صعود صدام حفتر في ليبيا.. لماذا يظل هشا رغم سيطرته على البرلمان؟

منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

نجح صدام حفتر، نجل الانقلابي الليبي خليفة حفتر، في السيطرة على مجلس النواب في بنغازي مطلع أكتوبر/ تشرين الأول 2026، ما عزز نفوذه ومكانته بوصفه المرشح لخلافة والده، غير أن هذه الخطوة أثارت، بحسب صحيفة "لوموند"، صراعات داخلية بين أفراد العائلة.

وفي هذا السياق، استعرض التقرير الفرنسي "التحركات المدروسة التي ينفذها صدام (المولود عام 1991) لترسيخ نفوذه تدريجيا بدعم من والده خليفة حفتر، البالغ من العمر 82 عاما، والذي يهيمن على إقليم برقة شرقي ليبيا، ويمتد نفوذه إلى أجزاء واسعة من إقليم فزان جنوبي البلاد".

عرقلة التوريث

واستهلت الصحيفة تقريرها بالإشارة إلى أن "صدام حفتر، نجح في تجاوز إحدى أبرز العقبات التي كانت تعترض طموحاته لخلافة والده، بعدما أطاح أنصاره داخل مجلس النواب في بنغازي برئيسه عقيلة صالح (82 عاما) وأحد أبرز الشخصيات السياسية في إقليم برقة، وانتخبوا الصالحين عبد النبي العبيدي خلفا له في 6 أكتوبر/ تشرين الأول 2026".

وتابعت: "جاء هذا التغيير بعدما وافق 98 نائبا في اليوم السابق على اعتماد نظام التناوب السنوي على رئاسة المجلس، ما مهد الطريق لإنهاء رئاسة عقيلة صالح التي استمرت منذ عام 2014".

وبالنسبة لعقيلة صالح، ذكرت أنه "اضطلع بدور محوري في تعزيز النفوذ السياسي والعسكري لخليفة حفتر، بعدما وضع البرلمان في خدمته عقب الانقسام الفعلي لليبيا عام 2014 بين المعسكرين المتنافسين في شرق البلاد وغربها".

ورغم أن صالح ظل، وفق وصفها، "حليفا وفيا لحفتر طوال السنوات الماضية"، إلا أنه "أصبح أكثر معارضة للتحولات السياسية الجديدة داخل عائلة حفتر، لا سيما قرار الأخير اعتماد نجله صدام وريثا له"، بحسب تقديرها.

وقدرت الصحيفة أن "علاقات عقيلة صالح الوثيقة بمصر، وخبرته الواسعة في بناء التحالفات القبلية، أثارتا استياء صدام حفتر ووالده، الذي كانت موافقته ضرورية للإطاحة بصالح من رئاسة البرلمان".

ونقل التقرير عن مدير المركز الليبي للدراسات الإستراتيجية والمستقبلية، أسامة محمد الصيد، قوله: "بدأ خليفة حفتر يشعر بالقلق بشأن قدرة أبنائه على تحمل مسؤولية إرثه السياسي والعسكري".

وأضاف الصيد: "كان حفتر يخشى أن يستغل عقيلة صالح شبكة علاقاته الواسعة للمناورة وإفشال سيناريو انتقال السلطة داخل العائلة".

وبحسب التقرير، فإن "(الخطر) الذي كان يمثله عقيلة صالح على ترتيبات الخلافة العائلية جرى احتواؤه في الوقت الراهن، بعد إبعاده عن رئاسة مجلس النواب".

ولفت إلى أن "اعتراف الولايات المتحدة وبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا بصورة فورية بانتخاب خليفة صالح لرئاسة المجلس، وهو شخصية مقربة من صدام حفتر، عزز نجاح الأخير في ترسيخ نفوذه السياسي".

وبهذا، "أصبح صدام حفتر يفرض نفوذه على مجلس النواب أيضا، وهي مؤسسة تتمتع بأهمية بالغة، لا سيما على الصعيد الدبلوماسي".

وفيما يتعلق بصعوده داخل ما يسمى بـ"الجيش الوطني الليبي"، أشار التقرير إلى أن "نفوذه شهد تعزيزا ملحوظا منذ أغسطس/ آب 2025، عندما عُين نائبا للقائد العام للجيش الوطني الليبي الذي أسسه والده".

وتابع: "ولاحقا، حصل صدام على منصب القائد العام بالإنابة في أغسطس 2026، في خطوة جديدة تعكس الانسحاب التدريجي لوالده المتقدم في السن من إدارة شؤون المؤسسة العسكرية، مع تراجع ظهوره العلني بصورة متزايدة".

