أفغانستان.. صفقة نفطية تثير تساؤلات بشأن صراع النفوذ قرب إيران

"نفوذ القطريين والسعوديين على طالبان أكبر من النفوذ الإيراني"
تشهد أفغانستان تطورات متزامنة على المستويين الداخلي والإقليمي، مع تصاعد تحركات الفصائل المناهضة لطالبان، بالتوازي مع بروز تحولات إقليمية جديدة تعيد طرح موقع كابول ودورها في التفاعلات الجارية بالمنطقة.
وبحسب صحيفة "8 صبح" المعارضة لحركة طالبان، "تكثف جبهة حرية أفغانستان، والجبهة الوطنية للمقاومة، والجبهة المتحدة تحركاتها ضد طالبان، مع تركيزها بصورة منظمة ومدروسة على تنفيذ هجمات بأسلوب حرب العصابات".
وفي موازاة تصاعد هذه التحركات، أشارت الصحيفة الأفغانية إلى "تطورات أخرى مرتبطة بأفغانستان، وبالدور الذي يمكن أن تؤديه أو الموقع الذي قد تشغله في الحرب بين إيران والولايات المتحدة، موضحة أن هذه التطورات تستدعي مزيدا من المتابعة والدراسة".

تطورات معقدة
وفي تطور لافت، ذكر المقال أن "شركة دلتا النفطية السعودية أبرمت أخيرا عقدا نفطيا مع طالبان، وتولى زلمي خليل زاد التوسط في إبرام العقد، رغم أنه لا يعمل رسميا نيابة عن الحكومة الأميركية".
وتنص الاتفاقية الموقعة على استكشاف واستخراج النفط والغاز في حوض كوشك-تيربل في غرب أفغانستان، باستثمار أولي يبلغ نحو 200 مليون دولار، على أن يمتد مدة العقد إلى 25 عاما.
وزلمي خليل زاد، هو دبلوماسي أميركي من أصل أفغاني، يعد من أبرز الشخصيات الأميركية التي ارتبط اسمها بالملف الأفغاني، وشغل سابقا منصب المبعوث الأميركي الخاص إلى أفغانستان، وتولى دورا رئيسا في المفاوضات بين واشنطن وطالبان التي أفضت إلى اتفاق الدوحة عام 2020.
وفي هذا السياق، قدرت الصحيفة أن "أنشطة السعودية والولايات المتحدة في غرب أفغانستان بالتعاون مع طالبان لا تقتصر على استخراج النفط والغاز، بل تتجاوز ذلك إلى الجغرافيا والنفوذ، وإقامة حلقة اقتصادية جديدة، وربما أمنية أيضا، في جوار إيران".
وعلى الجانب الآخر، أشارت الصحيفة إلى "ورود تقارير من إيران تفيد بأن قوة القدس التابعة للحرس الثوري أنشأت معسكرا عسكريا للواء فاطميون في إقليم سيستان وبلوشستان، الواقع على الحدود مع غرب أفغانستان"
ويرى المقال إلى أن "وضع هذا التطور في سياق التحركات الجارية في غرب أفغانستان يظهر أن الطرفين يعملان على اختبار وتعزيز عمقهما الأمني على جانبي الحدود".
من جهتها، تعمل طالبان، بحسب الصحيفة، على "قمع "مجمع خاتم النبيين" و"اللجنة العليا للشيعة في أفغانستان"، رغم أن هذه الجهات والمؤسسات كانت تشكل شبكة التواصل بين طهران وطالبان، قبل أن تصبح فجأة هدفا لحملة القمع".
وبحسب قراءة الصحيفة، فإنه "ينبغي النظر إلى هذا التغير في سلوك طالبان في سياق التطورات الإقليمية، لا بمعزل عنها".
وتابعت: "ورغم أن طهران لم تتردد بعد في التعاون بأي شكل مع جماعة طالبان، فإن نفوذ القطريين والسعوديين على طالبان ظل في نهاية المطاف أكبر من النفوذ الإيراني".
