الوفيات المتزايدة في سجون تونس.. موجة حر أم إهمال متعمد؟

عالي عبداتي | منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

تعيش الساحة السياسية والحقوقية في تونس على وقع صدمة إثر ارتفاع حالات “الوفاة” داخل السجون، وسط تحذيرات من استغلال موجة الحر التي تشهدها البلاد لتصفية معارضين سياسيين بارزين.

وقال رئيس الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان بسام الطريفي: إن ما لا يقل عن 20 سجينًا توفوا في تونس خلال الفترة الأخيرة، بالتزامن مع موجة الحر الشديدة التي تشهدها البلاد خلال فصل الصيف.

وأوضح الطريفي، في تصريح لإذاعة "إكسبريس إف إم" الخاصة في 3 سبتمبر/ أيلول 2026، أنه جرى "توثيق 20 حالة وفاة" داخل السجون حتى نهاية أغسطس/ آب الماضي، مشيرًا إلى أن هذه البيانات جُمعت من أطباء ومحامين وعائلات السجناء.

وتناول الطريفي أوضاع السجون في تونس، موضحًا أنها تعاني صعوبات حتى في الظروف العادية، إلا أن درجات الحرارة التي تتجاوز أحيانًا 45 درجة مئوية تجعلها "ترتقي إلى مستوى التعذيب"، في ظل نقص التهوية والاكتظاظ؛ حيث بلغت نسبة الإشغال في بعض السجون نحو 300 بالمئة من طاقتها الاستيعابية.

وحمل رئيس الرابطة المسؤولية إلى الإدارة العامة للسجون ووزارة العدل، داعيًا إلى تقديم المعطيات والمعلومات المتعلقة بهذه الحالات، وقال: "نحن لسنا في صدام، ونطالب فقط بالمعلومة". في المقابل، لم تقدم السلطات التونسية حتى الآن أرقامًا رسمية بشأن الوفيات المرتبطة بموجة الحر داخل السجون.

وتنتقد منظمات غير حكومية ومحامون بشكل متكرر ظروف الاحتجاز في تونس، لا سيما فيما يتعلق بأوضاع المعارضين السياسيين الموجودين في السجون.

ومن بين هؤلاء الناشط اليساري أحمد نجيب الشابي (82 عامًا) وزعيم حركة النهضة راشد الغنوشي (85 عامًا)؛ إذ تصاعدت تحذيرات المقربين منهما بشأن حالتهما الصحية.

وفي هذا السياق، نظمت عائلات المعتقلين وقفة تضامنية أمام محكمة التعقيب (النقض)، الخميس 3 سبتمبر/ أيلول 2026، للمطالبة بالإفراج عنهم ووقف ما وصفته بـ"استغلال القضاء في تصفية الحسابات السياسية".

حوادث متكررة

تكرار حوادث وفيات السجناء بسبب الحرارة أكدته تقارير حقوقية وإعلانات أصدرها محامون وناشطون، وفي هذا الصدد، أكد فرع الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان في القيروان (وسط) عن وفاة سجين يبلغ 50 عاما، إثر إصابته بسكتة دماغية بعد تعرضه لحرارة شديدة.

وقالت الرابطة في بيان في 2 سبتمبر: إن محامي السجين أكد الخبر، وأوضح أن النيابة العمومية بالمحكمة الابتدائية بالقيروان كانت قد أصدرت في شأنه بطاقة إيداع بالسجن لأجل اتهامه بارتكابه جريمة تعطيل حرية العمل، وهي جريمة لا تشكل خطورة بالغة لا على الأفراد ولا على المجتمع.

ووفق المصدر ذاته، أفاد شقيق للمتوفى، بأن وفاة هذا الأخير كانت حسب ما أبلغته به إدارة السجن نتيجة جلطة دماغية أصابته لعدم قدرته على تحمل الحرارة المرتفعة، خاصة أنه كان يعاني من مرض بالكلى بالإضافة إلى حالة الاكتظاظ الخطيرة داخل السجن المدني بالقيروان.

