مطارات العراق في مرمى الصراع.. واشنطن تضغط وطهران ترفض وبغداد تناور

يوسف العلي | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

أثار قرار السلطات العراقية في 24 سبتمبر/ أيلول 2026 غلق مطارات البلاد أمام الرحلات الجوية الإيرانية توترًا سياسيًا مع طهران، بعدما انتقل الاعتراض من الأوساط الإيرانية إلى قوى سياسية ومليشيات عراقية ترتبط بعلاقات وثيقة مع إيران.

ولم تعد القضية تبدو مرتبطة بإجراءات الطيران وحدها؛ إذ أخذت تتقاطع مع ملفات السيادة العراقية والعلاقات مع الولايات المتحدة وطبيعة العلاقة مع طهران، فضلًا عن قدرة حكومة علي الزيدي على تنفيذ قراراتها في مواجهة قوى سياسية ومسلحة تعارضها.

وجاءت أبرز الانتقادات من مستشار المرشد الإيراني للشؤون الدولية علي أكبر ولايتي، الذي هاجم، عبر تدوينة على منصة «إكس» في 25 سبتمبر/ أيلول، إغلاق عدد من المطارات العراقية، بينها مطار النجف، أمام الرحلات الإيرانية، مقدرا أن الإجراء يستهدف ما وصفه بـ«وحدة الساحات».

ووجه ولايتي رسالة مباشرة إلى رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، قائلًا: إن «الشرعية لا تأتي من واشنطن، بل من أرض النجف ودماء الشهداء».

وفي المقابل، رفضت مليشيات عراقية القرار، بينها «كتائب حزب الله» و«حركة النجباء»، وكذلك «كتائب سيد الشهداء» و«منظمة بدر».

ضغط إيراني

تكشف ردود الفعل الإيرانية والعراقية القريبة من نظام ولاية الفقيه أن قرار غلق المطارات لم يعد مجرد إجراء تنظيمي يخص حركة الطيران، بل تحول إلى اختبار للعلاقة بين بغداد وطهران.

وتبرز حساسية القرار بصورة أكبر فيما يتعلق بمطار النجف الذي يمثل بوابة رئيسة لحركة الزائرين الإيرانيين إلى العراق، ويتمتع بأهمية دينية واقتصادية، الأمر الذي جعل أي قيود على الرحلات الإيرانية قابلة للتوظيف سياسيًا من جانب القوى الرافضة لها.

وفي هذا السياق، ربطت طهران القرار بمفهوم «وحدة الساحات»، فيما دخلت قوى عراقية على خط المواجهة السياسية.

فقد رفضت «كتائب حزب الله» حظر شركات الطيران الإيرانية، ودعت العراقيين إلى «كسر هذا الحصار» عبر دعم المنتجات الإيرانية والامتناع عن الأنشطة التي قد تزيد من معاناة الإيرانيين.

كما دعا الأمين العام لـ«كتائب سيد الشهداء»، أبو آلاء الولائي، مجلس النواب إلى اتخاذ موقف يلزم الحكومة برفض ما وصفه بـ«إرادة الحرب الأميركية»، مقدرا أن تحويل المطارات والأراضي العراقية إلى جزء من منظومة الضغط على إيران يتعارض مع الروابط التاريخية والدينية بين البلدين.

ولم يقتصر الاعتراض على المليشيات؛ إذ وصف رئيس الوزراء الأسبق عادل عبد المهدي إغلاق المطارات العراقية أمام إيران بأنه «خطأ كبير» و«تنازل عن السيادة الوطنية»، داعيًا الحكومة إلى التراجع عن القرار.

وبذلك انتقلت القضية من نطاق الطيران إلى نقاش أوسع بشأن السيادة وحدود قدرة بغداد على التعامل مع الضغوط الأميركية من جهة، والحفاظ على علاقاتها مع طهران من جهة أخرى.

ورأى الباحث في الشأن السياسي العراقي مؤيد الدوري، في تصريح لـ«الاستقلال» في 28 سبتمبر/ أيلول، أن الحكومة العراقية ستمضي في تطبيق الحظر على الطيران الإيراني؛ لأن الأمر «فوق طاقتها»، في ظل احتمال تعرض العراق للعقوبات إذا عارض القرار الأميركي أو تجاوزه.

