9 مواقع عسكرية.. ماذا وراء تعميق الاحتلال الإسرائيلي وجوده في سوريا؟

"تم حفر حتى الآن 80 بالمئة من خنادق تمتد من منطقة مجدل شمس شمالاً حتى منطقة المثلث الحدودي مع الأردن جنوباً"
كشفت معطيات إسرائيلية جديدة، أوردتها صحيفة "يديعوت أحرونوت" في 9 أغسطس/آذار 2026، عن انتقال جيش الاحتلال من نهج "التوغلات المؤقتة" إلى نموذج يقوم على "السيطرة الميدانية"، بما يكرّس في جنوب سوريا سياسة مشابهة لتلك المتبعة في الضفة الغربية، والقائمة على الاقتحامات المتواصلة للقرى والبلدات السورية.
وأوضح مراسل الصحيفة الإسرائيلية الذي دخل الأراضي السورية برفقة جيش الاحتلال، كيفية إعادة رسم الحدود السورية الإسرائيلية للمرة الثانية منذ تغييرها عقب احتلال الجولان عام 1967؛ إذ يجرى حاليا ضم المناطق الإضافية التي استولت عليها إسرائيل بعد انهيار حكم الأسد في ديسمبر/ كانون الأول 2024 إلى نطاق الجولان المحتل، في مؤشر على أن الأمر يتجه نحو "احتلال دائم" وبقاء طويل الأمد.
ويستند التفسير الإسرائيلي لهذه الخطوات العدوانية، رغم قبول النظام الجديد في سوريا بطرح الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن التفاوض للوصول إلى "اتفاق أمني جديد"، إلى عدم الثقة بالرئيس أحمد الشرع، فضلا عن التخوف من استعادة سوريا قوتها مجددا وتهديد أمن إسرائيل، إلى حد أن صحف الاحتلال نقلت تعبيرا مفاده: "لم نعد نسأل من هو العدو".
وبالتوازي مع ذلك، أثار تحليق مقاتلات سورية قديمة في شمال سوريا، وتحديدا في إدلب، حالة من القلق والغضب في تل أبيب، رغم أن التحليق جرى بعيدا عن جنوب البلاد والحدود مع إسرائيل.
وكانت هذه المقاتلات قد نجت من القصف الإسرائيلي الذي استهدف، في 12 ديسمبر 2024، منظومات الطيران والدفاع السورية، فيما تخشى إسرائيل من أن يشكل عودتها إلى التحليق مؤشرا على استعادة الجيش السوري قوته.
وأكدت قناة "كان" الإسرائيلية، في 10 أغسطس/ آب 2026، أن "المؤسسة العسكرية الإسرائيلية ترصد تسريعا كبيرا من جانب السوريين في إعادة بناء سلاحهم الجوي، بعد عام و8 أشهر من إعلان الجيش الإسرائيلي تدمير طائراتهم".
وأضافت أنه رغم الحديث عن اتفاق أمني مستقبلي مع "إسرائيل"، تواصل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية متابعة عودة الطائرات السورية إلى التحليق، ورصد التطورات المرتبطة بها، ومدى تأثيرها في حرية العمل الإسرائيلية داخل الأجواء السورية، لا سيما في ظل ترسخ الوجود التركي هناك ونشر منظومات للدفاع الجوي.
وفي 9 ديسمبر 2024، بالتزامن مع سقوط نظام الأسد، احتلت إسرائيل منطقة إضافية تبلغ مساحتها نحو 400 كيلومتر مربع، وألغت من جانب واحد "اتفاق فصل القوات" الموقع عام 1974.

عملية “الشرق الجديد”
العملية التي أطلقها الجيش الإسرائيلي لتعميق احتلاله في الجنوب السوري، وأُطلق عليها عملية "الشرق الجديد"، ونشرت تفاصيلها صحف الاحتلال توحي بأنه يخطط للبقاء سنين طويلة هناك.