وندد البيان بحالة الاكتظاظ التي يعيشها السجن المذكور منذ مدة طويلة خاصة مع الارتفاع الملحوظ لدرجات الحرارة والظروف الصعبة التي يعانيها المساجين داخله.

ودعا النيابة العمومية إلى تجنب إصدار بطاقات الإيداع بالسجن إذا كانت الأفعال المنسوبة للمهتمين لا تشكل أي تهديد جدي أو لا تلحق أي ضرر ثابت بالفرد أو المجتمع.

وفي تصريح لوكالة الأنباء الفرنسية، قال محامٍ طلب عدم كشف هويته: إن سجينا آخر توفّي الجمعة 04 سبتمبر في سجن المرناقية في العاصمة تونس، بعد تعرّضه لـ"الاختناق" بسبب الحر.

وكانت المحامية التونسية سكينة الجمني، قد أعلنت وفاة منوبها في سجن المرناقية بسبب شدة الحرارة.

وأوضحت المحامية أن منوبها "قضّى قرابة عام موقوفا على ذمة ملف جنحة ديوانية. مشيرة إلى أنها كانت تأمل إعادة النظر في طلب الإفراج عنه في شهر سبتمبر، بعد العطلة القضائية، إلا أنه توفي في السجن.

وفي 28 أغسطس، أعلنت مصادر حقوقية عن وفاة 4 سجناء داخل السجن المدني بالمنستير، وإصابة اثنين آخرين تم إيداعهما الإنعاش.

وذكر موقع "قرطاج نيوز" أن الضحايا هم أشرف لحمر أصيل طبلبة، ومعاذ الحداد، وسجين آخر أصيل قصيبة المديوني، وأحمد مجاهد أصيل القيروان.

وأوضح أن "الحادثة وقعت وسط شبهات اختناق ونقص أكسجين". مشيرا إلى أن‎ ما وقع ‎ليس بحادثة عرضية؛ إذ تحوَّلت السجون في ظل منظومة قيس سعيد إلى أماكن عزل وموت بطيء، واكتظاظ، وإهمال طبي، وتعتيم متعمد على أي انتهاك.

وتابع الموقع في تعليق على الحدث: "‎سبع سنوات من الحكم المطلق أسقطت أدنى معايير الكرامة الإنسانية. عندما يموت المسجون اختناقا داخل الدولة، فالمسؤول الأول هو من جمع كل السلطات بيده وحول البلاد إلى مقبرة جماعية ومعتقل تعذيب".

في السياق، دعا مجلس الفرع الجهوي للمحامين بالمنستير، إلى "فتح بحث قضائي في كل حالة وفاة، وتحديد أسبابها والمسؤوليات المترتبة عنها".

كما دعا إلى "اطلاع الرأي العام والمنظمات الحقوقية وذوي المتوفين عن النتائج الاختبارات الطبية والتقارير الرسمية المتعلقة بالوفيات، كاحترام الحد الأدنى لحقوق عائلات المتوفين".

وأردف: فضلا عن "العمل الفوري والآني على توفير الرعاية الطبية والاستعجالية اللازمة داخل المؤسسة السجنية، بما يضمن سرعة ونجاعة نقل الحالات الخطيرة إلى المستشفيات سعيًا لإنقاذ الأرواح".

كما نقل حساب "رصد التونسية" في 7 سبتمبر، أن الشاب أنس السعداوي البالغ من العمر 18 عاما، توفي بعد نحو 11 يوما فقط من إيداعه في سجن المرناقية.

وبحسب شهادة أحد أفراد عائلته، يضيف المصدر، كان أنس يعاني من تشوه في شرايين القلب وضيق في التنفس، وقد أودعت العائلة ومحاميه عدة ملفات طبية لدى الجهات المعنية وإدارة السجن للتنبيه إلى وضعه الصحي وحاجته إلى رعاية خاصة وتجنب الإجهاد والحرارة والاكتظاظ.

