انتخاب رئيس جديد للمشيخة الإسلامية في البوسنة.. هل يصبح نموذجًا لإسلام أوروبي؟

منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

يحظى انتخاب الرئيس الجديد للمشيخة الإسلامية في البوسنة والهرسك بأهمية تتجاوز حدود البلاد لتشمل المسلمين في أنحاء أخرى من أوروبا.

وبحسب موقع "دويتشه فيله" الألماني، يجسد منصب رئيس العلماء في سراييفو "نموذجا للإسلام ذي الطابع الأوروبي".

مكانة خاصة

وذكر الموقع أن "منصب المشيخة الإسلامية يعد فريدا من نوعه؛ إذ يتولى الزعيم الديني لمسلمي البوسنة والهرسك تمثيلهم أمام الدولة، وإبداء مواقفه بشأن القضايا السياسية والأخلاقية والاجتماعية".

فضلا عن "حماية استقلالية المشيخة الإسلامية في هذا البلد الواقع غرب البلقان من محاولات التدخل الخارجي".

ولم يتمكن رئيس العلماء الحالي، حسين كافازوفيتش، من الترشح مجددا بعد قضائه ولايتين متتاليتين، مدة كل منهما سبع سنوات، فيما تم انتخاب ندجاد غرابوس، مفتي مدينة سراييفو، عاصمة البوسنك والهرسك، رئيسا جديدا للمشيخة الإسلامية.

وبحسب الموقع، "يتمتع غرابوس بأكبر قدر من الخبرة الدولية بين المرشحين، بفضل توليه رئاسة المسلمين في جمهورية سلوفينيا لسنوات طويلة، ويسعى إلى تعزيز تماسك المشيخة الإسلامية في ظل تحديات العولمة وتزايد النزعة العلمانية".

وفي هذا السياق، قال إمام مدينة بينتسبيرغ في ولاية بافاريا الألمانية، بنيامين إدريس: "لا توجد أي شخصية إسلامية أخرى في أوروبا تتمتع بمكانة مماثلة للمكانة التي يحظى بها رئيس العلماء في سراييفو".

وأضاف: "لذلك، تكتسب هذه الانتخابات أهمية خاصة تتجاوز حدود البوسنة، سواء بالنسبة للمسلمين أو غير المسلمين في أوروبا".

من جانبه، قال رئيس مجلس إدارة الجمعية الإسلامية للبوشناق في ألمانيا، زناهير مراكوفيتش: "تكتسب هذه الانتخابات أهمية بالنسبة إلينا، نظرا لارتباطنا الوثيق بالمشيخة الإسلامية في البوسنة على المستويات التاريخية والعقائدية والمؤسسية".

وأشار الموقع إلى أن "المسلمين البوسنيين يطلقون اليوم على أنفسهم اسم البوشناق، فيما تعد الجمعية الإسلامية للبوشناق في ألمانيا من بين الاتحادات الإسلامية الأصغر حجما في البلاد وتضم نحو مئة مسجد موزعة على مختلف أنحاء ألمانيا".

وأوضح أن "الوجود الإسلامي في البوسنة والهرسك يعود إلى قرون مضت، بعدما وصل الإسلام إلى جنوب شرق أوروبا مع توسع الإمبراطورية العثمانية، غير أن الهيكل التنظيمي للمشيخة الإسلامية لم يتشكل إلا بعد انتقال إدارة البوسنة إلى الإمبراطورية النمساوية المجرية بموجب مؤتمر برلين عام 1878”.

وأكمل: "وفي ذلك الوقت، اعترفت السلطات الجديدة بالإسلام بوصفه جماعة دينية رسمية، على غرار الكنائس المسيحية، قبل أن تستحدث منصب رئيس العلماء عام 1882".

نموذج فريد 

ويرى الموقع أن "هذا الشكل من التنظيم الذاتي للمسلمين يمكن أن يشكل نموذجا يحتذى به في أنحاء أوروبا".

وعزا ذلك إلى أن "المشيخة الإسلامية في البوسنة تتمتع باستقلالية عن الدولة، وتعتمد في تمويلها على مواردها الذاتية، من خلال التبرعات واشتراكات الأعضاء وأموال الزكاة التي يقدمها المؤمنون".