كانت دعوة "قيادة الجبهة الشمالية" للجيش الإسرائيلي لمراسل صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية، ليجري جولة داخل الأراضي السورية المحتلة، برفقة ضابط كبير، لتعريف الجمهور الإسرائيلي بنشاطاته الاحتلالية، مؤشرا خطيرا على هذه النوايا، وكأنها رسالة للعالم أن جبل الشيخ والقنيطرة ستنضم لإسرائيل مثل الجولان.
الخطة تقوم على "الانتقال من عمليات توغل مؤقتة إلى نموذج يقوم على السيطرة الميدانية والتحرك بصورة منتظمة داخل القرى والبلدات السورية جنوب البلاد لغرض البقاء مدة طويلة قد تستغرق سنوات".
ولأجل هذا كشف جيش الاحتلال أنه يعمل منذ نحو عامين على مشروع هندسي أطلق عليه اسم "شرق جديد"، يهدف إلى إنشاء منظومة تحصينات على امتداد المنطقة الحدودية جنوب سوريا.
وقد أقيمت 9 مواقع عسكرية، كل منها يعادل مساحة قاعدة عسكرية لسرية جيش، والهدف منها المراقبة والإشراف، وكذلك تستخدم نقطة انطلاق لعمليات اجتياح تجري على مدار الساعة في جميع القرى والبلدات وفي المناطق المفتوحة.
ووفق التقرير، فقد أنجز الجيش الإسرائيلي حتى الآن نحو 80 بالمئة من أعمال حفر خنادق تمتد من منطقة مجدل شمس شمالاً حتى منطقة المثلث الحدودي مع الأردن جنوباً.
والهدف المُعلن هو "منع أي مليشيات من تنفيذ هجوم على المستوطنات الإسرائيلية شبيه بهجوم حماس في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023"، وفق الصحيفة.
وتقول مصادر إسرائيلية وسورية: إنه يُعتقد أن هذه الخطة لها صلة بالقلق من ظهور مجموعات "مقاومة شعبية"، ربما تدعمها السلطات، قد تقوم بعمليات على غرار ما يجرى في الضفة الغربية ودولة الاحتلال.
ففي يوم 11 فبراير/شباط 2026 أُعلن في جنوب سوريا عن ظهور تشكيل مسلح جديد تحت اسم "حركة ردع الاحتلال"، يُشار إليه أيضا باسم "حركة مقاومة الاحتلال"، مع تعهد صريح بتحرير مرتفعات الجولان ومواجهة الوجود العسكري الإسرائيلي في جنوب سوريا.
ويوم 5 يوليو/تموز 2026، تم الإعلان عن فرع لـ "حركة ردع الاحتلال" في درعا جنوبي سوريا بهدف التصدي للجيش الإسرائيلي الذي احتل مناطق بعد انهيار حكم بشار الأسد، ودعت الحركة "جميع الشباب السوري" للالتحاق بها.
ووفق تقارير سورية، تضم الحركة مجموعات مُسلحة من بقايا الثورة السورية، وتطالب، بحسب مقاطع فيديو بثتها، بإلحاق الضرر بقوات الاحتلال الإسرائيلي في الجولان وإجبارهم على الانسحاب من الأراضي التي احتلوها في الجنوب عقب انتهاء حكم الأسد.
وتزامن ذلك مع بدء أعمال إطلاق نار محدودة على جنود الاحتلال ووضع أحجار ضخمة على الطرق لمنع مرور مدرعات الاحتلال وتوغلها في المدن السورية، يُتوقع أن تتطور وتزداد.
وفي أواخر يونيو/حزيران 2026، نفذت قوات إسرائيلية عملية توغل وتفتيش في منطقة عابدين غرب محافظة درعا، فتعرض الجنود للرشق بالحجارة، وخلال انسحاب القوات، أطلق مجهولون النار لاحقاً باتجاه قوة الاحتلال، فهرب الجنود وترك أحدهم خلفه جهازا عسكريا.
