تكرار اعتقال موريتانيين في مالي يضع حكومة الغزواني أمام غضب شعبي.. ما القصة؟

عالي عبداتي | منذ يوم واحد

12

طباعة

مشاركة

يعيش الشارع الموريتاني حالة من الغضب بسبب تنامي حالات اعتقال مواطنين موريتانيين بمالي، وسط دعوات لحزم رسمي أكثر قوة مع باماكو حفاظا على سلامة المواطنين.

وتجدد النقاش المجتمعي بموريتانيا في هذا الملف مطلع أغسطس/آب 2026 بمناسبة نشر منصات إعلامية محلية لصور مواطنين تم توقيفهم في مالي، وتقديمهم من لدن الجيش هناك بصفتهم "إرهابيين" حاولوا التسلل إلى مدينة كاتي القريبة من العاصمة المالية.

تحركات دبلوماسية

ولم يصدر الجيش المالي أي بيان رسمي يوضح ملابسات الواقعة أو التهم الموجهة إلى المحتجزين، أو يقدم أدلة على صلتهم بأي جماعات مسلحة، مما زاد من حنق الشارع الموريتاني.

وتأتي هذه الواقعة في سياق حوادث متكررة نالت موريتانيين داخل الأراضي المالية؛ حيث سبق أن أوقفت القوات المالية في أبريل/نيسان 2026 ستة موريتانيين خلال حملات أمنية أعقبت هجمات واسعة، كما أدانت نواكشوط في مارس/آذار 2026 مقتل اثنين من مواطنيها، ووصفت تلك الحوادث بأنها "متكررة".

وكانت موريتانيا قد دعت مواطنيها، خاصة الرعاة، إلى تجنب دخول المناطق غير الآمنة داخل مالي، مع تفعيل لجان يقظة على الحدود، في ظل تصاعد العمليات العسكرية التي ينفذها الجيش المالي وحلفاؤه ضد الجماعات المسلحة، وما يصاحبها من تقارير عن انتهاكات بحق مدنيين.

تفاعلا مع الحدث، قالت وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والموريتانيين في الخارج: إنها باشرت بالتنسيق مع وزارة الدفاع وشؤون المتقاعدين وأولاد الشهداء والأجهزة الأمنية، اتصالات مع السلطات المالية بشأن توقيف مجموعة من المواطنين داخل الأراضي المالية.

وأكدت الوزارة من خلال بيان في 4 أغسطس، أن هذه التحركات تأتي بتعليمات من الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، بهدف الوقوف على ملابسات القضية والعمل على تأمين الإفراج عن المعنيين وضمان عودتهم سالمين إلى أرض الوطن في أقرب الآجال.

وأضافت الخارجية أن مختلف القطاعات المعنية تتابع الملف بشكل مباشر، وتنسق مع السلطات المالية كل في مجال اختصاصه، بما يضمن أمن ومصالح المواطنين الموريتانيين ومعالجة الموضوع في أسرع وقت ممكن.

ولم تكشف الوزارة عن عدد الموقوفين أو تفاصيل إضافية حول ظروف توقيفهم.

صور بشعة

في السياق، طالب ذوو مواطنين موريتانيين احتجزهم الجيش المالي خلال مرورهم من الأراضي المالية قادمين من كوت ديفوار باتجاه موريتانيا السلطات الرسمية بتدخل لضمان سلامتهم وإطلاق سراحهم بشكل فوري.

وقال ذوو المواطنين في أحاديث متفرقة لوكالة الأخبار المستقلة المحلية في 4 أغسطس، إن إخوتهم وأبناءهم وصلوا إلى العاصمة باماكو في طريقهم إلى موريتانيا، وغادروها اليوم قبل أن يقتادهم الجيش المالي إلى وجهة مجهولة، ودون أي سبب لاعتقالهم.

وطالبوا السلطات بتدخل عاجل وفوري لدى مالي لضمان الإفراج عن المواطنين الموريتانيين، وإعادتهم إلى البلاد، وضمان سلامتهم الجسدية.

وقال سيدي ولد حدمين: إن المعتقلين كانوا يمارسون التجارة في مدينة بواكى الإيفوارية، وغادروها في طريقهم إلى موريتانيا حيث وصلوا إلى باماكو، قبل أن يتفاجأ الأهالي بصورهم في مواقع التواصل الاجتماعي باعتقالهم من طرف الجيش المالي.