شرعية خارجية

وبالتوازي مع ترسيخ نفوذه الشخصي في إقليم برقة، أشارت الصحيفة إلى أن "صدام بدأ توسيع تحركاته على الساحة الإقليمية، إذ شكل تدخله خلال الفترة الأخيرة في قضايا الرهائن بمنطقة الساحل الإفريقي نقطة تحول مهمة، تعكس سعيه إلى تقديم نفسه بوصفه رجل دولة يتمتع بنفوذ إقليمي".

وتابعت: "ففي 22 أغسطس 2026، نجح صدام في تأمين إطلاق سراح عنصرين روسيين من قوات شبه عسكرية، كانا محتجزين في مالي منذ أكثر من عامين، بفضل وساطته لدى الانفصاليين الطوارق المنضوين في جبهة تحرير أزواد".

وأردفت: "قبل أسبوع من إطلاق سراحهما، أٌفرج أيضا عن المبشر الأميركي كيفن رايداوت الذي اختطفته عناصر مرتبطة بتنظيم الدولة في النيجر، قبل نقله إلى مالي، حيث أدت وساطة صدام دورا حاسما في الإفراج عنه".

وفي هذا الصدد، نقلت الصحيفة عن الباحث في المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية، وولفرام لاتشر، قوله: "أصبح الطموح الأكبر لصدام حفتر هو اكتساب الشرعية الدولية، فهو يمتلك القوة العسكرية وأموالا طائلة، لكنه لا يزال يفتقر إلى الاعتراف الخارجي".

وأوضحت الصحيفة أن "الدوائر الدبلوماسية الغربية تراقب عن كثب قدرته المفترضة على الحد من تدفقات الهجرة غير النظامية والأنشطة الإجرامية وتحركات الجماعات المسلحة عبر هذه الحدود".

في الوقت ذاته، نوهت إلى أن "الصعود التدريجي لصدام حفتر لا يخلو من نقاط ضعف؛ إذ إن إبعاد عقيلة صالح عن رئاسة مجلس النواب يمثل نجاحا يحمل في طياته تناقضات".

وفسرت حديثها: "فرغم أن الإطاحة به مكنته من إخضاع البرلمان لسيطرته، فإنه كشف أيضا عن انقسامات داخل عائلة حفتر نفسها، قد تشكل مصدر قلق لمستقبل سلطته".

وبحسبها، "اثنان من أشقاء صدام، وهما خالد حفتر، رئيس أركان (ما يسمى الجيش الوطني)، وبلقاسم حفتر، هما المسؤولان عن عمليات التنمية وإعادة الإعمار في إقليم برقة، انحازا إلى عقيلة صالح في مواجهة شقيقهما".

خطة متعثرة

وفسرت صحيفة "لوموند" الفرنسية هذه "الانقسامات داخل عائلة حفتر إلى التحركات السياسية الواسعة المرتبطة بخطة مسعد بولس، المستشار الخاص للرئيس الأميركي دونالد ترامب للشؤون العربية والإفريقية، الذي يسعى إلى إعادة توحيد شرق ليبيا وغربها".

ووفقا لها، "تتضمن الخطة، وفق سيناريو لم يجر تأكيده رسميا بعد، تولي صدام حفتر رئاسة ليبيا الموحدة مستقبلا، على أن يتولى عبد الحميد الدبيبة، رئيس حكومة طرابلس، أو أحد المقربين منه، منصب رئيس الوزراء".

من هذا المنظور، قدرت الصحيفة أن "احتمال وصول صدام حفتر إلى أعلى منصب في الدولة أثار صراعات حادة بين أفراد العائلة، في ظل التنافس على النفوذ ومستقبل السلطة".

واستدركت: "غير أن هذا السيناريو المثالي بالنسبة إليه يواجه تعثرا واضحا، إذ يؤكد الباحث في المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية وولفرام لاتشر أن خطة بولس انتهت بالفعل".

ونقلت عنه قوله: "لقد أصبحت أزمة الثقة بين صدام حفتر وعبد الحميد الدبيبة عميقة للغاية، إلى درجة يصعب معها تجاوزها".

وبحسب تقديرها، فإن "القطيعة بين الطرفين حدثت خلال سبتمبر/ أيلول 2026، عندما كشفت سلطات طرابلس عن وجود خلية إرهابية تضم ثلاثة ليبيين وإسبانيين اثنين، يرتبطون بالسلطات الحاكمة في بنغازي، وكانت مهمتهم، على ما يبدو، تنفيذ عمليات تخريبية في إقليم طرابلس".

وأضافت: "بحسب وثائق صادرتها السلطات خلال اعتقال أفراد الخلية، كانت هناك خطط لاغتيال عبد الحميد الدبيبة نفسه، إلى جانب عبد السلام الزوبي، أحد كبار المسؤولين الأمنيين في معسكر طرابلس".

ومع ذلك، لفتت الصحيفة إلى أن "عبد الحميد الدبيبة لم يستغل هذه الحادثة حتى الآن لقطع جميع قنوات الاتصال مع صدام حفتر، بل يبدو أنه يفضل كسب الوقت وانتظار انهيار خطة بولس من تلقاء نفسها".

