عودة السترات الصفراء إلى الشارع وغضب الطلاب يتصاعد.. فرنسا إلى أين؟

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

في الآونة الأخيرة، شهدت فرنسا موجة احتجاجات واسعة امتدت إلى نحو 500 موقع في مختلف أنحاء البلاد، وشارك فيها طلاب وموظفون وقطاعات النقل والفلاحون والنقابات.

إلى جانب عودة أنصار حركة "السترات الصفراء" إلى الشوارع، في مشهد يعكس اتساع نطاق الغضب الاجتماعي وتصاعد الاحتقان إزاء الأوضاع الاقتصادية والسياسات الحكومية.

وذكرت صحيفة "إلباييس" الإسبانية أن التحركات التي بدأت أساسا احتجاجا على ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية، توسعت لاحقا مع انضمام الطلاب، الذين يواصلون منذ أسابيع احتجاجاتهم على تدهور أوضاع التعليم.

وأشارت إلى أن الدعوات للتظاهر شملت نحو 90 مسيرة، بينما قدّر المنظمون عدد المشاركين بنحو 800 ألف شخص. وفي عدد من المدن الكبرى، تطورت الاحتجاجات إلى مواجهات عنيفة وأعمال تخريب وحرائق نالت محال تجارية ومركبات ومرافق عامة.

تهدئة لم تفلح

وبيّنت الصحيفة أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون دعا إلى التهدئة، غير أن دعوته لم تفلح في احتواء الغضب المتصاعد. 

وأشارت إلى أن قوات الشرطة استخدمت الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي وخراطيم المياه لتفريق المتظاهرين، فيما شهدت شوارع باريس ومدن أخرى اشتباكات وأعمال حرق وتخريب.

وأضافت أن مدينة ليون استيقظت على طرق مقطوعة وحواجز أقيمت باستخدام الدراجات المستأجرة والحاويات والإطارات، بينما شهدت مرسيليا مواجهات مبكرة بين الشرطة والمحتجين، تخللتها حرائق طالت حاويات النفايات وسلال المهملات. 

وفي باريس، أوقفت الشرطة أكثر من مئة شخص بحلول منتصف صباح يوم الجمعة، قبل أن تتسع المواجهات وتتزايد أعمال التخريب والنهب.

ولفتت إلى أن الاحتجاجات لم تقتصر على المواجهات في الشوارع، بل امتدت إلى مؤسسات ومرافق عامة. 

ففي مرسيليا، تعرض مركز للشرطة البلدية للتخريب، واقتحم محتجون مدخل مقر البلدية الأمر الذي دفع رئيس البلدية إلى طلب تعزيزات من الرئيس ماكرون. 

كما شهدت مدن ليل ورين وليموج حوادث مماثلة، فيما أتت النيران على مقر بلدية ليموج، وألحقت أضرارا بمكتب السياحة في ليون. 

وأضافت أن عمليات النهب وإضرام الحرائق طالت كذلك متاجر في باريس، وأن مجموعة من المحتجين حاولت اقتحام متاجر "غاليري لافاييت" الشهيرة.

عودة السترات الصفراء

وأكدت الصحيفة أن التطور الأبرز في هذه التحركات يتمثل في عودة حركة «السترات الصفراء» التي ظهرت في فرنسا عام 2018 احتجاجا على ارتفاع أسعار الوقود، وما لبثت أن تحولت إلى حركة اجتماعية واسعة تعبر عن رفض السياسات الاقتصادية وتراجع القدرة الشرائية. 

وأشارت إلى أن بعض المشاركين ارتدوا السترات الصفراء خلال تجمعاتهم في ساحة الجمهورية بباريس، في استعادة رمزية لحركة الاحتجاج التي هزت البلاد قبل ثماني سنوات.

ونقلت الصحيفة عن أحد المشاركين، ويدعى فيليب دويه، البالغ 54 عاما والعاطل عن العمل، قوله: إن "الأوضاع لم تتحسن منذ الاحتجاجات السابقة، وإن ارتفاع أسعار البنزين وتراجع القدرة الشرائية جعلا المواطنين أكثر فقرا". 

وأضاف أن "مشاركته في التحرك تأتي دفاعا عن حقوقه وحقوق الشباب، في تعبير عن اتساع الهوة بين المواطنين والسلطة السياسية".

وفي السياق ذاته، أوضحت الصحيفة أن الاحتجاجات شهدت مشاركة طلاب ومنظمات شبابية وجمعيات بيئية وفلاحين ونقابات عمالية، بما يعكس تعدد المطالب وتداخل أسباب الغضب الاجتماعي. 

