لقاء بلا مسؤولين عراقيين.. ماذا أراد ترامب أن يُسمع الزيدي؟

الرئيس الأميركي وفريق مسؤوليه التقوا الزيدي لوحده في نيويورك
أثار اللقاء المنفرد بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي مع مترجم فقط، تساؤلات بشأن دلالات الاجتماع، خصوصا أنه جاء بالتزامن مع تصاعد اهتمام واشنطن بملف السلاح خارج مؤسسات الدولة، وانتقال بغداد إلى مرحلة تفاوضية جديدة.
وبحسب بيان مكتب الزيدي في 23 سبتمبر/ أيلول 2026، بحث الجانبان العلاقات الثنائية وسبل تعزيز التعاون السياسي والاقتصادي والاستثماري، إلى جانب تطورات الأوضاع الإقليمية والجهود المشتركة لتعزيز الأمن والاستقرار، فيما تزامن الاجتماع مع تصريحات أميركية شددت على ضرورة حصر السلاح بيد الدولة.

رسائل منفردة
ازدادت أهمية اللقاء في ظل موقف واشنطن المتصاعد بشأن السلاح خارج مؤسسات الدولة؛ إذ أكد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، دعم واشنطن لجهود حكومة الزيدي في حصر السلاح بيد الدولة، وربط ذلك بالحفاظ على وحدة العراق.
وقال روبيو خلال تصريح صحفي في 23 سبتمبر: إن واشنطن لا تشك في التزام الزيدي بحصر السلاح بيد الدولة. مشددا على ضرورة نزع سلاح المليشيات لمنع "بلقنة" العراق في إشارة إلى تفككه مثل دول البلقان التي كانت تشكل مجتمعة دولة يوغوسلافيا.
وجاء موقف روبيو بعد أيام من لقائه الزيدي في نيويورك؛ حيث اتفق الجانبان على أهمية تفكيك المليشيات التي وصفتها واشنطن بالإرهابية، ومنع الهجمات من الأراضي العراقية، وتعزيز سيادة الدولة، بما يعكس تركيزا متزايدا على الملف.
كما أكد المبعوث الأميركي إلى العراق توم براك أن الدولة العراقية ستكون الجهة الوحيدة التي تمتلك القوة العسكرية في البلاد بحلول نهاية حزيران/ يونيو 2027، وهو موعد يتقاطع مع الخطة الجديدة التي طرحتها الحكومة بشأن إنهاء ملف السلاح.
وفي هذا السياق، قال الكاتب العراقي نزار العوصجي، في مقال نشرته صحيفة "يورو نيوز" في 24 سبتمبر: إن استخدام روبيو مصطلح "بلقنة العراق" لا يبدو عابرا. موضحا أن "الكلمات في السياسة الدولية لها دلالاتها، وبعض المصطلحات تحمل تحذيرا يتجاوز معناها المباشر".
ورأى العوصجي أن واشنطن، عندما تربط استمرار السلاح خارج الدولة باحتمال "بلقنة العراق"، فإنها تنقل القضية إلى مستوى آخر يتعلق بوحدة الدولة ومستقبلها السياسي والجغرافي، وليس مجرد معالجة ملف أمني يتعلق بالسلاح والمليشيات وحدها.
وأوضح العوصجي أن روبيو لم يقل: إن العراق سيقسم حتما، ولم يعلن أن الولايات المتحدة قررت تقسيمه، كما لم يسم في تصريحه طائفة عراقية أو إيران بوصفها الجهة المسؤولة عن احتمال "البلقنة".
لكن الكاتب رأى أن الموقف الأميركي الأوسع يكشف أن واشنطن تنظر إلى السلاح الخارج عن سيطرة الدولة بوصفه مشكلة تتعلق بالسيادة العراقية. مشيرا إلى أن الولايات المتحدة تتحدث عن تفكيك المليشيات ومنع الهجمات وممارسة الدولة سيادتها بصورة كاملة.
وفي قراءة أخرى، كتب الكاتب والمحلل السياسي العراقي يحيى الكبيسي، في تدوينة على "إكس" في 23 سبتمبر، أن تأكيد روبيو ضرورة نزع سلاح المليشيات لتفادي "بلقنة" العراق "ليس عبارة مرتجلة"، بل يمثل، بحسب رأيه، تهديدا مبطنا للفاعل السياسي الشيعي.
وأضاف الكبيسي أن الرسالة الأميركية، وفق قراءته، تتجه أيضا إلى إيران، مقدرا أن عدم نزع سلاح المليشيات يمكن أن يقود إلى تقسيم العراق، وهو تفسير يضع تصريح روبيو في إطار تحذير سياسي مباشر للقوى المرتبطة بالملف.
