بين بانياس وجيهان.. صراع خطوط النفط يعيد ترتيب تحالفات سوريا والعراق وتركيا

دمشق "قد تستعيد مجددا دورها بوصفها نقطة عبور للنفط العراقي"
ظلت سوريا لسنوات طويلة على هامش التطورات الإقليمية بسبب عدم الاستقرار السياسي، لكن صحيفة "إزفيستيا" الروسية ترى أن دمشق "قد تستعيد مجددا دورها بوصفها نقطة عبور للنفط العراقي".
ومع ذلك، فإن عودة البلاد إلى منظومة الطاقة الإقليمية ترتبط بشكل مباشر بقضايا السيطرة على المناطق الشمالية الشرقية، والعامل الكردي، والتنافس بين تركيا والولايات المتحدة وغيرهما من الأطراف الخارجية على النفوذ في مسارات إمدادات النفط المستقبلية.
في هذا السياق، يتناول التقرير الروسي تطورات مساعي نقل إمدادات النفط بعيدا عن مضيق هرمز، وما إذا كانت أنقرة ودمشق ستدخلان في مواجهة مفتوحة بشأن نقل النفط العراقي.

العامل الكردي
وأشارت الصحيفة إلى أنه "في وقت لا يزال فيه التوتر المتصاعد حول مضيق هرمز يؤدي إلى زعزعة سوق الطاقة العالمية، قد تستعيد سوريا، للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، مكانتها بوصفها حلقة مهمة في سلسلة إمدادات النفط في الشرق الأوسط".
في هذا السياق، ذكرت الصحيفة أنه "في مطلع أغسطس/ آب 2026، التقى رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني بالقائد السوري المؤقت أحمد الشرع في دمشق".
ورجّحت أن "تكون إحدى القضايا الرئيسة التي بحثها الجانبان هي تأمين نقل النفط العراقي من الحقول الشمالية للبلاد، لا سيما من منطقة كركوك الغنية بالنفط والغاز، إلى ميناء بانياس السوري".
ومن الجدير بالذكر، أن العراق وسوريا كانا قد وقعا في يوليو/ تموز 2026 اتفاقا لإعادة تأهيل خط أنابيب "كركوك-بانياس"، وذلك خلال قمة لغرفة التجارة الأميركية في واشنطن.
وعقّب التقرير: "يعد هذا المسار بديلا بريا لمضيق هرمز، يمكنه توفير جزء من إمدادات النفط فقط، وتبلغ الطاقة الاستيعابية لخط الأنابيب ما يصل إلى 700 ألف برميل يوميا، أي نحو سُبع الكمية التي تمر عبر مضيق هرمز".
وأردف: "يجدر كذلك الإشارة إلى أن ما يسمى "العامل الكردي" يؤدي دورا مهما في إعادة تشغيل خط الأنابيب".
وأوضح مقصده: "فكركوك والمناطق المحيطة بها لا تزال موضع نزاع بين العراق "المركزي" وإقليم كردستان العراق، رغم أنها تقع تحت نفوذ الأخير، ولذلك يبدو من الصعب للغاية ضمان أمن الممر النفطي بشكل كامل من دون التوصل إلى تفاهم مع الأكراد العراقيين".
علاوة على ذلك، "لا يعتمد استقرار هذا المسار فقط على الاتفاقات مع أكراد العراق، وإنما أيضا على الوضع في الأراضي السورية التي يمر عبرها خط الأنابيب".
وفي هذا السياق، أوضحت الصحيفة أن "منطقة دير الزور تحظى باهتمام خاص، بصفتها تضم أكبر حقول النفط في البلاد، وتشكل حلقة وصل بين دمشق وبغداد، كما يمر خط أنابيب "كركوك-بانياس" عبر المناطق الصحراوية في المحافظة".
وكانت دمشق قد فرضت سيطرتها بشكل كامل على دير الزور في يناير/ كانون الثاني 2026 ، بعدما وافق أحمد الشرع على اتفاق لوقف إطلاق النار مع قوات سوريا الديمقراطية، ينص على وقف القتال في جميع الجبهات".
وتناول التقرير تاريخ نفوذ قسد في شمال شرق سوريا، قائلا: "كانت قوات سوريا الديمقراطية التي حظيت بدعم أميركي كبير، قد فرضت في عام 2017، خلال عملية واسعة ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) سيطرتها على جزء كبير من الضفة الشرقية لنهر الفرات، بما في ذلك محافظة دير الزور الغنية بالنفط والغاز".
وبحسبها، "كان الهدف الرئيس للمقاتلين الكردية هو ترسيخ سيطرتها على الموارد الاقتصادية للمنطقة من أجل توسيع نطاق حكمها الذاتي".
واستدركت: "لكن بعد تراجع الدعم الأميركي في يناير/ كانون الثاني 2026، أبرمت هذه التشكيلات اتفاقات مع الحكومة السورية للاندماج تدريجيا في مؤسسات الدولة".