من هنا، تفسير الصحيفة "هذه التطورات المعقدة، يعني أن جماعة طالبان "الإرهابية" خلصت، بتشاور مع خليل زاد وشبكات قومية علمانية خارج أفغانستان، إلى أن عليها، في خضم الحرب الدائرة بين أميركا وإيران (التي تشارك فيها السعودية بصورة غير مباشرة)، أن تبقى إلى جانب الرياض وواشنطن"، على حد قولها.
ومن هنا، فسرت الصحيفة هذه التطورات المعقدة بالقول: إن "جماعة طالبان خلصت، بعد التشاور مع خليل زاد وشبكات قومية علمانية خارج أفغانستان، إلى أن عليها، في خضمّ الحرب الدائرة بين أميركا وإيران -والتي تشارك فيها السعودية بصورة غير مباشرة- أن تبقى إلى جانب الرياض وواشنطن"، على حد قولها.
ورقة صامتة
من هذا المنظور، وصفت الصحيفة طالبان بـ"الورقة الصامتة" لأميركا، وقالت: "قد تبدو طالبان، ظاهريا، على خلاف مع أميركا، لكن هذا الخلاف الظاهري لا ينبغي أن يحجب المصالح المشتركة التي نشأت بين الطرفين في بعض المجالات".
وبحسب رأيها، "بعد انسحاب القوات الأميركية من أفغانستان، لم تعد واشنطن بحاجة إلى إرسال جنود إلى البلاد مجددا لتحقيق جميع أهدافها".
بعبارة أخرى، تعتقد الصحيفة أنه "إذا بقيت طالبان مسيطرة على الجغرافيا الأفغانية، وقيدت نشاط معارضي أميركا وإيران، وأبقت المجال مفتوحا أمام النشاط الاقتصادي لحلفاء الولايات المتحدة، ومنعت في الوقت نفسه الانهيار الكامل للهيكل الحاكم، فبوسع واشنطن أن تواصل تحقيق جزء من أهدافها عبر هذا الهيكل نفسه من دون وجود عسكري مباشر".
ووفقا لها، "يمكن النظر إلى اتفاق الدوحة أيضا في هذا الإطار، فقد مهد الاتفاق عمليا الطريق أمام انسحاب القوات الأميركية، وحول طالبان من قوة مقاتلة إلى الطرف الرئيس في المفاوضات بشأن مستقبل أفغانستان".
واستطردت: "خرجت أميركا من أفغانستان، لكن ارتباطاتها وأدوات نفوذها لم تخرج منها بالكامل".
بتعبير أوضح، ترى أنه "يمكن النظر إلى اتفاق الدوحة ليس فقط بوصفه اتفاقا لإنهاء الحرب بين أميركا وطالبان، بل أيضا بوصفه بداية مرحلة تمكنت فيها طالبان من السيطرة على السلطة داخليا، بينما احتفظت أميركا، من دون وجود عسكري مباشر، بأدوات أخرى للحفاظ على نفوذها".
بل وزعمت أنه "يمكن فهم مسألة الأربعين مليون دولار التي تدخل البلاد أسبوعيا للمساعدات الإنسانية وتلبية احتياجات أفغانستان في هذا الإطار نفسه".
وعزت ذلك إلى أن "هذه الأموال، وإن كانت تقدم رسميا على أنها مساعدات إنسانية ولا يمكن عدّها بأكملها أموالا تدفع مباشرة إلى طالبان، فإن تدفقا ماليا بهذا الحجم في بلد تسيطر فيه طالبان على السلطة والاقتصاد والأمن لا يمكن فصله تماما عن الحسابات السياسية".
وأردفت: "تستفيد طالبان من استمرار هذا التدفق المالي، فيما تستطيع أميركا -عبر الإبقاء عليه- منع الانهيار الاقتصادي الكامل لأفغانستان، مع الاحتفاظ في الوقت نفسه بأداة نفوذ".
