7 أكتوبر.. كيف أغرق المجتمع الصهيوني في أزمة نفسية غير مسبوقة؟

"ارتفعت وصفات المهدئات ومضادات الاكتئاب إلى 17 بالمئة"
“يعاني أكثر من ثلث الإسرائيليين من أمراض نفسية، وبعد ثلاث سنوات على أحداث 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، بات نظام الرعاية الصحية على وشك الانهيار”.
بهذه المقدمة افتتح موقع "دويتشه فيله" الألماني تقريره متحدثا عنا وصفه بـ"أزمة نفسية غير مسبوقة تضرب إسرائيل".

غير مسبوقة
ويشعر الإسرائيلي رونين شاليف باقتراب الذكرى الثالثة لعملية 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 حتى على المستوى الجسدي؛ إذ يقول في حديثه للموقع: "يبدأ المرء بالارتجاف".
وأوضح: "الأمر لا يتعلق بيوم واحد ينتهي ثم نواصل حياتنا، فهناك قبور كثيرة علينا زيارتها، وعائلات كثيرة نلتقي بها، إنها فترة عصيبة يشعر بها جسدك أيضا".
وبحسب الموقع، "كان ابناه، ليئور وروعي، حاضرين في مهرجان نوفا الذي قتل فيه وحده قرابة 400 شخص من أصل أكثر من 1200 قتيل سقطوا خلال الهجوم الذي نفذته حركة المقاومة الإسلامية حماس، إلى جانب مجموعات مرتبطة بها من قطاع غزة".
وتابع: "أدت تلك الهجمات إلى اندلاع الحرب في غزة التي قتلت خلالها القوات الإسرائيلية عشرات الآلاف من الفلسطينيين، فيما تعرض جزء كبير من سكان القطاع للتهجير".
وبالعودة إلى مأساة عائلة شاليف، ذكر التقرير أن "ابنته ليئور نجت من الهجوم، بينما أصيب ابنه روعي بطلق ناري استدعى نقله إلى المستشفى لتلقي العلاج، لكنه اضطر إلى مشاهدة مقتل شريكته مابال آدم أمام عينيه".
وأردف: "وبعد وقت قصير من الهجوم، اختفت زوجة شاليف، غابرييلا، قبل العثور على جثمانها داخل سيارة محترقة، إلى جانب رسالة وداع، ويقول شاليف: (لم تستطع تحمل الألم الذي خلفه ذلك اليوم)".
وفي الوقت نفسه، ذكر التقرير أنه "بدأت تظهر على ابنه روعي أعراض اضطراب ما بعد الصدمة، تمثلت أساسا في تقلبات مزاجية حادة، ويتذكر شاليف تلك الفترة قائلا: (ذهب لتلقي العلاج إرضاء لي، لكنه لم يكن مقتنعا به حقا، فقد كان يعتقد أنه بخير وأنه قوي)".
واستدرك: "غير أنه بعد عامين من وفاة شريكته ووالدته، لم يعد روعي نفسه قادرا على الاستمرار، فكتب في رسالة وداع نشرها عبر حسابه على إنستغرام: (أنا على قيد الحياة، لكنني ميت من الداخل، أنا آسف)".
ولا تقتصر الأزمة على الحالات الفردية، إذ أشار الموقع إلى أن "إسرائيل تعيش منذ أكتوبر 2023 أزمة غير مسبوقة في مجال الصحة النفسية؛ حيث يعاني 39 بالمئة من الإسرائيليين من أعراض متوسطة أو شديدة لاضطراب ما بعد الصدمة، أو الاكتئاب، أو القلق، أو مزيج من هذه الاضطرابات، وفقا لتقرير أصدره مراقب الدولة في فبراير/ شباط 2025".
وأوضح أن "هذه النسبة تعادل نحو 3 ملايين شخص، يعاني 600 ألف منهم أعراضا شديدة بشكل خاص، وتشمل الفئات المتضررة الناجين من الهجمات، إلى جانب الأشخاص الذين أجلوا من منازلهم شمال إسرائيل وجنوبها بسبب الحرب".
ولفت الموقع إلى أن "تقرير مراقب الدولة كشف أيضا أن عدد الأشخاص الذين يتلقون العلاج النفسي ارتفع بنسبة واحد بالمئة فقط منذ 7 أكتوبر 2023، بما يعادل نحو 60 ألف شخص".
غير كاف
وفي سياق التحديات التي تواجه قطاع الرعاية النفسية، أشار الموقع إلى الباحثة نوغا داغان بوزاغلو، من مركز "أدفا" البحثي المعني بدراسة عدم المساواة في المجتمع الإسرائيلي، والتي أعدت مقالا بحثيا موسعا بشأن خدمات الرعاية النفسية في إسرائيل والتحديات التي تواجهها بعد هجمات 7 أكتوبر 2023.
وأوضحت الباحثة في حديثها للموقع أن "مخصصات الرعاية النفسية زادت بالفعل بسبب الحرب، لكنها لا تزال غير كافية، فضلا عن أن إقرارها جاء متأخرا، في وقت يواجه فيه النظام الصحي أزمة مستمرة لم يجر التعامل معها بالشكل المناسب".
وأضافت منتقدة: "يتمثل التحدي الأكبر في إقناع الناس بالعمل في مجال الصحة النفسية ضمن نظام الرعاية الصحية العام؛ لأن الرواتب أقل مقارنة بالقطاع الخاص، بينما أعباء العمل مرتفعة".
ولا تقتصر تداعيات الأزمة على المرضى وحدهم، بل تمتد إلى العاملين في مجال الصحة النفسية أنفسهم، إذ ذكر التقرير أن "دراسة أجرتها جامعة حيفا كشفت أن 84 بالمئة من المعالجين النفسيين الذين قدموا الرعاية للمتضررين من هجمات 7 أكتوبر ظهرت عليهم هم أنفسهم أعراض صدمات نفسية، بينما أفاد 45 بالمئة منهم بأنهم يشعرون باستنزاف نفسي".
وفيما يتعلق بجهود السلطات لمعالجة الأزمة، أوضح الموقع أن "وزارة الصحة الإسرائيلية شددت مرارا على أنها زادت التمويل وعدد الوظائف في منظومة الرعاية النفسية العامة، غير أن نقص الكوادر لا يزال قائما، ولا سيما في المناطق النائية شمالا وجنوبا".
وبحسب التقرير، "تتجاوز فترات الانتظار للحصول على العلاج في نظام الرعاية الصحية العام ستة أشهر بسبب هذه المشكلات"، فيما أوضحت داغان بوزاغلو أن "بعض المرضى اضطروا إلى الانتظار أكثر من عام قبل الحصول على المساعدة".
وأردف الموقع: "تحاول المنظمات غير الحكومية والمتطوعون في مجال الصحة النفسية سد هذه الفجوات، لكنهم غالبا ما يواجهون بدورهم أعباء عمل مرتفعة، ما أدى إلى زيادة الاعتماد على الأدوية التي تصرف بوصفات طبية".
ونوه إلى أنه "وفقا لبيان أصدرته وزارة الصحة الإسرائيلية خلال عام 2026، ارتفعت وصفات المهدئات والأدوية المنومة ومضادات الاكتئاب بنسبة تراوحت بين 13 و17 بالمئة".
وفي ظل هذه الأوضاع، أشار إلى أن "الأشخاص الذين لا يستطيعون تحمل تكاليف العلاج النفسي في القطاع الخاص هم الأكثر تضررا من الأزمة"، فيما وصفت داغان بوزاغلو استجابة نظام الرعاية الصحية العام لهذا الوضع بأنها "سيئة بكل بساطة".

