بعد تسليم لواء سابق لسوريا.. هل يطارد لبنان ضباط نظام بشار الأسد؟

تسليم اللواء عادل عيسى إلى دمشق بعد 10 أيام من توقيفه في بيروت في إجراء هو الأول من نوعه منذ إسقاط نظام الأسد أواخر 2024
لم يكن توقيف اللواء السوري السابق، عادل عيسى، في بيروت واقعة فردية، فقد فتح جدلا أوسع بشأن مصير ضباط الأمن والجيش الذين فرّوا إلى لبنان بعد سقوط نظام بشار الأسد.
وقرّر القضاء اللبناني، في 18 أغسطس/آب 2026، تسليم عيسى إلى دمشق بعد 10 أيام من توقيفه، في إجراء هو الأول من نوعه بحق مسؤول عسكري سوري منذ إسقاط نظام الأسد أواخر 2024.
وذكرت وكالة الأنباء اللبنانية أنّ النائب العام التمييزي، أحمد رامي الحاج، قرّر تسليم عيسى إلى السلطات السورية لمحاكمته بالجرائم المنسوبة إليه، استنادا إلى الاتفاقية القضائية اللبنانية-السورية الموقعة عام 1951، بعدما رأى القضاء اللبناني أنّ شروط التسليم مستوفاة.
وأضافت الوكالة أنّ الحاج كلّف قسم المباحث الجنائية المركزية نقل عيسى من نظارة قصر العدل في بيروت إلى المديرية العامة للأمن العام، تمهيدا لتسليمه عند الحدود اللبنانية-السورية إلى لجنة أمنية سورية.
ويعيد هذا القرار إلى الواجهة طلبا سوريا أوسع من قضية عيسى وحده بحسب تقرير لموقع "ذا ميديا لاين" الأميركي،.
فقد أفاد مصدر سوري مطّلع، للموقع، بأنّ دمشق طلبت من الأجهزة الأمنية اللبنانية قبل أشهر تسليم أكثر من 200 ضابط أمني وعسكري كبير فرّوا إلى لبنان عقب انهيار نظام الأسد.
وبات السؤال الأبرز ما إذا كانت بيروت تتّجه إلى مرحلة جديدة من التعاون مع دمشق، قد تصل إلى توقيف هؤلاء الضباط وتسليمهم.
واكتسب هذا الطلب أهمية إضافية بعد قرار تسليم عيسى، القائد السابق للفرقة 17 في الجيش السوري، الذي وُقّف بموجب مذكرة توقيف غيابية صادرة عن القضاء السوري.
ولا يزال غامضا ما إذا كان عيسى من بين الأسماء التي طلبت دمشق تسليمها، إذ لم تُصدر السلطات اللبنانية ولا السورية قائمة رسمية بالمطلوبين، ولا كشفت عدد طلبات التسليم قيد المعالجة.
وكان عيسى (67 عاما) قد توجّه إلى السفارة السورية في بيروت لإنجاز معاملة إدارية، قبل أن يتبيّن أنه مطلوب للقضاء السوري، فأوقفته القوى الأمنية اللبنانية بعد إبلاغ القضاء المختص.
وذكر القضاء اللبناني أنّ عيسى متّهم في سوريا بارتكاب جرائم قتل وجرائم ضد الإنسانية خلال فترة خدمته العسكرية.
ويتحدّر عيسى من منطقة الدريكيش في محافظة طرطوس، وتولّى خلال الحرب السورية مناصب عسكرية عدة، أبرزها قيادة الفرقة 17 في الرقة، إضافة إلى مسؤوليات في دير الزور ومطار الطبقة العسكري.
وارتبط اسمه بانتهاكات ارتُكبت خلال خدمته العسكرية، فيما لم تُعلن السلطات السورية بعد تفاصيل الملف القضائي أو الأدلة التي تستند إليها التهم الموجهة إليه.
وبهذا التسليم تتحول قضية عيسى إلى اختبار مبكر لكيفية تعامل بيروت مع طلبات سورية أخرى تخصّ مسؤولين من حقبة الأسد.

