرات مسيرة إيرانية داخل البلاد".

"ومن ناحية أخرى، يواجه الاقتصاد الأردني ضغوطا متزايدة بسبب الاضطرابات الإقليمية التي ألحقت أضرارا بقطاع السياحة وطرق التجارة، في وقت يكتنف الغموض مستقبل المساعدات الأميركية، ما يجعل المملكة بحاجة ملحة إلى فتح قنوات اقتصادية جديدة"، بحسب تحليلها.

وقبل زيارته إلى الصين، أوضح الملك عبد الله الثاني في مقابلة حصرية مع وكالة أنباء "شينخوا" الصينية أن بكين، بوصفها قوة مهمة في المجالين الاقتصادي والسياسي العالميين، أصبحت نموذجا عالميا في دفع التنمية والتقدم الاقتصادي. 

وأعرب عن تطلعه إلى توسيع التعاون الثنائي وتعميق الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، مشيرا إلى امتلاك المملكة مقومات تؤهلها لتصبح مركزا إقليميا للتصنيع والتصدير، بفضل موقعها الإستراتيجي الذي يمكن دمجه مع القوة الاقتصادية للصين وتفوقها التكنولوجي ونفوذها العالمي.

وتقرأ الصحيفة هذه التصريحات بوصفها "انعكاسا لمعادلة المصالح بين الطرفين؛ إذ يحتاج الأردن إلى الاستثمارات والتكنولوجيا والسوق الصينية، بينما يراهن في المقابل على ما يمتلكه من موقع إستراتيجي في قلب الشرق الأوسط، ودوره كبوابة دبلوماسية إلى العالم العربي، فضلا عن مكانته الخاصة وصوته المؤثر في القضية الفلسطينية".

في هذا السياق، لفت التقرير إلى أن الأردن "يتمتع بوضع فريد في القضية الفلسطينية؛ إذ تضطلع الأسرة الهاشمية بالوصاية على المقدسات في القدس".

وأردف: "وقد أعرب الملك عبد الله الثاني بوضوح عن رغبته في تعزيز التنسيق مع الصين والاستفادة من نفوذها الدولي بوصفها عضوا دائما في مجلس الأمن، من أجل الدفع باتجاه تحقيق حل الدولتين".

وعقّبت الصحيفة: "في ظل المواجهة الأميركية الإيرانية والتصعيد المستمر في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، يحتاج الأردن إلى دعم الصين لمطالب الدول العربية داخل مجلس الأمن الدولي".

بدوره، قال رئيس سابق للجنة الشؤون الخارجية في البرلمان الأردني أن المملكة سعت منذ فترة طويلة إلى تنويع شراكاتها السياسية والاقتصادية، وأن زيارة الصين تندرج في إطار "سياسة تنويع الشراكات، وليس سياسة فك الارتباط". 

فرصة تاريخية 

على الصعيد الاقتصادي، وصف رئيس غرفة تجارة الأردن، العين خليل الحاج توفيق، هذه الزيارة بأنها فرصة "تاريخية"، في وقت يخطط فيه الجانبان لتوقيع سلسلة من وثائق التعاون وتوسيع الشراكة لتشمل مجالات ناشئة، من بينها التنمية الخضراء والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي والتصنيع المتقدم.

من هنا، شملت زيارة عبد الله الثاني محطات بارزة في شنغهاي وشنتشن، الأمرة الذي عده التقرير "يعكس أولوية متزايدة للملفات الاقتصادية والتكنولوجية".

فوفق تقديره، "لم يكن اختيار المدينتين تفصيلا بروتوكوليا، بل ارتبط بالسعي إلى استكشاف فرص التعاون في مجالات الصناعة والتمويل والابتكار والاقتصاد الرقمي والتكنولوجيا المتقدمة، بما يتماشى مع احتياجات الأردن وخططه للتحديث الاقتصادي".

