4 آلاف حالة فقدان حمل في ستة أشهر.. ماذا فعلت إسرائيل بصحة نساء غزة؟

ظلت الحوامل والمرضعات من أكثر الفئات تأثرًا بنقص تنوع الغذاء والبروتين والمنتجات الطازجة
حوّل العدوان الإسرائيلي الحمل في قطاع غزة إلى تجربة محاطة بالمخاطر منذ أسابيعها الأولى؛ إذ تتقاطع المجاعة وفقر الدم والعدوى والنزوح والضغط النفسي مع منظومة صحية فقدت جانبًا كبيرًا من قدرتها على المتابعة والعلاج والتدخل السريع.
وتظهر النتيجة في ارتفاع حالات الإجهاض، وزيادة الحمل عالي الخطورة والمضاعفات أثناء الولادة، ووصول مزيد من الأطفال إلى الحياة خُدّجًا أو بأوزان منخفضة.

لماذا ازداد الإجهاض؟
بلغ عدد حالات الإجهاض التلقائي بين يناير/كانون الثاني ويونيو/حزيران 2026، نحو 3,950 حالة، وفق وزارة الصحة بغزة، بمعدل 208.5 حالات لكل ألف مولود حي، أي نحو 3.3 أضعاف المعدل المسجل خلال النصف الثاني من 2025، فيما وقعت قرابة 74 بالمئة من الحالات خلال الثلث الأول من الحمل.
يبدأ أحد أخطر الضغوط على الحمل من نقص الغذاء؛ إذ كان نحو 1.4 مليون شخص، أي 67 بالمئة من سكان القطاع، يعيشون في يوليو/تموز 2026 المرحلة الثالثة أو أعلى من انعدام الأمن الغذائي الحاد، بينهم 212 ألفًا في مرحلة الطوارئ.
وظلت الحوامل والمرضعات من أكثر الفئات تأثرًا بنقص تنوع الغذاء والبروتين والمنتجات الطازجة، وقد ظهرت آثار ذلك في انتشار فقر الدم بين 57.1 بالمئة منهن.
ووجدت دراسة سكانية صينية واسعة نُشرت في دورية "Public Health Nutrition" في مارس/آذار 2020 وشملت نحو 3.97 ملايين امرأة، أن فقر الدم الشديد قبل الحمل ارتبط بارتفاع احتمالات الإجهاض التلقائي بنحو 52 بالمئة، مع اختلاف مستوى الخطر بحسب الحالة الصحية.
يضاف إلى الجوع تدهور المياه والصرف الصحي وانتشار الأمراض المُعدية بغزة؛ إذ سجلت منظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسف" استمرار الإسهال المائي الحاد والدموي ومتلازمات اليرقان وغيرها من الأمراض المرتبطة بالمياه خلال 2026، وسط شبكات متضررة وتراكم واسع للنفايات والركام.
ويزيد الإسهال والحمى والجفاف والعدوى وسوء امتصاص المغذيات من العبء الصحي على الحامل، خصوصًا إذا كانت تعاني أصلًا فقر الدم أو سوء التغذية.
أما النزوح، فقد نقل أعباء الحياة اليومية إلى جسد الحامل نفسه؛ إذ تسير الحوامل مسافات طويلة كآلاف النازحين للحصول على الطعام والمياه، وحمل المستلزمات الثقيلة، والإقامة لأشهر داخل الخيام، والتنقل المتكرر بين مناطق النزوح.
ويترافق الإجهاد الجسدي مع ضغط نفسي متواصل بفعل الغارات الإسرائيلية وفقدان الأقارب والمنازل والنزوح والخوف من الاستهداف.
وأظهرت مراجعة علمية جمعت نتائج عدة دراسات ونُشرت في دورية “Scientific Reports” العلمية أن التعرض للضغط النفسي قبل الحمل وأثنائه ارتبط بارتفاع خطر الإجهاض بنحو 42 بالمئة إجمالًا.