وقال الجيش الإسرائيلي: إن قواته ردت بإطلاق النار وإنها استخدمت قذائف الهاون، كما نفذت مروحية قتالية إسرائيلية غارة على المنطقة.
وبحسب خطة "شرق جديد" الإسرائيلية في جنوب سوريا، حُفرت خنادق بعرض وعمق نحو 4 أمتار، وأُقيمت سواتر ترابية على طولها بارتفاع أمتار عدة، تقام عليها مواقع مراقبة كثيرة مزودة بآليات دفاع متطورة، بينها مدافع وآليات مسيرة.
وتنفذ هذه العمليات قوات تابعة لـ "لواء الجولان 474" الذي يعمل فيما تسميه إسرائيل “الحزام الأمني” الذي يمتد على طول المرتفعات السورية من جبل الشيخ حتى حدود الأردن، بعرض يتراوح بين 5 كيلومترات و12 كيلومتراً.
ويقول ضباط الجيش الإسرائيلي: إنهم يتعاملون مع المنطقة "وفق عقلية أمنية جديدة تُبقي المعركة مع العدو في أرضه، ولا يهم ما الجهة التي تعدّ عدواً بصورة مسبقة، سواء أكان (حزب الله) أم الجيش السوري أو مجموعات مسلحة أخرى".
ونقلت "يديعوت احرونوت" عن أحد الضباط قوله: "لم نعد نحدد الرد الدفاعي وفق من هو العدو الموجود أمامنا، بل ما قدراته وما الذي يستطيع فعله".
وكشف عن أن "الجيش يشتبه في كل سوري على أنه عدو مُسلح" حتى لو كان مدنيا أو راعي أغنام، رغم اعترافه بأن المنطقة تضم قرى فقيرة وعائلات مدنية تعيش من تربية عدد محدود من الأغنام والدواجن، وبأن القوات الإسرائيلية تتحرك بين منازل هذه القرى بصورة اعتيادية.

9 مواقع عسكرية
ويقول محللون: إن خطورة هذا الكشف الإسرائيلي عن "خطة شرق جديد" أن التحركات الإسرائيلية لا تقتصر على المنطقة المحاذية لخط وقف إطلاق النار؛ حيث يحتفظ لواء الجولان 474 حاليا بشريط عسكري داخل الأراضي السورية يضم نحو تسعة مواقع كل منها يعادل مساحة قاعدة عسكرية لسرية جيش.
و"السرية" هي وحدة عسكرية تتكون عادة من 3 إلى 5 فصائل، ويبلغ عدد أفرادها بين 60 إلى 200 مقاتل، ويقودها ضابط، وتعد جزءا أساسيا ضمن الهيكل التنظيمي للكتيبة العسكرية في الجيوش البرية..
وأهم دلالة ليست في عدد القواعد التي أقامها الاحتلال وحدها، وإنما في توزيعها الجغرافي.
فالمواقع الإسرائيلية تمتد من منطقة جبل الشيخ شمالاً باتجاه القنيطرة وجنوباً نحو مناطق قريبة من حوض اليرموك، ما يمنح الجيش الإسرائيلي نقاط ارتكاز للمراقبة والحركة والتدخل والإطلال على دمشق العاصمة نفسها.
وهذا يغير وظيفة المنطقة التي أنشأها اتفاق 1974، فالترتيب الأصلي نص على فصل القوات الإسرائيلية والسورية، وإنشاء منطقة عازلة تشرف عليها الأمم المتحدة، مع بقاء الأراضي الواقعة شرق خط الفصل تحت الإدارة السورية، لكن تل أبيب باتت تسيطر عليها الآن.
ومن هذه القواعد الثابتة للجيش الإسرائيلي ينفذ عمليات توغل مستمرة ومتواصلة داخل بلدات وقرى سورية، بينها قرى تقع في محيط درعا والقنيطرة.
وتتخللها إقامة حواجز عسكرية وتفتيش المارة والمنازل واعتقال مدنيين، وسط تأكيدات حقوقية أن 60 سوريا يقبعون في سجون الاحتلال، تم إطلاق 5 منهم على مراحل.