وأوضح الموقع أن "المشيخة تمتلك هيئة تشريعية تشبه البرلمان تعرف باسم (سابور)، إلى جانب محكمة دستورية تتولى مراقبة مدى توافق أنشطة المشيخة مع دستور البلاد، فيما تضطلع الهيئة الإدارية المعروفة باسم (الرياسة) بمسؤولية التنفيذ العملي للقرارات".

وتابع: "أما رئيس العلماء، فينتخبه مجلس انتخابي يضم ممثلين عن سابور والرياسة، إلى جانب المفتين وكبار الأئمة ورؤساء الوحدات الإدارية الإسلامية، ومديري المدارس والكليات الإسلامية، فضلا عن ممثلين للجاليات البوسنية في الخارج والمكاتب الخارجية للمشيخة".

واستدرك: "غير أن تمثيل النساء في هذا المجلس لا يزال محدودا للغاية، إذ لا يتجاوز عددهن 13 امرأة من أصل 398 عضوا يحق لهم المشاركة في انتخاب رئيس العلماء".

ووفق الموقع، "نجحت المشيخة الإسلامية في البوسنة خلال السنوات الـ150 الماضية في تجاوز العديد من الأنظمة السياسية، والتكيف مرارا مع الظروف والمتغيرات الجديدة".

واستطرد: "إذ شهدت البلاد بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية حكم الإمبراطورية النمساوية المجرية، ثم مملكة يوغوسلافيا، تلاها النظام الشيوعي بقيادة جوزيف بروز تيتو، وصولا إلى تفكك يوغوسلافيا وحرب البوسنة التي انتهت باتفاق دايتون عام 1995".

وبحسب وصفه، فإن "البوسنة اليوم دولة علمانية ذات دستور ديمقراطي، فيما حرصت المشيخة الإسلامية على النأي بنفسها بوضوح عن التيارات المتطرفة، مع الحفاظ على تعايش طبيعي ومتجذر في الحياة اليومية مع المسيحيين واليهود".

وأردف: "تنعكس ثقافة التعايش هذه أيضا على نحو 400 ألف مسلم من أصول بوسنية يعيشون في ألمانيا".

قواسم مشتركة

وفي هذا السياق، قال الإمام السابق والباحث في معهد اللاهوت الإسلامي بجامعة أوسنابروك الألمانية، إسناف بيغيتش: "ينبغي الاستفادة من خبرات الجمعية الإسلامية للبوشناق بدرجة أكبر مما هو قائم حاليا، في إطار عملية تنظيم الوجود الإسلامي في ألمانيا على أسس مؤسسية".

وتابع: "فنحن مسلمون أوروبيون أصليون، ولدينا في بعض الجوانب قواسم مشتركة مع الألمان أكثر مما لدينا مع المسلمين القادمين من أفغانستان أو إيران أو السعودية".

من جانبه، يرى رئيس مجلس إدارة الجمعية الإسلامية للبوشناق في ألمانيا، زناهير مراكوفيتش، أن "التجربة البوسنية في تنظيم الحياة الدينية داخل مجتمع ديمقراطي تعددي يمكن أن تكون مفيدة أيضا في التعامل مع الجاليات الإسلامية الأخرى".

وأضاف موضحا: "لا يتعلق الأمر بفرض الطريقة التي ينبغي للآخرين ممارسة الإسلام بها، بل بمشاركة تجربتنا الخاصة، وكيف نستطيع الحفاظ على هويتنا الدينية، وفي الوقت نفسه أن نكون جزءا طبيعيا من مجتمع أوروبي ديمقراطي".

وشدد مراكوفيتش على "أهمية إبراز واقع الإسلام ذي الطابع الأوروبي كما يعيشه المسلمون في حياتهم اليومية، وألا يقتصر تسليط الضوء عليه على النقاشات المتعلقة بالاندماج والهجرة والصراعات".