ونقل الحساب أن عائلة الفقيد قالت: إنه اشتكى خلال الزيارات من عدم حصوله على دوائه ومن ظروف الإقامة داخل السجن، مشيرة إلى أن الموقوفين كانوا يتناوبون على أماكن النوم بسبب الاكتظاظ.

وأكدت العائلة أنها توجهت صباح يوم وفاته إلى السجن لتسليم دوائه، إلا أن الإدارة رفضت تسلّمه وطلبت إحضاره خلال موعد لاحق.

وطالبت عائلة أنس السعداوي بكشف ملابسات وفاته وتحديد المسؤوليات، خاصة في ظل ما تقول بمعرفة الجهات المعنية بحالته الصحية وتجاهل هذا الأمر.

وفي آخر حالات الوفاة، أعلن البرلماني السابق والناشط السياسي زياد الهاشمي وفاة رجل الأعمال لزهر سطا في السجن.

وقال الهاشمي في منشور عبر حسابه على فيسبوك في 8 سبتمبر، إن سطا ضحية جديدة داخل سجون قيس سعيد، مشددا أن حالات الوفاة أو القتل البطيء أصبحت الخبر اليومي لعائلات المساجين.

حالة طوارئ عامة

في السياق نفسه، دعت "المنظمة التونسية للأطباء الشبان" إلى إعلان حالة طوارئ صحية مع تزايد حالات الإصابة بضربات الشمس.

أعلنت المنظمة التونسية للأطباء الشبان أن البلاد تشهد تصاعدا لافتا في حالات الوفاة والإيواء بالمستشفيات المرتبطة بضـربات الشمس وارتفاع درجات الحرارة، محذرة من تفاقم الضغط على أقسام الطوارئ ومطالبة بإعلان حالة الطوارئ الصحية بشكل فوري.

وأوضحت المنظمة أن أقسام الاستعجالات تستقبل أعدادا متزايدة من الحالات الناجمة عن موجة الحر، إلى جانب تسجيل وفـيات في صفوف سجـناء داخل عدد من هذه الأقسام.

كما نبَّهت إلى الظروف الصعبة التي يعمل فيها الأطباء وأطقم التمريض، مؤكدة أن حجم الضغط المسجل أدى إلى إنهاك شديد للعاملين في أقسام الطوارئ، وأصبح يفوق الإمكانات المعتادة للمنظومة الصحية.

ودعت المنظمة السلطات التونسية إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لمواجهة الوضع، وعلى رأسها إعلان حالة الطوارئ الصحية، وتقديم الدعم للأطر الطبية والتمريضية، بهدف الحد من تداعيات موجة الحر وحماية السكان.

وكان رئيس المنظمة قد أكد أنه تم تسجيل ما بين 150 و200 وفاة مرتبطة بشدة الحر، أواخر يوليو/تموز 2026، وهو رقم لم تؤكده السلطات.

إجرام رسمي

أكد الكاتب التونسي أمير عمار، أن تكرار وفيات المسجونين تُصبح أكثر إلحاحا أمام حجم الاكتظاظ، موضحا أن الهيئة الوطنية للوقاية من التعذيب، ذكرت أن عدد نزلاء السجون التونسية بلغ نحو 33 ألفا في ماي/آيار 2025 مقابل طاقة رسمية تقارب 17 ألف مكان، أي نسبة إشغال وطنية في حدود 194 بالمئة.

وأضاف عمار في مقال تحليلي نشره موقع "nawaat" في 4 سبتمبر، "كما تحدثت الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان عن نسب تجاوزت 200 بالمئة في بعض المؤسسات".

واسترسل، هذه الأرقام لا تثبت أن الاكتظاظ تسبب في وفاة بعينها، لكنها تؤثر مباشرة في قدرة المرفق على توفير ما يضمنه القانون. فعدد الأطباء والأعوان، ووسائل النقل إلى المستشفيات، والمرافق الصحية والفضاء والتهوئة لا تتضاعف تلقائيا كلما تضاعف عدد المحتجزين.