من جهته، قال الباحث الأول في مركز "الجزيرة للدراسات"، في تدوينة على "إكس" في 23 سبتمبر: إن حديث روبيو يمثل "تلميحا واضحا إلى أن استمرار بقاء الفصائل واحتفاظها بسلاحها يهدد بتقسيم العراق"، رابطا ذلك بمسار أميركي أوسع.
وذهب الباحث إلى أن الأمر لا يقتصر على التهديد، بل يمثل، بحسب تقديره، "خارطة طريق" تبدأ بعقوبات اقتصادية يمكن أن تنهي النظام السياسي، ثم تخلق ظروف صراع أهلي عبر الطوائف، وصولا إلى تفكيك البلاد على طريقة البلقان.
"بلقنة" العراق
وفي مقابل هذه القراءات، قدم الكاتب والمحلل السياسي العراقي فلاح المشعل، في تدوينة على "إكس" في 23 سبتمبر، تفسيرا مختلفا لمفهوم "البلقنة". مقدرا أن مظاهر التشرذم والانقسام موجودة في العراق منذ إرساء المحاصصة أسسها في الحكم.
وقال المشعل: إن "التقسيم والتشرذم الذي يطلق عليه البلقنة حادث في العراق". مشيرا إلى انقسام المكونات والقوى السياسية، وغياب جامع وطني وثقافة مواطنة وموقف سياسي موحد.
ورأى المشعل أن الانقسام لا يقتصر على المكونات العراقية، بل يمتد داخلها أيضا؛ إذ أشار إلى انقسام القوى الشيعية والكردية والسنية، مقدرا أن هذا الواقع أنتج حالة من "اللبننة والبلقنة" من دون إعلان حدود.
وفي المقابل، علق الكاتب إياد الدليمي، في تدوينة على "إكس" في 23 سبتمبر، على صورة اللقاء بين ترامب والزيدي، مقدرا أن حضور رئيس الحكومة منفردا، ووجود مترجم أميركي، يثيران تساؤلات حول طبيعة ما جرى بحثه.
وقال الدليمي: إن "هناك ما كان يجب أن يسمعه الزيدي لوحده، وما يجب أن يقوله لوحده". مضيفا أن الولايات المتحدة تدرك ما يحيط برئيس الحكومة وما يراد منه، وربط ذلك باحتمال تغييرات في السياسة الأميركية تجاه العراق.
ووصف الكاتب العراقي، أكرم المشهداني، بأنها خطوة غريبة يبدو الرئيس ترامب مع فريقه السياسي والأمني والمالي (يلتقون بانفراد) مع رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي باجتماع مغلق وبدون عَلَمْ دولة العراق!
وأضاف المشهداني خلال تدوينة على “فيسبوك” في 23 سبتمبر، أن “الأميركان انفردوا بالزيدي لوحده وتمّ منع أفراد الوفد العراقي المرافق له من الحضور، وحتى الشخص الجالس على يمين الزيدي هو مترجم أميركي أحضره الوفد الأميركي الدائم لدى الأمم المتحدة لترجمة الحوار. سابقة فريدة لم تحصل من قبل؟”
أما الإعلامي العراقي مهند الأعظمي، فقال لـ"الاستقلال": إن اللافت في اللقاء هو حضور الزيدي وحده أمام ترامب والطاقم الأميركي. مشيرا إلى أن المترجم كان من البيت الأبيض. معتبرا أن ذلك قد يعني مناقشة قضايا أو تهديدات أراد ترامب إيصالها.
وربط الأعظمي بين حديث "البلقنة" وملف السلاح، قائلا: إن ذلك "تهديد وقد يكون حقيقيا إذا لم يسلموا السلاح". مقدرا أن الأمر يأتي بالتزامن مع تلويح قوى سنية خلال الأيام السابقة بإقامة إقليم سني إذا لم ينزع السلاح.
وبحسب معلومات تناقلتها وسائل إعلام محلية في 31 أغسطس/ آب، تناول حوار بين القيادي السني محمد الحلبوسي ورئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني المرحلة المقبلة في العراق، وإمكانية تشكيل أقاليم جديدة، بينها أقاليم في المنطقة الغربية.
وأفادت المعلومات بأن القوى السنية تحرّكت خلال الأسابيع الماضية عبر مسارين؛ الأول مواءمة مواقفها مع الحكومة الاتحادية بشأن الحرب ونزع سلاح المليشيات، والثاني التقارب مع القوى الكردية، بما قد يفتح الباب أمام استخدام فكرة الأقاليم كورقة سياسية.