سلطة مؤسسية

بدورها، تناولت صحيفة "لو ديبلومات" الفرنسية تداعيات تغيير رئاسة مجلس النواب الليبي في بنغازي على مستقبل الوضع السياسي والعسكري في شرق ليبيا،

وأشارت إلى أن "حكومة أسامة حماد في شرق البلاد تحتفي بهذا التغيير بوصفه تقدما مؤسسيا، رغم أن المجلس يستمد شرعيته من انتخابات أجريت عام 2014، وبالتالي فإن تغيير رئيسه لا يعني منح المواطنين فرصة جديدة لاختيار ممثليهم".

وفي قراءة تحليلية، رأت أن "اعتماد التناوب السنوي على رئاسة البرلمان يحد من مدة البقاء في المنصب، لكنه قد يزيد في المقابل من اعتماد رئيس المجلس على الأطراف التي تضمن له الأصوات والحماية الأمنية".

وفيما يتعلق بالنفوذ العسكري داخل البرلمان، نقلت الصحيفة عن النائب عبد النبي عبد المولى قوله إن "مجلس النواب أصبح خاضعا لسلطة صدام حفتر"، متهما الضابط أسامة شرف الدين بالتأثير في اختيار رئيس المجلس الجديد.

وعقّبت الصحيفة: "هذه الاتهامات خطيرة وتحتاج إلى تحقق مستقل، لكنها لا تثبت بمفردها أن جميع القرارات البرلمانية تفرضها المؤسسة العسكرية".

وأضافت: "لكنه قد يسهل تحويل النفوذ العسكري إلى سلطة مؤسسية تتحكم في التعيينات والاعتمادات المالية والاعتراف الرسمي".

ومن جانب آخر، تطرقت الصحيفة إلى الدور المحوري للنفط في استقرار النظام السياسي الليبي، مشيرة إلى أن "البنك الدولي لا يزال يصنف الاعتماد على المحروقات والانقسام السياسي ضمن أبرز نقاط الضعف التي تواجه البلاد".

وأردفت: "يمكن إعادة بناء مدينة بالكامل بينما تظل مؤسساتها هشة، فالمباني والمنشآت الجديدة لا يمكن أن تحل محل المساءلة السياسية".

ثلاثة سيناريوهات

وفي ضوء هذه المعطيات، استعرضت الصحيفة السيناريو الأول لمستقبل السلطة في شرق ليبيا، والذي "يفترض تعزيز تماسك المعسكر الشرقي وترسيخ نفوذ عائلة حفتر على مؤسسات الحكم".

وقالت: "إذا أدت الرئاسة الجديدة إلى تقليص استقلالية مجلس النواب، فقد يسهم ذلك في تعزيز تركيز السلطة في شرق البلاد، بما يوفر طرفا أكثر توحدا في المفاوضات مع طرابلس والقوى الأجنبية، لكنه يجعل النظام في الوقت نفسه أكثر اعتمادا على التوازنات داخل عائلة واحدة".

أما في السيناريو الثاني، فترى الصحيفة أن "الرئاسة الجديدة لمجلس النواب قد تصبح جزءا من تسوية سياسية بين شرق ليبيا وغربها، تشمل توزيع الصلاحيات والموارد والترتيبات الأمنية".

واستدركت: "لكن الخطوة الحاسمة تتمثل في ترجمة هذا التفاهم إلى قواعد مشتركة وآليات رقابية وعملية انتخابية تحظى بالمصداقية".

أما السيناريو الثالث، فيتمثل في "احتمال حدوث انقسام جديد داخل مجلس النواب نفسه"، إذ أشارت الصحيفة إلى أن "عقيلة صالح وعددا من النواب يعترضون على الإجراءات التي اعتمدت لتغيير رئاسة المجلس".

ووفق وجهة نظرها، "إذا أدت هذه الاعتراضات إلى ظهور رئاسات متنافسة أو صدور قرارات متعارضة، فإن ليبيا ستواجه انقساما إضافيا داخل البرلمان، يضاف إلى الانقسام القائم بين السلطات في شرق البلاد وغربها".

ومن هذا المنظور، ترى الصحيفة أن "نجاح رئاسة البرلمان الجديدة سيقاس بمدى قدرتها على ضمان شفافية القرارات وإمكانية التحقق منها، والحفاظ على استقلالية المجلس، وتهيئة الظروف لإجراء انتخابات تتيح للمواطنين اختيار ممثليهم من جديد".

"أما إذا استمر السلاح في تحديد حدود العمل السياسي، فإن التناوب على رئاسة البرلمان قد لا يتجاوز تغيير أسماء المسؤولين، دون معالجة الأزمة الأساسية المتعلقة ببناء مؤسسات الدولة"، بحسب تحليلها.