وأردف، "لذلك لا يمكن تقديم ضغط صيف 2026 بوصفه ظرفا استثنائيا لم يكن متوقعا؛ لأن عناصر الأزمة كانت معروفة قبل ذلك بسنوات".

وشدد عمار أن تكرار الوفيات في السجون تبرر المطالبة بتحقيق دقيق، خصوصا عندما تتزامن الوفيات مع ظروف مناخية استثنائية وضغط سجني مزمن.

وأشار الكاتب إلى أن المسؤولية على الجهات المعنية لا تنتهي بوفاة سجين، مقدرا أن مسؤولية الدولة لا تنتهي مع وفاة سجين وإبلاغ ذويه، بل فقط يتغير موضوعها.

وأوضح، "فبعد واجب الحماية، يصبح عليها أن تحفظ ما يسمح بفهم ما حدث، وأن تضمن تحقيقا مستقلا يمكنه إعادة بناء الوقائع، وأن تتيح للعائلة معرفة مصير شخص كان الوصول إليه، في أيامه الأخيرة، خاضعا بالكامل لسلطة المؤسسة".

واسترسل، "هنا تظهر مشكلة الشفافية التي تطرح نفسها بقوة، ففي حدود المصادر العمومية التي أمكن الرجوع إليها إلى غاية بداية سبتمبر 2026، لا تظهر قاعدة رسمية حديثة وموحدة تتيح معرفة عدد الوفيات داخل أماكن الاحتجاز بحسب المؤسسة والوضعية الجزائية والعمر والسبب النهائي للوفاة، ثم معرفة ما إذا فتح تحقيق وما انتهى إليه".

تراجعات خطيرة

في سياق هذه الوفيات وتنامي الاحتقان بالشارع التونسي تجاه سلطات قيس سعيد، أعلن كلّ من الاتحاد العام التونسي للشغل، والهيئة الوطنية للمحامين بتونس، والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، في 3 سبتمبر، عن إطلاق إطار تنسيقي مشترك من أجل تونس والتونسيين.

وأكدت الهيئات الثلاث أن البلاد شهدت تراجعا خطيرا في مجال الحقوق والحريات، وتضييقا متواصلا على العمل السياسي والنقابي والمدني، إلى جانب توظيف متزايد للقضاء في الصراعات السياسية، والمساس باستقلاليته وبضمانات المحاكمة العادلة وحقوق الدفاع، بما يضرب إحدى أهم ضمانات حماية المواطن ويهدد أسس دولة القانون والمؤسسات.

وشددت المنظمات أن تحميل المسؤوليات للآخرين لم يعد مجديا؛ إذ تتحمل السلطة القائمة المسؤولية السياسية الكاملة عن خياراتها وقراراتها وعن نتائجها، بعد خمس سنوات من إدارة الشأن العام خارج منطق الحوار والتشاركية، وفي ظل غياب الشفافية، والتعتيم على المعطيات، والتضييق على كل صوت مخالف.

وأكدت المنظمات أن "تونس لا يمكن أن تدار بمنطق الإنكار أو الصمت أو الصوت الواحد، كما لا يمكن مواجهة الأزمات بإقصاء المجتمع وقواه الحية".

ودعت إلى مراجعة شاملة للخيارات الاقتصادية والاجتماعية والسياسات التي ثبت فشلها، وفتح مسار جدي للحوار المجتمعي يفضي إلى حلول اقتصادية واجتماعية وسياسية قادرة على إنقاذ البلاد، وحفظ وحدتها، وصون الحقوق والحريات، وإعادة الثقة والأمل إلى التونسيين.

هذا وتواصل جبهة الخلاص الوطني المعارضة للرئيس قيس سعيد الدعوة إلى وحدة الصف الوطني في مواجهة الانقلاب ، والعودة إلى المسار الديمقراطي، مشددة أن معالجة المشاكل الاقتصادية والاجتماعية الحالية في البلاد مشروطة بهذه العودة وإنهاء الاستبداد.