وفي فبراير/ شباط 2026، أكد المرصد السوري لحقوق الإنسان أنه رصد أن عدد المواقع والقواعد ونقاط المراقبة التي أنشأتها القوات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية منذ أواخر 2024 وصل، وفق مصادره، إلى 15 موقعاً.

العدوان بدل الاتفاق
منذ انهيار نظام الأسد، وإدارة ترامب، وتيارات ومعاهد أبحاث إسرائيلية تنصح حكومة تل أبيب بعدم اللجوء لأسلوب العدوان والسعي لإبرام اتفاقيات أمنية واقتصادية مع دمشق، بصفتها فرصة إستراتيجية.
لكن تقديرات يمينية وعسكرية إسرائيلية أخرى ظلت تُحذر من هوية الحكم الجديد في سوريا وأنه "إسلامي جهادي"، كما يظهر في ترتيبات المناصب العسكرية الجديدة للجيش السوري، وأنه يتبع سياسة التهدئة لبناء قوته ثم التصعيد مع إسرائيل.
تحليل سابق لمعهد الأمن القومي الإسرائيلي، 8 مايو 2026، دعا حكومة الاحتلال اغتنام ما أسماه "الفرصة الإستراتيجية" في سوريا عقب انهيار نظام بشار الأسد، والتركيز على التطبيع بدل التعامل العسكري.
قال: إنه "ينبغي لإسرائيل اغتنام الفرصة للمضي قدماً في عملية تطبيع العلاقات مع سوريا، بدءاً باتفاقيات الأمن والتعاون".
ورأى أن "من شأن هذا التطبيع أن يسهم في الحد من خطر عودة الجماعات الإسلامية المتطرفة، وإضعاف نفوذ إيران في المنطقة، وتعزيز الاستقرار الإقليمي".
وكرر تحليل حديث في 5 يوليو 2026، لنفس المعهد الإسرائيلي، الحديث عن ضرورة "كسر الجمود الإستراتيجي"، داعيا إلى تجديد وتسريع المفاوضات الأمنية مع النظام السوري الجديد.
بحسب معهد الأمن القومي الإسرائيلي "من شأن تحقيق اختراق في هذا المسار أن يخدم أربعة مصالح إسرائيلية وإقليمية بالغة الأهمية"، هي:
أولا، التوافق مع الرؤية الإستراتيجية للرئيس ترامب: حيث تنسجم هذه الخطوة بشكل مباشر مع تطلعات ترامب لتوسيع اتفاقيات أبراهام ودمج سوريا فيها.
حيث تنظر إدارة ترامب إلى إعادة دمج سوريا في "المجال العربي المعتدل" كأداة رئيسة لإضعاف إيران، ويمكن لإسرائيل أن تلعب دور المحرك العملياتي والأمني الذي يدعم هذا الجهد الدبلوماسي الأوسع، وفق المعهد الإسرائيلي.
وسبق ان أعلنت دمشق أنها تريد التوصل إلى اتفاق أمني مع إسرائيل، وقال الرئيس أحمد الشرع، في يوليو/تموز 2026: إن "سوريا تسعى إلى اتفاق يمكن أن يمهد لاحقاً إلى سلام شامل، مع التأكيد على عدم التخلي عن المطالبة بالجولان".
ثانيا، احتواء النفوذ التركي وردعه: إذ تُشكل سوريا ساحة محورية لطموحات أنقرة في الهيمنة، ومن شأن تسريع الحوار الإسرائيلي الأمني مع دمشق، بدعم من دول الخليج، أن يُضعف النفوذ التركي في سوريا وعموم منطقة الشرق الأوسط.
والمصلحة الإسرائيلية (الثالثة) من تجديد المفاوضات الأمنية مع سوريا، هي تحقيق الاستقرار ومنع الترسخ الإيراني؛ إذ إن توفير "ممر خروج" للنظام السوري من المحور الإيراني، عبر حوافز اقتصادية وضمانات أمنية، من شأنه أن يمكنه من تقييد حرية عمليات الحرس الثوري الإسلامي وحزب الله على أراضيه.