ووفق تحليلها، "جاء هذا التطور نتيجة عدة عوامل في آن واحد، أولا، بدأت السلطات الجديدة استعادة السيطرة على المناطق الشمالية والشرقية، ما أدى إلى اشتباكات عنيفة بين قسد والجيش الحكومي".
وتابع: "وثانيها التهديد التركي المستمر بشن عمليات عسكرية، وثالثها ضمان حقوق المكون الكردي عبر التنسيق مع دمشق، مما دفع الكرد للانسحاب إلى شرق الفرات".
في سياق متصل، لفت التقرير إلى أن "أنقرة وبغداد وقعتا، بالتزامن تقريبا مع إبرام الاتفاق الخاص بإعادة تشغيل خط الأنابيب العراقي السوري، اتفاقا جديدا بشأن تشغيل خط أنابيب "كركوك-جيهان" لمدة عام واحد".
وأوضح أن الاتفاق "ينص على استمرار نقل النفط العراقي عبر الميناء التركي، ويعده الطرفان أساسا لمزيد من التعاون طويل الأمد في مجال الطاقة".
واستطرد: "بل إن تركيا تتطلع مستقبلا إلى زيادة كميات النفط المنقولة عبر الخط وتحويله إلى أحد الممرات الرئيسة لتصدير النفط في المنطقة".
ووفقا له، "تقدر الطاقة الاستيعابية لخط الأنابيب حاليا بنحو 750 ألف برميل من النفط يوميا".
ونوه إلى أنه "على الرغم من أن هذا المسار لا يمر عبر الأراضي السورية، فإنه يقع على مقربة مباشرة من المناطق التي تنتشر فيها القوات الكردية".
"وعند النظر إلى هذه التطورات مجتمعة، يتضح سبب اكتساب مسألة السيطرة على شمال شرق سوريا أهمية خاصة"، قالت الصحيفة.
وتابعت: "فالمناطق التي لا تزال خاضعة، بشكل أو بآخر، لنفوذ القوات الكردية تقع بالقرب من مسارات لوجستية يمكنها أن تسهم، ولو جزئيا، في سدّ الفجوة في سوق الطاقة بعد اندلاع الحرب في إيران".

منطقي تماما
ولفتت الصحيفة إلى أنه "فور ورود أنباء عن الاتفاقات التي أبرمتها تركيا وسوريا مع العراق، أفادت وسائل إعلام سورية بأن الجيش العربي السوري دخل في حالة تأهب قتالي قصوى".
وأصدرت وزارة الدفاع أوامر بفرض حالة التأهب من "الفئة ج" وإرسال وحدات إلى الحدود السورية العراقية، فيما صدرت تعليمات إلى أفراد القوات بالعودة إلى وحداتهم.
ووفقا لها، "لم تُكشف الأسباب الدقيقة وراء عملية الحشد، إلا أن بعض الخبراء يربطون هذه الخطوة من جانب دمشق بمحاولة إظهار سيطرتها على الوضع في المناطق الشمالية الشرقية المضطربة من البلاد".
في هذا الإطار، شددت الصحيفة على أن "احتكار الدولة استخدام القوة يمثل مسألة أساسية بالنسبة إلى الحكومة السورية".
وعزت ذلك قائلة: "فمن دون توحيد المؤسسة العسكرية تحت قيادة مركزية، لا يمكن الحديث عن استعادة سوريا عافيتها بشكل كامل، أو استقطاب رؤوس الأموال إليها، أو تنفيذ مشاريع البنية التحتية طويلة الأمد".
وتقدر أنه "لهذا السبب، أصبح وضع القوات الكردية أحد العوامل الرئيسة التي ستحدد شكل الدولة في المستقبل".
"وعلى الرغم من أن دمشق تتيح لقوات سوريا الديمقراطية العمل بشكل مستقل"، بحسب وصف الصحيفة إلا أن "مسألة دمجها بالكامل في مؤسسات الدولة لا تزال من أكثر القضايا تعقيدا وحساسية"، على حد تعبيرها.
من منظور عام، ذكرت الصحيفة أن "تحركات السلطات السورية تأتي في وقت تتشكل فيه ملامح واقع جديد للطاقة في الشرق الأوسط".
وبحسب وجهة نظرها، "قد يشير إبرام اتفاقات بشأن تشغيل شريانين نفطيين رئيسين بالمنطقة في الوقت نفسه إلى بدء مرحلة جديدة من التنافس على السيطرة على طرق التصدير والمناطق التي ستمر عبرها مستقبلا، التدفقات الرئيسة للطاقة في المنطقة".
ويعتقد التقرير أن "هذه المسألة تكتسب أهمية خاصة بالنسبة إلى تركيا، التي تنفذ أنقرة منذ سنوات إستراتيجية متواصلة لتحويل البلاد إلى مركز رئيس للطاقة والخدمات اللوجستية يربط بين الشرق الأوسط والقوقاز وروسيا وأوروبا".