وناشد ولد حدمين الرئيس ولد الغزواني، وكل المسؤولين بالتدخل لضمان سلامتهم، وإطلاق سراحهم، مؤكدا انعدام أي مبرر لتوقيفهم.

فيما قالت محجوبة بنت البشير إنهم يودون إبلاغ الجهات الرسمية بأن أبناءهم كانوا في باماكو، ولا يوجد أي مبرر لاعتقالهم أو توقيفهم، مؤكدة أنهم يجهلون أين يوجدون، ويناشدون السلطات بالتدخل لإطلاق سراحهم.

على المستوى الحزبي، عبر "حزب تكتل القوى الديمقراطية" عن استغرابه من تكرر استهداف المواطنين الموريتانيين داخل الأراضي المالية، مطالبا السلطات بالتحرك واتخاذ إجراءات تمنع تكرار تلك المظاهر.

وقال الحزب في بيان 5 أغسطس، إنه يطالع بين الحين والآخر صورا وصفها بأنها "بشعة ومهينة للكرامة"، تعود لمواطنين موريتانيين داخل الأراضي المالية، آملا أن تكون الصور المتداولة أخيرا آخر تلك المشاهد.

وشدد على مطالبته السلطات المالية بحماية المواطنين الموريتانيين على الأراضي المالية، وكشف حقيقة ما حدث أخيرا وإطلاق سراح المعتقلين.

ودعا الحزب السلطات الموريتانية إلى الوقوف على "حقيقة ما حدث واتخاذ إجراءات لمنع تكراره بما في ذلك التنسيق المستمر مع مختلف السلطات، حفاظا على سلامة وكرامة المواطنين بتلك المناطق، سواء من يسكن على الحدود أو من يهم بالعودة من بلد آخر إلى الوطن".

وطالب المواطنين بتجنب أماكن الصراع في كل مكان حفاظا على سلامتهم، والبحث عن طرق آمنة سواء عند مغادرة الوطن أو العودة إليه، مؤكدا وقوفه إلى جانبهم وجاهزيته لمساعدتهم في كل الظروف.

وأوضح البيان أن الحزب يتابع منذ فترة ما يجري في مالي وما تمر به من ظروف أمنية صعبة، مقدرا أن المساس بأمنها أو أمن أي من دول الجوار يستهدف أمن موريتانيا، ومؤكدا في الوقت ذاته رفضه أي خطاب أو تصرف قد يضر بالعلاقات بين موريتانيا ومالي.

قراءة أكاديمية

على المستوى الأكاديمي، قال رئيس مركز "ديلول" للدراسات الإستراتيجية، أحمدو ولد امبارك: إن 21 مواطنا موريتانيا ما زالوا رهن الاعتقال في مالي، نافيا ما تردد عن إطلاق سراح جميع الموقوفين، ومؤكدا أن الاتصالات الدبلوماسية ما تزال جارية للإفراج عنهم.

وأوضح ولد امبارك وفق ما نشر موقع "تقدمي" في 6 أغسطس، أن 17 موريتانيا أُفرج عنهم بالفعل، فيما ما يزال 21 آخرون قيد الاحتجاز، مشيرا إلى أن القائم بالأعمال في السفارة الموريتانية لدى باماكو يواصل التفاوض مع السلطات المالية بشأن إطلاق سراحهم.

وأضاف أن المجموعة التي ما تزال محتجزة تعرض أفرادها، بحسب ما ظهر في تسجيلات مصورة، للتقييد وتعصيب الأعين، وهو ما عده مؤشرا على أن ملفهم أكثر تعقيدا.

وقال: إن الموقوفين لم يتم اعتقالهم في مناطق قتال أو أثناء مشاركتهم في أنشطة مسلحة، وإنما دخلوا الأراضي المالية عبر معبر حدودي رسمي بعد استكمال الإجراءات ودفع الرسوم المفروضة عليهم، قبل أن تتعطل مركباتهم داخل الأراضي المالية، حيث أوقفتهم دورية عسكرية على بعد نحو 150 كيلومترا من الحدود الموريتانية.

وأضاف أن سكان ولايتي الحوض الشرقي والحوض الغربي تربطهم منذ عقود علاقات تجارية واقتصادية مع مالي ودول الجوار، مقدرا أن حركة المواطنين عبر الحدود تمثل جزءا من النشاط الاقتصادي التقليدي، وهو ما يجعل الدعوات إلى الامتناع عن السفر إلى مالي غير واقعية في ظل غياب بدائل اقتصادية.