"كما أن إضعاف موطئ قدم الإرهابيين في سوريا من شأنه أن يخلق منطقة عازلة مادية مستمرة، مما يعطل خطوط الإمداد الإيرانية إلى بيروت"، وفق معهد الأمن القومي الإسرائيلي.
والمصلحة (الرابعة) لإسرائيل هي تقليص الانتشار العسكري وتوفير الموارد: فالواقع الأمني الراهن يُلزم الجيش الإسرائيلي بالإبقاء على قوات كبيرة ودائمة في مرتفعات الجولان وعلى طول الجبهة الشمالية.
وأي ترتيب أمني مؤقت أو محدود مع نظام ذي سيادة في دمشق من شأنه أن يُسهم في تحقيق استقرار طويل الأمد، مع السماح في الوقت نفسه بتقليص الانتشار العسكري بشكل ضروري.
وهذا بالإضافة إلى "تحسين مكانة إسرائيل الدولية"، فتسريع المفاوضات مع سوريا، والانسحاب إلى طول خطوط فض الاشتباك قبل الحرب (اتفاق 1974)، من شأنه أن يعزز صورة إسرائيل كدولة ليس لها مطامع إقليمية.
لكن على الأرض، تقوم حكومة وجيش الاحتلال بالعكس، عبر ترسيخ وجودها في قرابة 400 كم استولت عليها عقب سقوط نظام الأسد واضافتها لما تحتله في الجولان وما حولها، ضمن السياسة العسكرية القائمة على استغلال احتلال أرضٍ سورية كورقة تفاوضية ضد دمشق، وخلق "أمر واقع" قبل أي اتفاق جديد.
وزاد من اللجوء لهذه السياسة غلبة التصور الإسرائيلي الأمني للتيار اليميني اليهودي المتطرف الحاكم الذي يري أن النظام السوري الحالي أخطر من نظام الأسد؛ لأنه نظام عقيدي سني، وسوف يشكل تهديد لإسرائيل لو استقر.

القلق من "إسلامية" النظام
وتوجد أدلة قوية على أن القلق الإسرائيلي من الخلفية الإسلامية للسلطة السورية الجديدة كان أحد العوامل الأساسية في صياغة سياسة إسرائيل تجاه دمشق، بتقدير أن النظام الحالي أخطر من نظام الأسد لأنه نظام عقيدي سني، كما تصفه أوساط اليمين وأجهزة الاستخبارات الإسرائيلية.
بحسب هذه التقديرات الإسرائيلية، تخلصت تل أبيب بسقوط بشار الأسد من نظام ارتبط بإيران وحزب الله وروسيا، لكنها في الوقت نفسه فوجئت بأنها أمام قوة إسلامية، هي هيئة تحرير الشام، بزعامة أحمد الشرع، الذي كان له ماضٍ مرتبط بتنظيم القاعدة.
خسرت نظاما كانت تعرف طريقة التعامل معه، لكنها أصبحت أمام سلطة جديدة لا تزال هويتها الاستراتيجية غير واضحة، وهو ما يفسر رد فعلها الأول بالعداء للنظام وقصف سوريا الجديدة، وهو ما تشير له دراسة معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، يوم 8 مايو 2025.
وتشير التقارير الإسرائيلية إلى أن سبب خشية إسرائيل من "إسلامية" النظام السوري الجديد هي، الخلفية المسلحة للسلطة الجديدة، ممثلة في هيئة تحرير الشام والرئيس الشرع.
فرغم أنه قطع علاقته بالقاعدة عام 2016، وأعاد تشكيل مشروعه السياسي والعسكري، ثم انتقل إلى خطاب أكثر براغماتية، إلا أن هذه الخلفية ظلت حاضرة في الحسابات الإسرائيلية.