وأضاف أنه "في إطار هذه المنظومة، لا يمثل خط أنابيب "كركوك-جيهان" مجرد مشروع تجاري لنقل النفط العراقي عبر الأراضي التركية، بل يعد في المقام الأول أداة لتعزيز النفوذ الخارجي والمكانة الاقتصادية والحضور طويل الأمد في منظومة الطاقة الإقليمية".
"ومن ثم، فإنه من المهم جدا بالنسبة إلى تركيا ضمان الاستقرار على الحدود السورية العراقية ومنع الأكراد من إفشال الاتفاقات"، وفقا له.
وقال خبير شؤون الشرق الأوسط دميتري بريجع لصحيفة "إزفيستيا": "في هذا السياق، تبدو زيادة نشاط السلطات السورية في شمال شرق البلاد أمرا منطقيا تماما، ويبدو أن دمشق تنطلق من أن نافذة الفرص المتاحة لاستعادة السيطرة على المناطق الشرقية تضيق تدريجيا.
واستطرد بريجع: "جرى تنفيذ مشاريع الطاقة والنقل الجديدة من دون مشاركة سوريا، فإن البلاد تخاطر بأن تجد نفسها نهائيا على هامش المنظومة الاقتصادية الإقليمية التي تتشكل حاليا".
من هنا، يرى الخبير أن "القيادة السورية تسعى إلى استعادة السيطرة في أسرع وقت ممكن على المناطق الغنية بالموارد الطبيعية، وإظهار قدرتها أمام الدول المجاورة على ضمان أمن الحدود، وحقول النفط، والبنية التحتية المرتقبة".
واستدركت الصحيفة: "لكن الصراع على طرق الطاقة لا يقتصر على مصالح الأطراف الإقليمية؛ إذ تنخرط فيه أيضا قوى خارجية".

اعتماد متبادل
ومن هذا المنطلق، نوَّه التقرير إلى أنه "لا يمكن إغفال الولايات المتحدة التي تتعاون رسميا مع تركيا في إطار حلف شمال الأطلسي، لكنها لا تزال، في الوقت نفسه، على خلاف معها في عدد من القضايا".
"وفي الوقت نفسه، يمثّل النفط العامل الرئيس الذي يدفع واشنطن إلى الحفاظ على علاقاتها بحكومات الدول التي يمكنها، حتى من الناحية الافتراضية، توفير مورد ذي قيمة للولايات المتحدة"، بحسب رأيه.
وعليه، يرى المحلل السياسي المتخصص في الشأن الأميركي مالك دوداكوف أن "سعي الولايات المتحدة إلى تطوير طرق برية لتصدير موارد الطاقة من دول الخليج إلى البحر المتوسط يرتبط برغبتها في تقليل الاعتماد على مضيق هرمز الخاضع لسيطرة إيران".
لكن التقرير يلفت إلى أن "تنفيذ هذه المشاريع يواجه مخاطر مرتفعة بسبب النزاعات المسلحة وأعمال التخريب المحتملة على مسارات خطوط الأنابيب، فضلا عن العلاقات المعقدة بين دول الشرق الأوسط.
ولذلك، يقدر أن "إنشاء طرق بديلة لتصدير الطاقة لا يمثل مهمة اقتصادية فحسب، وإنما يعدّ أيضا تحديا جيوسياسيا كبيرا".
في المحصلة، ترى الصحيفة أنه "استنادا إلى الاتجاه الحالي المتشكل، يُتوقع أن يشهد المستقبل القريب ملامح “نموذج الاعتماد المتبادل” الذي ستشغل فيه سوريا مركز لعبور الطاقة وعنصر من عناصر بنية أمنية جديدة للمنطقة، مع اتخاذ العديد من القرارات الرئيسية مع مراعاة مصالح تركيا".
وحول فرضية منافسة سوريا لتركيا، قالت: "في الوقت الراهن، ولأسباب موضوعية، لا تملك دمشق الاستقلالية السياسية والموارد الكافية لدخول في منافسة كاملة مع أنقرة، فبعد سنوات طويلة من الصراع، تعرضت أجزاء واسعة من البنية التحتية السورية للدمار وباتت تتطلب عمليات تحديث واسعة النطاق".
فضلا عن ذلك، إن "استعادة إنتاج النفط وتكريره وتطوير مسارات نقله عبر البلاد مستحيلة من دون استثمارات خارجية كبيرة، وتكنولوجيا، وضمانات سياسية".
ومع ذلك، لم يستبعد التقرير أن "تظهر بعض الخلافات على المدى الطويل، فمع تعزيز مؤسسات الدولة السورية، قد تسعى دمشق إلى اتباع سياسة أكثر استقلالا، وإعادة النظر في شروط الوصول إلى البنية التحتية، والمطالبة بحصة أكبر من عائدات الترانزيت ومشاريع الطاقة"، على حد تقديره.
إلا أنه عاد وأكّد أنه "حتى في هذه الحالة، من المرجَّح ألا يدور الأمر حول صراع من أجل فرض هيمنة مطلقة، وإنما حول مفاوضات على النفوذ والمسارات والاستثمارات والسيطرة على مشاريع محددة".
















