الإمارات وإسرائيل.. تحالف يتجاوز الأزمات من الأمن إلى السياسة

صادقت لجنة تخطيط إسرائيلية على مقر دائم للسفارة الإماراتية من 15 طابق
في العاصمة الإيرلندية دبلن، شارك مبعوث وزير الخارجية الإماراتي لمكافحة التطرف والإرهاب، مقصود كروز، في نقاشات إلى جانب المبعوث الأميركي الخاص لمكافحة معاداة السامية، الحاخام يهودا كابلون، ضمن منتدى نظمه المؤتمر اليهودي العالمي بالتعاون مع المفوضية الأوروبية، بين 12 و14 أكتوبر/ تشرين الأول 2026.
ولم تمر مشاركة كروز دون صدى في إسرائيل، إذ احتفت بها صحيفة "معاريف" بوصفها أول حضور إماراتي في هذا المحفل الذي جاء بدعوة رسمية من الخارجية الأميركية. وفي الأسبوع ذاته، صادقت لجنة تخطيط إسرائيلية على مخطط لإقامة مقر دائم للسفارة الإماراتية، يصل ارتفاعه إلى 15 طابقًا.
فما الذي يدفع أبوظبي إلى توسيع حضورها في الدوائر القريبة من إسرائيل، رغم تداعيات حرب الإبادة على غزة واحتدام الصراع في المنطقة؟ وهل تحولت العلاقة إلى خيار إستراتيجي لا تهزه الأزمات؟ وأين تقف فلسطين من هذه الحسابات؟

15 طابقًا في هرتسيليا
صادقت لجنة التخطيط والبناء اللوائية في تل أبيب، في 13 أكتوبر/ تشرين الأول، على مخطط لإقامة مقر دائم للسفارة الإماراتية في هرتسيليا بيتواح، شمالي تل أبيب، بعد نحو عام من إيداعه.
ويقضي المخطط بإقامة مبنى يصل ارتفاعه إلى 15 طابقًا كحد أقصى، على أرض مساحتها نحو 2.5 دونم في شارع سابير، وبمساحة بناء تصل إلى 15 ألف متر مربع. ويخصص ما يصل إلى 20 بالمئة من المساحة لمساكن السفير والطاقم الدبلوماسي في الطوابق العليا، إلى جانب موقف سيارات تحت الأرض وتوسعة للطريق المحاذي.
ولا يقتصر المشروع على بُعده العمراني؛ إذ ستُنقل ملكية الأرض التابعة لبلدية هرتسيليا إلى الدولة عبر سلطة أراضي إسرائيل، تمهيدًا لتأجيرها لأبوظبي، مقابل تخصيص قطعة أرض بديلة للبلدية في منطقة المارينا. ووفقًا للمعلومات الواردة بشأن المشروع، جاء هذا المسار بطلب من مكتب رئيس الحكومة الإسرائيلية.
ويرى مخطط لواء تل أبيب، إيرز بن إليعازر، أن المشروع يعزز العلاقات الدولية، وأن قربه من مقار الشركات الدولية ومراكز التكنولوجيا المتقدمة سيجعله "معلمًا بارزًا" في المنطقة.
وكانت السفارة الإماراتية التي افتُتحت في يوليو/ تموز 2021 بوصفها أول بعثة خليجية في إسرائيل، تعمل من مكاتب مؤقتة في تل أبيب وهرتسيليا. لذلك، يحمل الانتقال إلى مقر دائم يضم مساكن للطاقم الدبلوماسي المقيم دلالة على توجه نحو ترسيخ العلاقة على المدى الطويل، حتى قبل الإعلان عن موعد بدء البناء أو افتتاح المقر.
أما توقيت المصادقة، فقد فتح الباب أمام قراءات سياسية؛ إذ ربطه موقع "آيس" الاقتصادي العبري بالتوتر الذي أعقب حادثة رحلة "فلاي دبي"، التي هبطت اضطراريًا في مطار تبوك السعودي أواخر سبتمبر/ أيلول 2026، مقدرا أن المصادقة جاءت في مرحلة حساسة.
غير أن المخطط سلك مساره الإداري قبل تلك الأزمة بأشهر، ما يجعل المصادقة مؤشرًا على استمرار عمل مؤسسات العلاقة بمعزل عن الضجيج السياسي، لا مجرد استجابة طارئة له.