وفي مقابلة تلفزيونية مع قناة الجزيرة، 26 يوليو/تموز 2026 أعلن الرئيس السوري أحمد الشرع أن سوريا تعمل فعليا على التوصل إلى اتفاق أمني مع إسرائيل بوساطة دولية.
وقال: إن دمشق تريد أن يكون الاتفاق مدخلاً إلى سلام شامل، مع تأكيده أن ذلك لن يعني التخلي عن المطالبة بالجولان.
وأضاف أن سوريا تتجنب الصدام مع إسرائيل؛ لأنه لا يخدم مصالحها، مشيراً إلى أن مستقبل العلاقة معها مرتبط بحسن تنفيذ كل مرحلة من مراحل أي اتفاق.
وأوضح أن نجاح الاتفاق الأمني المحتمل مع إسرائيل قد يمهد الطريق نحو سلام شامل، من دون التفريط بحق سوريا في استعادة الجولان.
ويشير "معهد أبحاث الإرهاب والاستخبارات الإسرائيلي" (ألما) في تقرير نشره 13 نوفمبر 2025، إلى أن سقوط الأسد وصعود حكومة الشرع غيرا خريطة الإرهاب السلفي في سوريا، وأن عناصر من التنظيمات المسلحة السابقة دخلوا في مؤسسات الدولة الأمنية الجديدة.
ولا تقتصر المشكلة الإسرائيلية فيما يفعله الشرع اليوم، وإنما فيما يمكن أن تصبح عليه سوريا إذا نجح في تثبيت سلطته، والخوف من استقرار نظام إسلامي معادٍ لإسرائيل، وهذا هو جوهر التفكير الأمني الإسرائيلي.
يرون أن نظاما سوريا مركزيا مستقرا يمتلك جيشاً موحداً، ويسيطر على كامل الأراضي السورية، ويستند إلى قاعدة إسلامية سنية، قد يكون على المدى البعيد أكثر قدرة على تهديد إسرائيل من سوريا المفككة.
بمعنى آخر، ضعف سوريا قد يكون مكسباً أمنياً قصير الأجل لإسرائيل، بينما استقرار سوريا الإسلامية قد يتحول إلى مشكلة إستراتيجية طويلة الأجل، وفق صقور اليمين والاستخبارات الإسرائيلية.
ولهذا ركزت السياسة الإسرائيلية بعد سقوط الأسد على منع إعادة بناء قدرة عسكرية سورية مركزية في الجنوب، وليس فقط على مواجهة إيران وحزب الله، وأصبح هذا القلق أصبح أكثر حدة مع حكومة بنيامين نتنياهو اليمينية، والوزراء والتيارات التي تنظر إلى الإسلام السياسي بصفته تهديداً وجودياً لا مجرد خصم سياسي.

جيش “الجهاديين”
ما يقلق الاحتلال أكثر أن الجيش السوري الجديد هو جيش من “الجهاديين”، كما يصفه معهد "ألما" الإسرائيلي للأبحاث الأمنية والاستخبارية، القريب من المؤسسة العسكرية، في تقرير نشره يوم 12 يوليو 2026.
قال: إن السلطات السورية تمضي في إعادة هيكلة شاملة للجيش السوري الجديد عبر استبدال النظام القائم على "الفرق" العسكرية بهيكل يتألف من خمسة "فيالق" (قيادات إقليمية)، بقيادة شخصيات ذات خلفيات “جهادية”.
وشرح المعهد الإسرائيلي، أن أربعة من قادة الفيالق الخمسة شغلوا سابقاً مناصب قيادية في هيئة تحرير الشام التي انبثقت عن جبهة النصرة.
وكان نفس المعهد (ألما) أشار في تقرير نشره 13 نوفمبر 2025، إلى أن أربعة من أصل ستة قادة كبار في هيئة الأركان العامة للجيش السوري الجديد لديهم خلفيات “جهادية”.
وأن من بين قادة الفرق الـ 21، يأتي 13 منهم من خلفيات “جهادية” مماثلة، وفق المعهد الإسرائيلي الذي لا يستبعد أن ينقلب “الجهاديون” ضد الشرع لو حاد ببراغماتيته الحالية عن الخط الإسلامي.