كما سجلت منظمة أطباء بلا حدود، في 7 مايو/أيار 2026 أعدادًا مرتفعة من حالات الإجهاض داخل أربعة مرافق تديرها أو تدعمها في غزة، وربطت ارتفاع المخاطر بسوء التغذية والضغط الشديد والنزوح والقيود الإسرائيلية على الغذاء والرعاية الصحية.
وتختصر “أم أحمد أبو يوسف” في شهادتها لـ"الاستقلال" جانبًا من الظروف التي رافقت حمل نساء كثيرات في قطاع غزة.
تقول: “عرفت أنني حامل ونحن نعيش في الخيمة بعد النزوح. لم يكن الطعام الذي أحتاجه موجودًا كل يوم، وأحيانًا كانت الوجبة التي تصلنا من التكية (المطبخ المجتمعي) هي ما نملكه حتى اليوم التالي”.
وتابعت: “كنت أذهب لجلب الماء وأعود بوعاء ثقيل، ومع تقدم الحمل أصبح المشي أصعب، لكن حياة الخيمة لم تكن تسمح بأن أتوقف عن هذه الأعمال”.
وواصلت أبو يوسف القول: “كنت أراجع الطبيب عندما أستطيع الوصول إليه، ثم بدأت أشعر بالتعب أكثر وظهر النزف. عشت أيامًا من الخوف بين القصف والانتقال من مكان إلى آخر، وعندما ازداد النزف وصلت إلى مستشفى ناصر (في وسط القطاع) منهكة”.
وأوضحت أن الأطباء أخبروها بانتهاء الحمل، “ثم عدت بعد العلاج إلى الخيمة نفسها؛ حيث بقي الطعام والماء والراحة أشياء أبحث عنها كل يوم”.
ويعمل صندوق الأمم المتحدة للسكان وشركاؤه الصحيون على دراسة عوامل الخطر المرتبطة بالزيادة المسجلة وفجوات الخدمات والعوائق أمام الوصول إلى الرعاية.
وبدوره، دعا مدير عام وزارة الصحة في غزة الدكتور منير البرش إلى إجراء دراسة وبائية متخصصة تحدد وزن الجوع وفقر الدم والعدوى والنزوح والضغط النفسي في ارتفاع الحالات، بينما تكشف البيانات الحالية أن الزيادة جاءت في بيئة اجتمعت فيها عوامل متعددة ترتبط طبيًا بنتائج حمل سيئة.

ماذا بقي من الرعاية؟
دخلت أعداد كبيرة من النساء الحوامل وهن يحتجن أصلًا إلى متابعة مكثفة، إذ قال صندوق الأمم المتحدة للسكان، الوكالة الأممية المعنية بالصحة الجنسية والإنجابية، في 16 أبريل/نيسان 2026 إن واحدة من كل ثلاث حالات حمل في غزة مصنفة عالية الخطورة.
وجاء ذلك في منظومة صحية متهالكة؛ إذ تعمل مستشفيات القطاع جزئيًا، كما أن أكثر من نصف الأدوية الأساسية غير متوافر، بينما كانت النساء المصابات بارتفاع ضغط الدم وسكري الحمل وفقر الدم يحتجن إلى فحوص ومراقبة وعلاج منتظم لمنع تدهور الحمل إلى حالة طارئة.
وفي 19 يونيو، أحصى مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا" 17 مستشفى تقدم مستويات من الرعاية التوليدية الطارئة، 238 مركز رعاية أولية أو نقطة طبية و10 وحدات متنقلة، فيما بقيت قدرة كل مرفق مرتبطة بتوفر الأطباء والمختبرات والأدوية والدم وغرف العمليات والحضانات والوقود.