خلافات عابرة
كانت حادثة "فلاي دبي" أحدث اختبار للعلاقة بين أبوظبي وتل أبيب. فبعدما هاجم مساعد الطيار، وهو عماني الجنسية، قائد الطائرة المتجهة من دبي إلى تل أبيب في 30 سبتمبر/ أيلول، علّقت إسرائيل رحلات الشركة، واتهمتها وزيرة المواصلات ميري ريغيف بخرق اتفاق الطيران بين البلدين، قبل أن ترفض طلبها استئناف الرحلات.
في المقابل، نقلت القناة 12 العبرية عن مسؤول إماراتي كبير أن بلاده شعرت بأن الحادثة تُستغل لأغراض سياسية مرتبطة بالانتخابات المقررة في 27 أكتوبر/ تشرين الأول. ومع ذلك، لم تقلل أبوظبي من خطورة الحادثة؛ إذ وصفها المستشار الدبلوماسي للرئيس الإماراتي، أنور قرقاش، بأنها "عمل إرهابي خطير".
ولم تكن تلك المرة الأولى التي تتحول فيها العلاقة إلى ورقة في السياسة الإسرائيلية الداخلية. ففي مايو/ أيار 2026، كشف مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن زيارة سرية أجراها إلى الإمارات خلال الحرب على إيران، فنفت أبوظبي الزيارة بحدة، بعدما كانت قد طلبت إبقاءها طي الكتمان، وفق ما أوردته القناة ذاتها.
وفي سبتمبر/ أيلول، زار نتنياهو الإمارات مجددًا، وسط جدل أثاره تقرير لصحيفة "هآرتس" عن تحذير نقله إليه الرئيس الإماراتي محمد بن زايد قبل هجوم 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023. ونفى نتنياهو صحة ما ورد بشأن التحذير، فيما نقلت "معاريف" أن ابن زايد لم يكن يرغب في أن يصبح جزءًا من حملة نتنياهو الانتخابية.
ومع ذلك، أكدت وكالة الأنباء الإماراتية الزيارة، وقالت وزارة الخارجية: إن أبوظبي تحتفظ بخطوط اتصال مفتوحة مع الحكومة الإسرائيلية وتتبادل معها المعلومات الاستخباراتية. كما كانت الإمارات إحدى دولتين عربيتين فقط، إلى جانب البحرين، بقي مندوباهما في قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة خلال خطاب نتنياهو.
وتكشف هذه الوقائع أن الخلافات تدور حول علنية العلاقة وتوظيفها انتخابيًا، أكثر مما تدور حول بنيتها الأساسية. فأبوظبي ترفض أن تتحول العلاقة إلى رصيد في حملة نتنياهو، لكنها لا تسمح لهذا الرفض بأن يمس الأسس التي أرستها مع إسرائيل منذ عام 2020.

الأمن قبل التجارة
ولا تفسر الأرقام الاقتصادية وحدها هذا التمسك بالعلاقة. فبحسب وزارة الخارجية الإماراتية، بلغ التبادل التجاري السلعي بين البلدين 3.209 مليارات دولار عام 2025، دون تغيير كبير مقارنة بالعام السابق، وبعيدًا عن الهدف المعلن بتجاوز 10 مليارات دولار خلال خمس سنوات، عند توقيع اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة عام 2022.
ويميل الميزان التجاري بنحو 80 بالمئة لمصلحة الصادرات الإماراتية، فيما تتركز الصادرات الإسرائيلية في الأحجار الكريمة والأجهزة الدقيقة.
أما الثقل الحقيقي للعلاقة، فيبرز في الجانب الأمني. فمنذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير/ شباط 2026، تعرضت الإمارات لهجمات إيرانية بالصواريخ والطائرات المسيّرة، جعلتها من أكثر دول المنطقة استهدافًا.
وفي خضم الحرب، نشرت إسرائيل على الأراضي الإماراتية بطارية من منظومة "القبة الحديدية"، إلى جانب جنود لتشغيلها، في خطوة وُصفت بأنها الأولى من نوعها في دولة عربية. وأكد السفير الأميركي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، نشر المنظومة وأفراد لتشغيلها في الإمارات.
وتفيد تقارير إعلامية، بينها تقرير لشبكة "سي إن إن"، بأن إسرائيل نقلت منظومة "باراك 8" إلى أبوظبي عام 2022، عقب هجمات الحوثيين، وأن الإمارات تساعد إسرائيل في مجال استخبارات الإشارات. وتحتاج هذه التفاصيل، لا سيما ما يتعلق بالتعاون الاستخباراتي، إلى إسناد مباشر ودقيق للمصدر الذي أوردها.