وهو نفس ما أقلقهم حين حلقت طائرات حربية سورية من نوع سوخوي 22-M4 وميغ 23 في الشمال السوري، يوم 10 أغسطس 2026، لأول مرة منذ انهيار حكم عائلة الأسد، وتدمير جيش الاحتلال الإسرائيل للبنية التحتية العسكرية، ومنها طائرات ومطارات لإضعاف النظام الجديد بقيادة أحمد الشرع.
أزعج هذا المؤسسة العسكرية الإسرائيلية وقالت: إنها "رصدت تسارعاً في إعادة تأهيل القوات الجوية السورية، بالتزامن مع تجنيد طيارين جدد وإجراء تدريبات جوية باستخدام طائرات تدريب ومروحيات ومقاتلات"، بحسب هيئة البث الإسرائيلية الرسمية «كان».
وذكرت الهيئة أن التقديرات الإسرائيلية تشير إلى أن سوريا تعمل بوتيرة متسارعة لاستعادة قدراتها الجوية، بعد نحو عام وثمانية أشهر من سقوط نظام بشار الأسد، والضربات الإسرائيلية الواسعة التي استهدفت حينها قواعد ومطارات وطائرات عسكرية سورية.
وتُعد عودة الطائرات إلى الأجواء، مؤشر أن سلاح الجو لم يختفِ بالكامل، وأن بعض الطائرات بقيت خارج نطاق الضربات الإسرائيلية أو أمكن إعادة تأهيلها، ويعتقد أن سوريا تمتلك من 10 الى 25 طائرة من سوخوي صالحة للخدمة، بحسب مصادر سورية.
ووفق تقديرات إسرائيلية نشرتها وسائل إعلام إسرائيلية، أدى العدوان الذي أعقب سقوط الأسد، إلى تدمير نحو 40 بالمئة من سلاح الجو السوري، وأسراب من طائرات سو-22 وسو-24، و85 بالمئة من منظومة الدفاع الجوي، و90 بالمئة من الصواريخ المضادة للطائرات.
وفي مارس/آذار 2025، وصف وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر القيادة السورية الجديدة بأنها مجموعة “جهاديين” غير منتخبة، وربط موقف إسرائيل بضرورة حماية الدروز والأقليات السورية. كما أعلن نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس الاستعداد للتحرك لحماية الدروز جنوب دمشق.
وفي 14 يوليو 2026، أبلغ نتنياهو، ترامب أن الجيش الإسرائيلي لن ينسحب من المنطقة العازلة في سوريا طالما بقي التهديد من "الجماعات الجهادية" قائماً هناك، بحسب موقع "أكسيوس".
ويفسر الاحتلال إقامته مواقع عسكرية دائمة داخل المنطقة العازلة ومحيطها، والتقدم إلى مواقع إستراتيجية في جبل الشيخ، بهذه الأسباب عن "إسلامية" الجيش وسعيه لإعادة هيكلته مجددا واستعادة قوته ما يهدد إسرائيل مستقبلا.
وأيضا استعمال إسرائيل ملف الأقليات بصفته مدخلا أمنياً وسياسياً لتقييد سلطة دمشق في الجنوب.
وقد وثقت صحيفة "واشنطن بوست"، في 23 ديسمبر 2025، كيف نفذت إسرائيل عمليات سرية لدعم مليشيات درزية سورية، في محاولة لإضعاف قدرة الشرع على إحكام السيطرة على البلاد.
المصادر
- ‘We no longer ask who the enemy is’: how Israel is reshaping the Syria frontier
- Beyond the Brink: Israel’s Strategic Opportunity in Syria
- Time to Break the Strategic Limbo: Israel’s Core Challenge
- The Syrian Army Reorganization: Five Regional Corps, the Same Jihadist Command Structure
- Scoop: Trump tells Netanyahu to move forces out of Syria and Lebanon