وبحلول منتصف يوليو، ظل شمال القطاع من دون مستشفى ولادة، وسجّلت حالات ولادة داخل سيارات الإسعاف ومرافق الرعاية الأولية، بينما وسعت الجهات الإنسانية العيادات المتنقلة لتوفير فحوص الحمل والتصوير بالموجات فوق الصوتية والحديد وحمض الفوليك وبعض الأدوية.
تظهر نتيجة هذا التآكل في نوع الحالات التي تصل إلى المستشفيات؛ إذ سجل النصف الأول من 2026 نحو 82 حالة من المضاعفات الصحية الشديدة لدى الأمهات لكل ألف ولادة، وبلغت العمليات القيصرية 49.2 بالمئة من الولادات، أجريت نسبة كبيرة منها بصورة طارئة لنساء وصلن في حالات حرجة.
وشكَّل النزيف واضطرابات ارتفاع ضغط الدم والعدوى 92 بالمئة من الحالات الخطيرة، وهي مضاعفات تحتاج إلى تدخل سريع وتأمين الدم والسوائل والأدوية والفحوص والجراحة عند الضرورة.
ووَثقت الجزيرة الإنجليزية في تقرير ميداني حالة سارة العوض التي كانت في شهرها الثامن عندما تعرض حي تل الهوى في غزة لانفجارات عنيفة، قالت: إنها أصابتها بخوف شديد قبل أن يبدأ نزيف حاد وينفصل جزء من المشيمة.
وتعذّر وصول سيارة إسعاف إليها لساعات، فنقلها شقيقها إلى مستشفى القدس على كرسي متحرك؛ حيث قرر الأطباء إجراء عملية قيصرية طارئة.
وُلد طفلها محمد بوزن 1.1 كيلوغرام ووُضع في الحاضنة، ثم حال القصف الإسرائيلي حول المستشفى دون بقائه مع أسرته، فظل هناك 37 يومًا قبل أن يجتمع بأمه مجددًا.
وقال مدير قسم الولادة في مستشفى العودة بالنصيرات وسط القطاع الدكتور ياسر سعد الدين: إن المستشفى شهد زيادة كبيرة في حالات فقد الحمل، رابطًا ذلك بالجوع وسوء النظافة والتلوث البيئي والنزوح المستمر والحصار.
وتأتي هذه الحالات داخل نظام صحي تعرض منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 لهجمات إسرائيلية متواصلة على المستشفيات وسيارات الإسعاف والطواقم الطبية، إلى جانب القيود المفروضة على دخول الوقود والأدوية والمعدات.
وأدّى تدمير المرافق وتعطيلها إلى تقليص قدرة المستشفيات على تقديم الرعاية التي تحتاجها المرأة خلال دقائق أو ساعات في حالات النزيف وتسمم الحمل والولادة المبكرة.

ماذا ترك العدوان؟
امتدت الأزمة إلى أعداد الولادات نفسها؛ إذ أظهرت بيانات أوتشا انخفاض عددها في النصف الأول من 2026 بنسبة 3.2 بالمئة مقارنة بالفترة نفسها من 2025، مع تسجيل انخفاضات شهرية أكبر منذ أبريل.
ويتداخل في هذا الاتجاه فقد الحمل وتأجيل الإنجاب والنزوح وتغير الوصول إلى المرافق الصحية، في وقت ارتفعت فيه حالات الإجهاض المسجلة وتدهورت المؤشرات الغذائية والصحية المحيطة بالحمل.
أما الأطفال الذين يصلون إلى الولادة، فتظهر بينهم مؤشرات متصاعدة للخداج وانخفاض الوزن؛ إذ ارتفعت نسبة المواليد الذين يقل وزنهم عن 2.5 كيلوغرام من نحو 5 بالمئة عام 2022 إلى 10 بالمئة في النصف الأول من 2025، وفق بيانات وزارة الصحة.
وفي مارس/آذار 2026، أفادت الجهات الأممية بأن 70 بالمئة من المواليد في غزة يولدون قبل الأوان أو بأوزان منخفضة، بالتزامن مع تصنيف ثلث الحالات ضمن الحمل عالي الخطورة.