واستند الدوري إلى سوابق يرى أنها تؤكد صعوبة تغيير المليشيات لقرارات مرتبطة بضغوط أميركية، مشيرًا إلى اعتراضها سابقًا على إخراج القوات الأجنبية بعد مقتل قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس.

ومن الأمثلة التي ساقها الدوري أيضًا عدم قدرة تلك القوى على تمرير قانون الحشد الشعبي في الدورة البرلمانية السابقة عام 2024، إضافة إلى رفض الرئيس الأميركي دونالد ترامب ترشح نوري المالكي لرئاسة الحكومة قبل تولي علي الزيدي المنصب.

قرار مرتبك

لكن تطورات الأيام التالية أظهرت أن المشهد أكثر تعقيدًا من مجرد تنفيذ حظر شامل على الطيران الإيراني. فبعد أيام من قرار العراق حظر الرحلات الإيرانية، استأنفت الخطوط الجوية العراقية رحلاتها إلى مطارات إيران من مطار النجف، بأمر مباشر من رئيس الوزراء علي الزيدي.

وقال موقع «السومرية نيوز» في 24 سبتمبر/ أيلول: إن الخطوط الجوية العراقية استأنفت رحلاتها إلى مطارات إيران من مطار النجف وبالعكس، مع التأكيد في الوقت نفسه أن الحظر على استقبال طائرات الشركات الإيرانية في المطارات العراقية، ومنها مطار النجف، ما زال ساريًا، ولم يصدر توجيه بشأنه.

كما أفادت مصادر في وزارة النقل باستئناف الرحلات الجوية بين العراق وإيران بموجب قرار صادر عن رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، فيما ستقتصر حركة الطيران المقررة بين البلدين في الوقت الحالي على مطار النجف للرحلات المتجهة من إيران وإليها، وفق موقع «كردستان24».

وفي 28 سبتمبر/ أيلول، أعلن السفير العراقي لدى طهران، ياسر عبد الزهراء الحجاج، أن مطار النجف سيفتح أبوابه أمام الرحلات الجوية القادمة من إيران خلال 24 ساعة، مؤكدًا أن الحكومة الاتحادية برئاسة علي الزيدي تبذل جهودًا متواصلة لاستئناف حركة الطيران بين الجانبين.

وأوضح الحجاج أن بغداد لم تصدر قرارًا بإيقاف الرحلات مع إيران، مبينًا أن التوقف جاء نتيجة امتناع شركات الخدمات الأرضية الأجنبية عن العمل خشية العقوبات الأميركية، مجددًا التأكيد على عودة الحركة الجوية في المطار خلال الساعات المقبلة.

ويضيف هذا التطور بعدًا آخر للأزمة؛ إذ يبدو أن بغداد تحاول الفصل بين حظر استقبال الطائرات التابعة للشركات الإيرانية وبين استمرار الرحلات المدنية بين البلدين عبر الناقل الوطني العراقي.

وفي هذا السياق، توقع مؤيد الدوري «تسيير رحلات من الخطوط العراقية كما حصل في مطار النجف، إضافة إلى تنشيط النقل البري بدلًا من الجوي»، مقدرا أن إيران تحاول تقديم المسألة بوصفها مرتبطة بالجانب الديني، فيما يتعلق الأمر أساسًا بالطيران الإيراني.

اقتصاديًا، فإن استمرار القيود قد ينعكس على حركة المسافرين والتجارة والسياحة الدينية، خصوصًا أن حركة السفر بين العراق وإيران ترتبط بالعلاج والتعليم والسفر العائلي والزيارات الدينية، بينما تستقبل المدن الدينية العراقية أعدادًا من الزائرين الإيرانيين.

ولذلك، فإن استمرار القيود قد يفرض كلفة على قطاعات النقل والفنادق والخدمات، في مقابل محاولة بغداد تجنب التعرض لضغوط وعقوبات أميركية، حسبما ذكرت مواقع محلية.

اتصالات عراقية

وضع هذا الملف العراق في موقع حساس بين عقوبات واشنطن ومطالبات طهران، وهو ما يوضحه الكاتب العراقي إيهاب مقبل في مقال نشرته وكالة «المعلومة» في 28 سبتمبر/ أيلول.