وبحسب مراكوفيتش، فإن "الجمعية الإسلامية للبوشناق في ألمانيا تعمل على تحقيق ذلك من خلال تشجيع المساجد التابعة لها على أداء دور فاعل في المجتمع، ليس بوصفها أماكن للصلاة فحسب، بل أيضا مساحات للتواصل والتلاقي مع المدارس والجمعيات والكنائس وسكان الأحياء المجاورة".

غير أن الباحث إسناف بيغيتش يرى أن "هناك مجالا لبذل المزيد من الجهود في هذا الاتجاه"، قائلا: "ينبغي على المسلمين البوسنيين تعزيز تواصلهم مع الأوساط السياسية ووسائل الإعلام والرأي العام في ألمانيا، وكذلك مع الكنائس والجاليات اليهودية".

وأضاف أن "ضمان استدامة هذا التواصل يتطلب إعداد أئمة الجمعية الذين تلقوا تعليمهم الديني في البوسنة بصورة أفضل للعمل في ألمانيا، نظرا لاختلاف الواقع المعيشي والاجتماعي بين البلدين"، مشددا على "ضرورة أن يولي رئيس العلماء الجديد اهتماما أكبر بهذه القضية".

بدوره، ذكر الموقع أن "الجمعية الإسلامية للبوشناق في ألمانيا تولي أهمية لمستقبل التعاون بين المساجد التابعة لها والمشيخة الإسلامية في البوسنة، وكيفية تنظيم هذه العلاقة خلال المرحلة المقبلة".

وفي هذا الصدد، قال رئيس مجلس إدارتها زناهير مراكوفيتش: "سيكون من المهم بالنسبة إلينا معرفة الأولويات التنظيمية والإستراتيجية التي ستتبناها القيادة الجديدة".

وتابع: "شهدت جمعيتنا في ألمانيا نموا كبيرا خلال العقود الماضية، وأصبح لدينا اليوم مساجد وأئمة وبرامج تعليمية خاصة بنا، إلى جانب جيل شاب نشأ وترعرع في هذا البلد".

تأثير خارجي

ويعتقد التقرير أن "الرئيس الجديد للمشيخة الإسلامية في البوسنة سيتولى منصبه في ظروف صعبة، إذ لا يزال كيان الدولة في البوسنة والهرسك هشا، في وقت تسعى فيه أطراف خارجية إلى توسيع نفوذها داخل البلاد".

وفي هذا الإطار، قال الباحث في اللاهوت الإسلامي إسناف بيغيتش: إن "محاولات التأثير الخارجي تأتي أيضا من واشنطن وبرلين وبروكسل، إذ تسعى هذه الأطراف بدورها إلى التأثير على رئيس العلماء بما يخدم مصالحها وتوجهاتها".

من جانب آخر، لفت التقرير إلى أن "العنصرية المعادية للمسلمين وظاهرة الإسلاموفوبيا في أوروبا بلغتا مستويات تثير مخاوف متزايدة لدى المسلمين، بالتزامن مع تصاعد نفوذ التيارات الشعبوية اليمينية، واتساع قاعدة التأييد للأحزاب المتطرفة".

ووفق تحليله، "تسعى هذه الأحزاب إلى حرمان المسلمين من حقهم في المشاركة في الحياة المجتمعية، الأمر الذي يعزز التوقعات بأن يؤدي رئيس العلماء الجديد دورا أكبر في النقاشات المتعلقة بالإسلام في أوروبا، مستندا إلى ما يتمتع به منصبه من شرعية ديمقراطية وتاريخية".

ويشارك الإمام بنيامين إدريس، من مدينة بينتسبيرغ الألمانية، هذه التطلعات، إذ يرى أن "رئيس العلماء يستطيع بث الثقة والطمأنينة ليس في نفوس البوشناق وحدهم، بل لدى المسلمين في أنحاء أوروبا كافة".

ولا يقتصر دوره المنشود، بحسب إدريس، على مخاطبة المسلمين، إذ أكد أن "بإمكانه كذلك توجيه رسالة إلى مجتمعات الأغلبية في أوروبا مفادها أن الإسلام جزء أصيل من القارة الأوروبية، وأنه يتبنى قيما مثل سيادة القانون والعدالة بين الجنسين وحرية التعبير، ويجعلها جزءا من منظومته القيمية".