في المقابل، وجّه قرقاش انتقادات إلى جيرانه الخليجيين، معتبرًا موقفهم خلال الحرب "الأضعف تاريخيًا"، وتوقع أن يتعاظم النفوذ الإسرائيلي في الخليج بدلًا من أن يتراجع.
وتزامن ذلك مع انسحاب الإمارات من منظمة البلدان المصدرة للبترول "أوبك"، بعد نحو ستة عقود من العضوية، في خطوة عكست توجهًا إماراتيًا نحو توسيع هامش استقلالية القرار النفطي. وقد قرأ بعض المسؤولين الإسرائيليين هذا التحول في سياق ابتعاد أبوظبي عن السياسة الخليجية التقليدية، لكن ربط الانسحاب بتعزيز العلاقات مع إسرائيل يظل تفسيرًا سياسيًا يحتاج إلى إسناد مستقل.

خطاب إسرائيلي يدفع نحو تحالف أوسع
في 30 أبريل/ نيسان 2026، نشر موقع "إسرائيل 24" تحليلًا أشاد فيه بالدور الإماراتي في مواجهة إيران، مقدرًا أن دعم الإمارات عسكريًا يمثل ضرورة استراتيجية لإسرائيل.
وفي 1 مايو/ أيار، ذهب تقرير لصحيفة "يديعوت أحرونوت" إلى أبعد من ذلك، إذ دعا إلى تعميق التحالف مع أبوظبي وبناء منظومة دفاع إقليمية مشتركة تقودها إسرائيل.
ويعكس هذا الخطاب رؤية إسرائيلية ترى في الإمارات شريكًا رئيسا في مواجهة إيران، وبوابة لتعزيز النفوذ الإسرائيلي في الخليج.
في المقابل، يطرح هذا التوجه تساؤلات بشأن انعكاساته على موقع الإمارات داخل محيطها العربي والإسلامي، خصوصًا في ظل الانتقادات التي وجهتها أبوظبي للمواقف العربية خلال الأزمة.
كما يعكس الخطاب رغبة إسرائيلية في استثمار الحرب لتعزيز موقعها قوةً مركزيةً في ترتيبات الأمن الإقليمي، مستفيدةً من التحولات الجارية في مواقف بعض الدول العربية.
رسائل دبلن
لا يأتي حضور مبعوث الخارجية الإماراتية، مقصود كروز، من ملف العلاقات مع إسرائيل وحده، بل يرتبط أيضًا بملف مكافحة الإسلام السياسي والتطرف. فكروز هو أول مدير تنفيذي لمركز “هداية” الذي تستضيفه أبوظبي منذ عام 2012، ويرأس حاليًا مجلسه التوجيهي الدولي. وقد عُيّن مبعوثًا لوزير الخارجية الإماراتي لمكافحة التطرف والإرهاب في يناير/ كانون الثاني 2026.
وفي يونيو/ حزيران 2026، عرض كروز أمام نواب أوروبيين رؤية بلاده التي تميز بين التطرف بوصفه أيديولوجيا، والإرهاب بوصفه سلوكًا قد ينبثق عنها. وفي الشهر نفسه، شارك سفير الإمارات لدى الاتحاد الأوروبي في مؤتمر بالبرلمان الأوروبي تناول ما وصفه المشاركون بأنه خطر جماعة الإخوان المسلمين على أوروبا.
بهذا المعنى، تبدو مشاركة دبلن حلقة في سلسلة تحركات تقدم فيها الإمارات نفسها للعواصم الغربية شريكًا في مواجهة الإسلام السياسي والتطرف، وفق مقاربة تحتل فيها الحركات الإسلامية موقعًا مركزيًا، وتتقاطع بعض عناصرها مع الخطاب الإسرائيلي. وهي رسالة تصل أيضًا إلى واشنطن التي شاركت في تنظيم المنتدى عبر مؤسساتها المعنية بمكافحة معاداة السامية.
كما تستند هذه الخطوة إلى صلات سابقة؛ إذ انضم مجلس الجالية اليهودية في الإمارات إلى المؤتمر اليهودي العالمي عام 2020.
المصادر
- 15 طابقا للسفارة الإماراتية.. الاحتلال يصادق على مشروع ضخم في هرتسيليا
- ممثل إماراتي يشارك في مؤتمر يهودي بالعاصمة دبلن.. واحتفاء إسرائيلي
- Committee approves building plans for permanent UAE embassy in central Israel
- Global Jewish Leaders and Government Envoys Meet in Dublin to Advance Action Against Antisemitism
- UAE admits Netanyahu made unannounced visit for talks with MBZ
- UAE 'unlikely' to join international Gaza security force, says Gargash
