معرضون للخطر
في السياق ذاته، أشار الموقع إلى أن “الجنود الذين لا يزالون في الخدمة يعدون من أبرز المتضررين نفسيا”.
واستطرد: "إذ تشير أرقام نشرها الكنيست والجيش إلى ارتفاع حاد في حالات الانتحار بين جنود الاحتياط، فبينما لم تسجل السنوات الست السابقة للحرب أكثر من حالة انتحار واحدة سنويا، ارتفع العدد إلى 11 حالة خلال عام 2024".
وتابع: "خلال عام 2025، جرى التحقيق في تسع حالات اشتبه بأنها حالات انتحار، ولا تشمل هذه الإحصاءات الجنود السابقين الذين انتحروا بعد انتهاء خدمتهم العسكرية بسبب الصدمات النفسية التي تعرضوا لها".
وفيما يتعلق بظروف الرعاية النفسية داخل الجيش، أوضحت الباحثة داغان بوزاغلو أن "رواتب المتخصصين وظروف عملهم أفضل من نظرائهم في القطاع المدني، غير أن نقص الكوادر يظهر بوضوح داخل المؤسسة العسكرية أيضا".
وأضافت: "حتى داخل الجيش، لا تزال مدة العلاج وجودته غير كافيتين على الإطلاق".
وشددت الباحثة على "ضرورة تخصيص مزيد من الموارد لنظام الرعاية النفسية، بما يضمن تقديم الدعم المناسب للمدنيين والعسكريين على حد سواء"، موضحة: "علينا أن ندرك أن الصدمات النفسية لا تنتهي بعد عام واحد، وهذا يعني ضرورة استثمار الأموال في هذا المجال".
وبالعودة إلى رونين شاليف، ذكر الموقع أنه "يلقي محاضرات بانتظام يتحدث فيها عن أهمية الصحة النفسية، وغالبا ما يكون جمهوره من الجنود".
وأردف: "شخّص الأطباء إصابة شاليف نفسه باضطراب ما بعد الصدمة، لكنه يقول إنه اختار أن يعيش حياته على أكمل وجه، ويسعى إلى كسر المحظور الاجتماعي الذي لا يزال يحيط بالأفكار الانتحارية داخل المجتمع".

