وفي شنغهاي، بدأ الملك برنامجه بلقاء مسؤولين تنفيذيين في عدد من الشركات الصينية الكبرى؛ حيث تناولت المحادثات التعاون الاقتصادي، والشراكات الاستثمارية، وتبادل الخبرات. 

وشملت الشركات التي زارها قطاعات الأدوية والأغذية والهندسة والزراعة والطيران، "ما يشير إلى أن الاهتمام الأردني لا يقتصر على جذب الاستثمارات التقليدية، بل يمتد إلى بناء شراكات متنوعة يمكن أن تدعم قطاعات إنتاجية متعددة"، بحسب الصحيفة.

كما زار الملك شركة صينية متخصصة في الروبوتات للاطلاع على استخدامات هذه التكنولوجيا في التصنيع والخدمات اللوجستية والفندقة والأمن، مع طرح تعزيز التعاون بين الشركة والجامعات والمؤسسات الأردنية.

في هذا السياق، أشار التقرير إلى أن "أهمية شنغهاي وشنتشن تبرز في ارتباطهما المباشر بالتحول الذي يسعى إليه الأردن".

وأوضح مقصده: "فشنغهاي تجمع بين القدرات الصناعية والمالية والابتكارية، بينما تمثل شنتشن أحد أبرز مراكز التصنيع والتكنولوجيا والاقتصاد الرقمي في الصين".

ومن ثم، "بدا أن الاهتمام الأردني يتجاوز توقيع صفقات أو عقود منفردة إلى دراسة الكيفية التي حولت بها الصين التكنولوجيا إلى قاعدة صناعية، وإمكانية نقل جانب من هذه الخبرات والتعاون إلى الأردن".

وأردف: "يرتبط هذا المسار أيضا بمحاولة إيجاد محاور جديدة للاقتصاد الأردني، من خلال الجمع بين الموقع الجغرافي للبلاد وطاقتها البشرية الشابة وقدراتها الصناعية من جهة، وبين الإمكانات الاقتصادية والتكنولوجية الصينية من جهة أخرى".

واستطرد: "فالاحتياجات الأردنية لم تعد تقتصر على مشروعات البنية التحتية التقليدية، بل تشمل تطوير قاعدة إنتاجية قادرة على استيعاب التكنولوجيا الحديثة وخلق فرص عمل وتعزيز الصادرات".

ومن هذا المنظور، رأت الصحيفة أن "الاهتمام بالروبوتات والتصنيع والطيران والزراعة والاقتصاد الرقمي يندرج ضمن رؤية أوسع تستهدف إعادة تشكيل بنية الاقتصاد الأردني".

بل وتقدر أن عمّان تطمح إلى ما أبعد من ذلك؛ إذ "تراهن على الجمع بين التكنولوجيا ورأس المال الصيني وموقعها الجغرافي المتميز، بهدف التحول إلى مركز إقليمي للتصنيع وإعادة التصدير يخدم أسواق غرب آسيا وشمال إفريقيا".

ورغم احتفاء الصحيفة الصينية بما وصفته بـ"الشراكة المتنامية بين الأردن والصين"، إلا أنها أكدت أن عمّان "لا تتجه إلى استبدال الولايات المتحدة ببكين أو التخلي عن تحالفها التقليدي مع واشنطن".

وعزت ذلك إلى أن "ركائز السياسة الخارجية الأردنية لا تزال مرتبطة بالولايات المتحدة التي تبقى الشريك الأكثر أهمية للمملكة في المجالين العسكري والأمني".

فضلا عن أن "اتساع التعاون العسكري والاستخباراتي بين الجانبين يفرض قيودا على انخراط الأردن مع الصين في مجالات حساسة، مثل شبكات الاتصالات ذات الاستخدام المزدوج والذكاء الاصطناعي المرتبط بالأمن ومشتريات الدفاع".