وأكد ولد امبارك أن الدولة تتحمل مسؤولية حماية مواطنيها داخل البلاد وخارجها، داعيا إلى تحرك دبلوماسي أكثر فاعلية للدفاع عن الموريتانيين المعتقلين أو المتضررين في الخارج.

وقال: إن تعامل الدول مع مواطنيها في مثل هذه الحالات يعكس مكانتها الدولية، مشيرا إلى أن العديد من الدول تبادر إلى تحركات سياسية ودبلوماسية واسعة عندما يتعرض أحد رعاياها للخطر.

وأضاف أن مركز "ديلول" وثق وفق بياناته مقتل نحو 120 موريتانيا داخل مالي منذ تسعينيات القرن الماضي، وأنه يعمل على استكمال قاعدة بيانات بأسماء الضحايا والجهات التي يشتبه في مسؤوليتها عن تلك الحوادث، تمهيدا لإعداد ملفات يمكن الاستناد إليها في مخاطبة الهيئات الدولية والمطالبة بالمساءلة.

ودعا رئيس المركز إلى توثيق جميع الانتهاكات التي تعرض لها الموريتانيون في مالي، بما في ذلك حالات القتل والاعتقال وإتلاف الممتلكات، تمهيدا لإثارة هذه الملفات أمام السلطات المالية مستقبلا، وكذلك أمام الآليات القضائية والحقوقية الدولية، مؤكدا أن تغير الحكومات لا يسقط حقوق الضحايا.

وأشار إلى أن الاتفاقيات الدولية، بما فيها اتفاقيات جنيف، تكفل للدول واجب حماية رعاياها عبر بعثاتها الدبلوماسية والقنصلية، داعيا إلى تعزيز دور البعثات الموريتانية في متابعة أوضاع المواطنين في الخارج، لا سيما في مناطق النزاعات.

كما رأى أن الدعوات الرسمية لوقف تنقل الموريتانيين إلى مالي لا تراعي الواقع الاقتصادي والاجتماعي لسكان المناطق الحدودية، موضحا أن آلاف المربين يعتمدون سنويا على المراعي داخل الأراضي المالية، وأن وقف هذا النشاط دون توفير بدائل عملية سيؤدي إلى تداعيات اقتصادية كبيرة على المجتمعات المحلية.

عصية على الضبط

في السياق، عبر الناشط والكاتب الصحفي المصطفى محمدن لولي، عن أسفه الشديد لتكرر التجاوز في حق موريتانيين داخل الأراضي المالية أو على الحدود.

وذكر لولي لـ"الاستقلال" أن سبب هذا التكرار يعود إلى أن الروابط بين الشعبين، بكونها عصية على الضبط التام.

وأشار إلى أن مالي تعد معبرا أساسيا لآلاف المواطنين العائدين من دول إفريقيا، كما أن هناك جالية موريتانية كبيرة مقيمة في مالي منذ عقود، وهناك آلاف الرعاة الذين ينتجعون صيفا وشتاء عبر الحدود بحثا عن الماء والكلأ، وكل هذا يزيد من إمكانية وقوع بعض الأخطار.

وذكر لولي أن مسألة الحدود بين البلدين تزيد الطين بلة، إذ الحدود بين موريتانيا ومالي غير مضبوطة في كثير من المناطق، وهناك قرى موريتانية تقع داخل الأراضي المالية والعكس صحيح.

وفي ظل هذا الواقع المعقد، يضيف الناشط الموريتاني، دعت السلطات مرارا مواطنيها لتوخي الحذر وتجنب الدخول إلى مالي إلا للضرورة.

واستدرك: “لكن، ورغم ذلك، ما تزال تصلنا أخبار عن تجاوزات منسوبة لجيش مالي ضد مدنيين موريتانيين، الأمر الذي يطرح سؤالا كبيرا: كيف يمكن حماية مواطنينا في منطقة لا تسيطر عليها الدولة المالية سيطرة كاملة، أو على الأقل لا تستطيع حماية مقيمين أو عابرين من تجاوزات بعض جنودها؟”

وشدد لولي على أن “هذا السؤال يشكل التحدي الحقيقي القائم، ويتطلب تعاملا حازما من الحكومة الموريتانية، وتنسيقا أمنيا أوضح مع باماكو، بما يضمن سلامة وأمان الموريتانيين تجاه الأخطار القائمة في المنطقة”.