في الوقت نفسه، نوَّهت قائلة: "وبالطبع، فإن وصف طالبان بأنها ورقة صامتة لا يعني أنها تنفذ أوامر الولايات المتحدة لحظة بلحظة، وإنما يعني أنها قد تشكل هيكلا يمكنه، من دون وجود أميركي مباشر، المضي في تنفيذ جزء من أهداف أميركا والغرب في المنطقة"، على حد تعبيرها.
وأضافت: "فالقوة الكبرى لا تحتاج دائما إلى أن تكون حاضرة بنفسها في الميدان؛ وأحيانا يكفي أن يكون هناك هيكل في الميدان يعمل بما يخدم مصالح تلك القوة".

حلقة ضغط
وزعمت الصحيفة أن "الرياض بصدد نشر عناصر استخباراتية، وربما بعض القوات القتالية أيضا، في غرب أفغانستان قرب الحدود الشرقية لإيران تحت غطاء النشاط الاقتصادي".
في هذا الصدد، تعتقد أنه "إذا تحول الوجود الاقتصادي السعودي في غرب أفغانستان مع مرور الوقت إلى شبكات أمنية واستخباراتية وحماية، فلن يكون من الممكن النظر إليه بوصفه مجرد مشروع اقتصادي".
وأرجعت ذلك إلى أنه "في مثل هذه التحركات، يبدأ الأمر بدخول الاستثمارات، ثم إنشاء المنشآت، وبعد ذلك تصبح حماية هذه المنشآت أولوية، وفي نهاية المطاف تتشكل شبكة من الأشخاص وحركة التنقلات والاتصالات في منطقة معينة".
"وفي مثل هذا السيناريو، قد يتمثل الهدف الرئيس لأميركا في استخدام أفغانستان لممارسة ضغوط على إيران من جهة الشرق، وهي ضغوط لا تستلزم بالضرورة اللجوء إلى حرب مباشرة"، قال المقال.
وأكمل: "فمن جهة، تواصل واشنطن ممارسة ضغوط اقتصادية وضغوط مرتبطة بالطاقة على إيران، ومن جهة أخرى، يمكنها الاستفادة من الجغرافيا الأفغانية لاستكمال حلقة الضغط من الشرق".
أما السعودية، فهي -بحسب المقال- "تؤدي دورا اقتصاديا وإقليميا في هذا الترتيب؛ إذ قد تشكل الاستثمارات في قطاع الطاقة، وإنشاء مسارات جديدة للنقل والتجارة، والاقتراب من الحدود الإيرانية، أجزاء من هذه الخطة".
ولفتت الصحيفة إلى أن "حصار إيران لا يقتصر على إغلاق الحدود، بل يمكن أن يمتد إلى مجالات الاقتصاد والطاقة والتجارة والسياسة والأمن".
وتابعت: "فحين تتأسس مسارات اقتصادية وبدائل للطاقة في أفغانستان بمعزل عن الدور الإيراني، وتتنامى بالتزامن استثمارات ونفوذ الدول المنافسة لطهران قرب حدودها الشرقية، تكتمل حلقة أساسية في إستراتيجية الحصار البري المفروض على إيران".
وفي هذا السياق، نوَّه المقال إلى أن "مسألة نقل النفط والطاقة تكتسب أهمية أيضا، فإقامة مسارات منافسة حول إيران، وتغيير أنماط اعتماد دول المنطقة في مجال الطاقة، يمكن أن يشكلا جزءا من الضغوط الاقتصادية".
وبحسب وجهة نظره، "ليس الهدف بالضرورة أن تعمل أفغانستان على عرقلة صادرات النفط الإيرانية بصورة مباشرة، بل قد يتمثل في إقامة بيئة اقتصادية وطاقوية منافسة حول إيران، بما يؤدي تدريجيا إلى فقدان طهران جزءا من ميزتها الجغرافية والاقتصادية".
وأردف: "ومن هنا، بدأت تتشكل لعبة جديدة، وتكمن تعقيداتها في أن باكستان لا تزال -في الظاهر- على خلاف جوهري مع طالبان، بينما يقدم حلفاء باكستان في هذه اللعبة الجديدة دعما لطالبان". على حد زعمها.