ومن ثم، تعتقد أن "التوجه الأردني يقوم على توزيع مجالات التعاون لا تغيير التحالفات، بحيث تستمر الشراكة الأمنية مع الولايات المتحدة، بينما يتجه الأردن إلى تعميق علاقاته الاقتصادية والتكنولوجية مع الصين في قطاعات يحتاج إليها بشدة، مثل الصناعات التحويلية والطاقة النظيفة والبنية التحتية والاقتصاد الرقمي والتكنولوجيا".

بعبارة أخرى، "يتركز التعاون بين عمّان وبكين بصورة أساسية في مجالات التجارة والاستثمار والاقتصاد والتنسيق الدبلوماسي، من دون أن يقود ذلك، في المدى القريب، إلى تحولات جذرية في الاصطفافات السياسية والأمنية للمملكة".

ووفق تحليلها، "يستند هذا النهج إلى محاولة توسيع الخيارات وتقليل الاعتماد على قوة كبرى واحدة في جميع المجالات، بما يمنح الأردن هامشا أكبر للمناورة ويوزع مصادر القوة والمخاطر".

وعليه، ترى أن "حاجة الأردن إلى الصين لا تنبع من قدرته على الانفصال عن الولايات المتحدة، بل من صعوبة هذا الانفصال نفسه".

وفسرت حديثها: "إذ يمكن للشراكة مع بكين أن توفر له مجالا أوسع للاستقلال في القطاعات الاقتصادية والتكنولوجية من دون الدخول في مواجهة مع واشنطن أو التخلي عن الشراكة معها".

ونوهت إلى أن "هذا التوجه يكتسب أهمية أكبر في ظل التغيرات التي تشهدها المنطقة؛ حيث تواجه الولايات المتحدة صعوبات متزايدة نتيجة انخراطها في حروب الشرق الأوسط، بينما بدأ حلفاؤها البحث عن شركاء أكثر تنوعا، مع تنامي الرغبة في التوجه شرقا".

وأردفت: "وفي المقابل، تواصل الصين تعزيز حضورها الإقليمي من خلال التركيز على التنمية والاستثمار والسلام، من دون إقامة تحالفات عسكرية أو مطالبة دول المنطقة بالاصطفاف إلى جانبها".

ضامن إستراتيجي

في المحصلة، يشدد التقرير على أن "زيارة الملك عبد الله الثاني إلى الصين تعكس توجها يقوم على توسيع الخيارات الوطنية لا إعادة صياغة التحالفات بصورة جذرية".

وتابع: "فالأردن لا يسعى إلى التخلي عن حليفه التقليدي، بقدر ما يحاول الجمع بين المظلة الأمنية الأميركية والفرص الاقتصادية والتكنولوجية الصينية؛ إذ لا تستطيع الشراكة العسكرية وحدها معالجة تحديات تحديث الصناعة والبطالة والطاقة الخضراء والاقتصاد الرقمي".

ومن هنا، خلصت إلى أن "عمّان ليست مضطرة إلى الاختيار بين واشنطن وبكين، بل تسعى إلى الاستفادة من كل منهما في المجالات التي توفر فيها ما يحتاجه الاقتصاد والدولة، مع فتح مسار إضافي في وقت تتراجع فيه موثوقية الضمانات الأمنية في عالم لم يعد أحادي القطب".

وبالنسبة إلى الصين، ترى الصحيفة أن "العالم العربي بات يتطلع إليها لأداء دور محوري، لا بوصفها بديلا أمنيا تقليديا، بل بوصفها قوة موازنة وعاملا للاستقرار السياسي، قادرا على ممارسة ضغط دبلوماسي ناعم وفعال". 

وهو ما يعني -وفق تقديرها- أن الصين "لم تعد مجرد شريك تجاري في نظر دول الشرق الأوسط، بل بدأت تتحول إلى ما يمكن وصفه بـ"ضامن إستراتيجي" يوفر في الوقت نفسه فرصا للتنمية ودعما دبلوماسيا".