وقدمت أطباء بلا حدود صورة أكثر تفصيلًا للعلاقة بين سوء تغذية الأم وحالة المولود؛ إذ حللت بيانات 201 أم لأطفال كانوا يتلقون العلاج في وحدات العناية المركزة لحديثي الولادة في مستشفيَيْ ناصر (وسط) والحلو شمال القطاع بين يونيو 2025 ويناير 2026.
وكان أكثر من نصف الأمهات قد عانين سوء التغذية في مرحلة من الحمل، وربعهن كن ما زلن يعانينه عند الولادة، فيما وُلد 90 بالمئة من أطفال الأمهات المصابات بسوء التغذية قبل الأوان و84 بالمئة بأوزان منخفضة.
كما بلغت وفيات حديثي الولادة بين أطفالهن ضعف معدلها لدى أطفال الأمهات اللواتي لم يعانين سوء التغذية عند الولادة، ما يبرز حجم الخطر داخل الحالات الأكثر هشاشة.
وزاد الضغط على الأطفال مع ضعف القدرة الاستيعابية للمستشفيات؛ إذ وصلت وحدات حديثي الولادة في أواخر 2025 إلى مستويات تشغيل بلغت في بعض المواقع 170 بالمئة من طاقتها، واضطرت بعض المرافق إلى وضع أكثر من طفل في الحاضنة الواحدة.
وفي الفترة بين يوليو وسبتمبر/أيلول 2025، ارتفع متوسط عدد الأطفال الذين يموتون خلال اليوم الأول بعد الولادة من 27 طفلًا شهريًا عام 2022 إلى 47 طفلًا، بزيادة بلغت 75 بالمئة وفق بيانات وزارة الصحة.
وتتواصل المخاطر بعد الخروج من المستشفى؛ إذ أظهر مسح تغذوي في يونيو 2026 أن 70 بالمئة من الرضع والأطفال دون العامين يعيشون في فقر غذائي متوسط أو شديد، بينما توقعت الوكالات الأممية أن يحتاج نحو 74 ألف طفل إلى علاج من سوء التغذية الحاد خلال العام التالي إذا استمرّت الظروف الغذائية والصحية الهشة.
وسجلت أطباء بلا حدود بين أكتوبر 2024 وديسمبر/كانون الأول 2025 دخول 513 رضيعًا دون ستة أشهر إلى برامج العلاج الغذائي في عيادتي المواصي والعطار بخان يونس، وكان 91 بالمئة منهم معرّضين لخطر ضعف النمو والتطور، فيما ارتبط انقطاع العلاج لدى أعداد منهم بالنزوح وانعدام الأمن.
وتدفع النساء أيضًا ثمن هذه الظروف بعد انتهاء الحمل والولادة، خصوصًا من تعرضن لنزف أو عدوى أو ارتفاع حاد في ضغط الدم أو عمليات قيصرية طارئة؛ إذ يحتجن إلى علاج لفقر الدم ومتابعة الضغط والتعافي من الجراحة ومراقبة العدوى في منظومة ما زالت تعمل تحت ضغط شديد.
المصادر
- Humanitarian Situation Report | 23 July 2026
- Holding on to life: Restoring essential sexual and reproductive health care in Gaza
- Gaza Mobile Clinics Offer Lifesaving Care Where Most Health Services Remain Unavailable
- Starving for a solution: Gaza’s man-made malnutrition crisis
- ‘The dream I carried is gone’: Miscarriages rise amid trauma of Gaza’s war
- Preconception Hb concentration with risk of spontaneous abortion: a population-based cohort study in over 3·9 million women across rural China
- Statement For Regional Director, WHO Eastern Mediterranean Region: Health conditions in the occupied Palestinian territory, including east Jerusalem

