ورأى الكاتب أن قضية الطيران الإيراني لم تعد مجرد خلاف حول حقوق الهبوط أو إجراءات السلامة الجوية، بل تكشف انتقال العقوبات الأميركية إلى الدول والشركات التي تقدم خدمات للطائرات الإيرانية، من الوقود والمناولة الأرضية إلى بيع التذاكر والخدمات في المطارات.

وبحسب ما أورده مقبل، توقفت المطارات العراقية الأربعة الرئيسة في بغداد والنجف وأربيل والسليمانية عن استقبال الرحلات من إيران وإليها، فيما فرضت دول أخرى قيودًا بدرجات مختلفة.

وأشار إلى أن وزارة الخزانة الأميركية تستهدف شركات الطيران الإيرانية بسبب ما تصفه باستخدام الطيران التجاري في نقل أفراد وأسلحة ومعدات مرتبطة بالحرس الثوري، لافتًا إلى أن واشنطن فرضت في 8 سبتمبر/ أيلول إجراءات جديدة شملت عشرات الأهداف في قطاع الطيران الإيراني.

وتتمثل الإشكالية، وفق هذا الطرح، في أن العقوبات لا تتوقف عند الشركات الإيرانية؛ إذ يمكن أن تنال الشركات الأجنبية التي توفر الوقود وخدمات الهبوط والمناولة أو تبيع التذاكر لشركات الطيران الإيرانية.

وهكذا تنتقل تداعيات العقوبة من شركة إيرانية إلى مطار أجنبي، ثم إلى شركة خدمات ودولة تحاول إبقاء حركة الطيران المدني قائمة، وفق الكاتب العراقي.

وقال مقبل: إن العراق يمثل الحلقة الأكثر حساسية، بسبب ارتباطه بالولايات المتحدة من جهة، وعلاقاته التجارية والدينية والاجتماعية العميقة مع إيران من جهة أخرى.

وبعد توقف الرحلات، أصبح السفر البري بديلًا أكثر كلفة وطولًا، فيما بدأت بغداد التفاوض مع واشنطن للحصول على استثناءات تسمح باستئناف بعض الرحلات لأسباب إنسانية ومدنية.

ورأى مقبل أن الإدارة الأميركية قد تتعامل مع الطلب العراقي بوصفه ذا طابع إنساني ومدني، من خلال استثناءات محددة ومشروطة، مثل حصر الرحلات في مطارات معينة ولأغراض مدنية وإنسانية، مع فرض آليات للرقابة وضمانات عراقية.

أما الكاتب العراقي مازن صاحب، ففي مقال نشره موقع «كتابات» في 29 سبتمبر/ أيلول، يرى أن توقف الرحلات الإيرانية في مطارات بغداد والنجف وأربيل والسليمانية جاء وسط مخاوف شركات الخدمات الأرضية العراقية من التعرض للعقوبات الأميركية.

وأشار صاحب إلى أن بغداد تجري اتصالات مع واشنطن للحصول على استثناءات تسمح باستئناف الرحلات لأسباب إنسانية، بينها العلاج والدراسة والزيارات الدينية.

وبحسب صاحب، فإن طهران قرأت المشهد بوصفه امتدادًا للعقوبات الأميركية إلى المجال الإقليمي، وليس مجرد إجراء فني يخص الطيران، بينما تتحرك بغداد باتجاه الحوار مع واشنطن وطلب الاستثناءات ومحاولة استمرار المصالح المدنية دون الاصطدام المباشر بالعقوبات.

وبذلك تكشف أزمة الطيران حدود الحركة العراقية بين واشنطن وطهران. فبحسب صاحب، «تتعامل طهران مع العقوبات كأداة صراع، وبغداد كواقع لا يد لها فيه.. ينبغي احتواء آثاره».

وتبقى قدرة الحكومة على إدارة هذا التوازن مرتبطة بقدرتها على استمرار حركة السفر المدني من جهة، وتجنب العقوبات والضغوط الأميركية من جهة أخرى، في وقت ترفض فيه قوى سياسية ومليشيات عراقية أي خطوة تراها تضييقًا على إيران.

الكلمات المفتاحية