مهلة اختبار
بالتوازي مع الجدل السياسي، انتقل ملف السلاح إلى مرحلة جديدة بعدما تراجعت الحكومة عن الموعد السابق المحدد في 30 أيلول/ سبتمبر، وطرحت خطة زمنية تمتد حتى حزيران/ يونيو 2027، تبدأ بمرحلة انتقالية مدتها ثلاثة أشهر تتضمن وقف الهجمات.
وكشف الزيدي، في حديث لصحيفة "نيويورك تايمز" في 21 سبتمبر، أن المرحلة الأولى تمتد 90 يوما، تلتزم خلالها الفصائل بوقف الهجمات مقابل ضمانات بعدم تعرضها لضربات أميركية، على أن تبدأ عملية تسليم السلاح في آذار/ مارس 2027.
وبحسب الخطة التي أعلنها الزيدي، تنتهي عملية تسليم السلاح في 30 حزيران/ يونيو 2027، بما يجعل الأشهر الثلاثة الأولى فترة فاصلة بين التعهدات السياسية والأمنية وبين الانتقال لاحقا إلى إجراءات مرتبطة بالسلاح وآليات تسليمه.
وكشف رئيس كتلة الإعمار والتنمية بهاء الأعرجي، خلال مقابلة تلفزيونية في 22 سبتمبر، أن اجتماع الإطار التنسيقي اتفق على عدّ الأشهر الثلاثة المقبلة "ضمانة" لعدم استخدام السلاح ضد دول الجوار والخليج وإقليم كردستان.
وأضاف الأعرجي أن الضمانات تشمل أيضا منع تعرض الفصائل لضربات أميركية أو إسرائيلية، بما يعني أن المرحلة الانتقالية تقوم على معادلة تجمع بين وقف الهجمات من جهة، وتوفير حماية سياسية وأمنية للفصائل من جهة أخرى.
من جهته، قال المحلل السياسي العراقي المقيم في الولايات المتحدة رمضان البدران: إن "الفصائل باقية لأنها فصائل عقائدية وتلتحق بدولة عقائدية وهي إيران، وهي تنظر للعراق كدولة مضيفة، فسوف تبقى وتستمر بكل الوسائل والطرق، ومخطئ من يعتقد أن هذه الفصائل ستتنازل عن سلاحها؛ لأن هذا يتنافى مع البعد العقائدي لهذه الفصائل".
ولفت خلال مقابلة تلفزيونية في 23 سبتمبر إلى أن “هناك دولة نظام سياسي في العراق، دولة نظام سياسي عقائدي، وهناك دولة عراقية، وهي دولة دستور ومواطنة. العراق الآن فيه دولة عقائدية تزاحم الدولة العراقية منذ عام 2003”.
وأكد البدران أن "بيان وزارة الخارجية الأميركية كان يتألف من 3 نقاط، واحدة تكمل الأخرى؛ إذ لم يتحدث عن أهمية تفكيك الفصائل فحسب، بل الوقاية من أي أعمال هجومية تُنفذ من الأراضي العراقية، إلى جانب أن يمارس العراق كامل سيادته، ولذلك يعد وجود الفصائل استقطاعًا من السيادة العراقية".
وبيّن أنه "على الفصائل أن تدرك بشكل واقعي أن فرص البقاء إما أن تتصادم مع الدولة أو تحل، وأشك بمستقبل وردي في هذا الملف، فالنظام السياسي لا يسمح بالتنازل عن الفصائل، حتى إن أحد قيادات النجباء قال: إن الإطار يفاوض الفصائل ويغمزون لهم لعدم التفريط بالسلاح".
يبقى موقف الإطار التنسيقي أحد أبرز العوامل المؤثرة في مستقبل الخطة، خصوصا مع استمرار الخلافات بشأن مدة وآلية تسليم السلاح، بالتزامن مع تشكيل لجنة سياسية للتفاوض مع الفصائل، تضم شخصيات قيادية بينها نوري المالكي وهادي العامري ومحمد شياع السوداني.
المصادر
- روبيو يحذر من "بلقنة" العراق.. ويشدد على أهمية نزع سلاح الفصائل
- الزيدي يلتقي ترامب في نيويورك وبيحثان تعزيز التعاون المشترك بين البلدين
- نزار العوصجي: روبيو و«بلقنة العراق».. هل دخل ملف الميليشيات مرحلة كسر المحظورات؟
- من النجيفي إلى الإقليم السني.. ماذا يجري خلف الكواليس في العراق؟
- تقسيم العراق.. روبيو يصعّد ويضع الزيدي والإطار أمام مفترق طرق

