آلية التسليم
وأوضح قاض لبناني مطّلع مباشرة على الملف، فضّل عدم كشف هويته لحساسية الأمر ولأنّ القضاة غير مخوّلين بالحديث إلى الإعلام بشأنه، أنّ تلقّي طلب التسليم لا يُلزم لبنان تلقائيا بتسليم المطلوب.
وأضاف للموقع أنّ العملية تبدأ بطلب تسليم رسمي تقدّمه وزارة العدل السورية أو النيابة العامة إلى السلطات اللبنانية، على أن يتضمّن هوية المطلوب والجرائم المنسوبة إليه وأسباب تسليمه ومذكرات التوقيف والوثائق القضائية.
ووفق القاضي، يراجع النائب العام التمييزي بعد تسلّم الملف رسميا مدى استيفاء الشروط القانونية، ومنها أن تكون الجرائم وقعت على الأراضي السورية، وأن يكون المطلوب سوريا، وأن تكون الأفعال أضرّت بمواطنين سوريين أو بالدولة أو بأمنها القومي.
وبحسب القاضي، لا يعود القرار النهائي إلى القضاء وحده، بل يتطلب مرسوما تصدره الدولة اللبنانية بناء على توصية وزير العدل، ويوقّعه رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ووزير العدل.
غير أنّ قرار التسليم في قضية عيسى صدر عن النائب العام التمييزي عملا بالاتفاقية القضائية اللبنانية-السورية لعام 1951.
إشكالية قانونية
لكنّ الطلب السوري الذي يشمل أكثر من 200 ضابط يطرح إشكالية قانونية أعقد.
فقد شدّد الخبير القانوني اللبناني، أمين بشير، على أنّ "المسؤولية الجنائية شخصية، فلا يمكن أن يكون هناك طلب جماعي لتسليم 200 ضابط أو أكثر".
وتابع أنّ "لكل ضابط ملفا مستقلا، وعلى القضاء اللبناني أن يعرف الجرائم المنسوبة إليه، وأن تُقدَّم مذكرة التوقيف والأدلة الخاصة بكل حالة على حدة".
وذهب القاضي اللبناني إلى الرأي نفسه؛ إذ رأى أنّ وجود أكثر من 200 اسم ضمن ملف سياسي أو أمني واحد لا يتيح للسلطات إصدار قرار شامل بتسليمهم جميعا.
وأشار إلى أنّ كل فرد يتطلب مذكرة وملفا وأدلة مستقلة، وأن يمرّ بالمراحل القانونية نفسها التي تمرّ بها قضية عيسى.
وبذلك، فحتى لو طلبت دمشق تسليم أكثر من 200 ضابط سابق، فإنّ معالجة هذه الأسماء عبر القضاء اللبناني تقتضي مراجعة كل حالة على حدة، من طبيعة التهم إلى قرار التسليم النهائي.
ورأى بشير أنّ المسألة تزداد تعقيدا حين ينتقل التركيز من عيسى الذي تقرّر تسليمه، إلى ضباط سوريين آخرين يُعتقد وجودهم في لبنان.
واستطرد بشير: "في قضية عادل عيسى، العملية قانونية في المقام الأول، لكن حين نتحدث عن بقية الضباط السوريين في لبنان، ندخل حتما في البعد السياسي".
وأرجع بشير عدم توقيف بعض الضباط الذين يُقال إنهم موجودون في لبنان إلى احتمالين، هما غياب قرار سياسي بملاحقتهم، أو صعوبات تواجه مؤسسات الدولة في بلوغ أماكنهم.
وربط بشير التعاون مع السلطات السورية الجديدة بتغيّرات سياسية داخل لبنان؛ إذ رأى أنّ تراجع نفوذ حزب الله داخل مؤسسات الدولة يمنح الحكومة اللبنانية هامشا أوسع لتوسيع التعاون الأمني والقضائي مع دمشق.

غير أنّ تحليل بشير يبقى في حدود التوقّع، فلا بيان لبناني رسمي يربط التعامل مع ملفات الضباط السوريين السابقين بمواقف القوى السياسية الداخلية.
ويأتي تسليم عيسى في وقت تسعى فيه بيروت ودمشق إلى توسيع تعاونهما الأمني والقضائي.
ففي 5 أغسطس/آب 2026، وقبل أيام من توقيف عيسى، زار وفد من وزارة الداخلية السورية بيروت برئاسة معاون الوزير للشؤون الأمنية العميد، ملهم الشنتوت، والتقى وزير الداخلية والبلديات اللبناني أحمد الحجار.
وذكرت وزارة الداخلية السورية أنّ اللقاء تناول قضايا ذات اهتمام مشترك وسبل تعزيز التعاون الأمني بين البلدين.
وتطرح قضية عيسى والطلب السوري الذي تحدّث عنه المصدر أسئلة عن المرحلة المقبلة، منها ما إذا كانت دمشق قد زوّدت بيروت بملفات قضائية منفصلة عن المطلوبين، وكم منهم تمكّنت السلطات اللبنانية من تحديد أماكنهم.
كما تطرح أسئلة عمّا إذا كانت إجراءات قد بدأت في قضايا أخرى غير قضية عيسى.
وإذا انتقل الطلب المتعلق بأكثر من 200 ضابط من مستوى مطلب أمني عام إلى ملفات تسليم قضائية فردية، فقد تواجه المؤسسات اللبنانية مسارا طويلا ومعقدا قانونيا وسياسيا؛ إذ ستُراجَع كل حالة على حدة قبل أي قرار تسليم.
وبتسليمه، سيصبح عيسى أول مسؤول بارز من حقبة الأسد يُسلَّم إلى السلطات السورية الجديدة، في سابقة قد تحدّد كيفية تعامل لبنان مع ملف أوسع يشمل مئات الضباط والمسؤولين السابقين الذين تقول دمشق إنهم في لبنان وتطلب إعادتهم لمحاكمتهم.

