وذكرت أن الطلاب يواصلون احتجاجاتهم منذ أسابيع بسبب تدهور الأوضاع التعليمية، في وقت تتزايد فيه الانتقادات لطريقة تعامل السلطات الأمنية مع التحركات، لا سيما بعد إصابة عدد من القاصرين خلال المواجهات.

وأضافت الصحيفة أن المواجهات أثارت جدلا بشأن استخدام الشرطة للأسلحة والمعدات المضادة للشغب. 

وأشارت إلى أن وزير الداخلية لوران نونيز كان قد أمر بتعليق استخدام نوع من الأسلحة مؤقتا عقب إصابة طالب يبلغ 15 عاما في مدينة لانس، انتهى به الأمر إلى فقدان إحدى يديه خلال احتجاجات مرتبطة بإغلاق المؤسسات التعليمية. 

غير أن السلطات عادت إلى السماح باستخدام القنابل الصوتية وغيرها من الوسائل في حالات المواجهات الخطيرة، قبل تسجيل إصابة جديدة أدت إلى بتر أحد أطراف متظاهر في مدينة سان إتيان.

ونقلت الصحيفة عن زعيمة الكتلة البرلمانية لحزب «فرنسا الأبية»، ماتيلد بانو، انتقادها لردّ الحكومة على الاحتجاجات، مقدرة أن السلطات لم تقدم، حتى ذلك الوقت، سوى القوة الأمنية والغاز المسيل للدموع، على حد تعبيرها. 

كما أشارت إلى حضور زعيم الحزب جان لوك ميلانشون وعدد من نوابه وسط المتظاهرين، في وقت اتهم فيه وزير الداخلية الحزب بتشجيع العنف.

وضع اقتصادي صعب

وأضافت الصحيفة أن الأزمة الاجتماعية تتزامن مع وضع اقتصادي ومالي صعب يزيد من تعقيد المشهد السياسي الفرنسي. 

فالحكومة مطالبة بإقرار ميزانية تتضمن خفض الإنفاق بنحو 54 مليار يورو، في ظل ارتفاع الدين العام إلى ما يقارب 119 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي. 

كما خفّض بنك فرنسا توقعاته للنمو خلال عام 2026 إلى ما بين 0.4 بالمائة و0.5 بالمائة، ورفع توقعاته للتضخم إلى 2.5 بالمائة، بينما بلغ التضخم السنوي في أغسطس 2.4 بالمائة، مع ارتفاع أسعار الطاقة بنحو 17 بالمائة خلال عام واحد.

وبيّنت الصحيفة أن هذه المؤشرات الاقتصادية تعزز شعور قطاعات واسعة من الفرنسيين بتدهور ظروفهم المعيشية، خصوصاً مع ارتفاع أسعار الوقود والمواد الغذائية الأساسية. 

ونقلت عن الأمينة العامة للاتحاد العام للعمل، صوفي بينيه، قولها: إن "منتجات يومية، مثل الطماطم والكوسا، فضلا عن الوقود، أصبحت تمثل عبئا متزايدا على عدد كبير من العمال".

وخلصت الصحيفة إلى أن احتجاجات 17 أكتوبر 2026 مرشحة أن تدخل سجل التحركات الاجتماعية الكبرى في فرنسا، في ظل تداخل الأزمة الاقتصادية مع الاحتقان الطلابي وتراجع الثقة في السلطة، وذلك قبل نحو ستة أشهر من الانتخابات الرئاسية. 

وأشارت، في حصيلتها للأحداث، إلى إصابة نحو 210 طلاب و150 من العاملين في المؤسسات التعليمية و900 من أفراد قوات الأمن منذ بداية التحركات، فضلاً عن تسجيل آلاف التوقيفات، غالبيتها من القاصرين، وفتح نحو 30 تحقيقاً بشأن تجاوزات محتملة من جانب الشرطة، بينما قدرت الحكومة الخسائر المادية بما لا يقل عن 30 مليون يورو.

وأكّدت الصحيفة أن اتساع المشاركة في الاحتجاجات، وعودة رموز «السترات الصفراء»، وتعدد المطالب الاجتماعية، تكشف جميعها عن أزمة تتجاوز الاعتراض على أسعار الوقود أو تدهور التعليم، لتشمل شعوراً عاماً بتراجع القدرة الشرائية وضعف الاستجابة الحكومية وتزايد المسافة بين السلطة والمواطنين.