على صعيد داخلي، أشار إلى أنه في ظل ما وصفه بـ"إعلان هذا الدعم الرسمي والفعلي للجبهة المناهضة لإيران في الحرب، أقدمت أيضا على تفكيك المؤسسات والأشخاص المقربين من إيران".
في المقابل، أشارت الصحيفة إلى أن "إيران تدرك أيضا حجم الخطر الذي قد تشكله طالبان".
وفي ظل هذه المعطيات، تشدد على أن "إيران لا يمكن أن تقف متفرجة وتسمح بسهولة بتحول أفغانستان إلى قاعدة نفوذ للسعودية والغرب بالقرب من حدودها".
ولذلك، لفتت إلى أنه "كلما ازداد حضور منافسي إيران في أفغانستان، زادت جهود طهران للحفاظ على شبكات نفوذها وتعزيز عمقها الأمني في الشرق".
ومن ثم، أوضح المقال أن "قوات لواء فاطميون في إقليم سيستان وبلوشستان، الواقع جنوب شرقي إيران على الحدود مع أفغانستان، تكتسب أهمية خاصة؛ إذ لا تريد طهران أن تجد نفسها من دون أدوات للردع في مواجهة أي تغير في المشهد الأمني على حدودها الشرقية".
أجندات خفية
وهكذا، خلصت الصحيفة إلى أنه "بالنسبة إلى أميركا، يمكن أن تمثل أفغانستان ساحة للضغط على إيران، وفي الوقت نفسه أداة لاحتواء الصين وروسيا وغيرهما من المنافسين الإقليميين، من دون أن تضطر واشنطن إلى تحمل كلفة وجود عسكري مباشر من جديد".
أما بالنسبة إلى السعودية، فأوضحت أن "وجودها في غرب أفغانستان يمكن أن يوسع نفوذها الاقتصادي والسياسي، وقد يتحول، إذا اتسع نطاقه ليشمل مشروعات الطاقة والتجارة والممرات الإقليمية، إلى موقع مهم بالقرب من إيران، بما يمنحه بعدا جيوسياسيا يتجاوز الجانب الاقتصادي".
فيما تمثل هذه المعادلة لطالبان "فرصة للحصول على الأموال والاستثمارات والدعم الخارجي والحفاظ على السلطة"، بحسب الصحيفة.
في المقابل، يرى المقال أن "أولية إيران تتمثل في منع تشكل حلقة معادية على حدودها الشرقية".
واستطرد: "ووسط كل هذا، تحاول باكستان الحفاظ على نفوذها في أفغانستان، في وقت تواجه فيه هي نفسها خلافات أمنية مع طالبان بسبب نشاط حركة طالبان الباكستانية".
ونوهت الصحيفة إلى أن "الجانب الأكثر إثارة للقلق في هذه المعادلة هو أن أفغانستان ليست الهدف النهائي لأي من هذه القوى".
وتابعت موضحة: "فأفغانستان تمثل موقعا جغرافيا يضم النفط والغاز والحدود والممرات والجماعات المسلحة، والأكثر أهمية من ذلك أنها تقع في موقع يمكن أن يؤثر في إيران وآسيا الوسطى وباكستان والصين".
وهذه المكانة الجغرافية -وفقا له- هي "ما يجعل أفغانستان ذات قيمة بالنسبة إلى القوى الكبرى، ويعيد وضع الشعب الأفغاني أمام خطر تحوله مرة أخرى إلى أداة في صراعات الآخرين".
ومن ثم، تؤكد على أنه "لا ينبغي النظر إلى ما يحدث اليوم في غرب أفغانستان على أنه مجرد اتفاق نفطي، كما لا ينبغي عدّ ما يحدث في شرق إيران وفي أوساط الشبكات المقربة من طهران مجرد تحرك عسكري".
وأردفت: "فقد تكون هذه التطورات أجزاء من لعبة أكبر، تحل فيها الأدوات الاقتصادية محل الرصاص، والاستثمارات محل الجيوش، والنفوذ السياسي والاستخباراتي محل الوجود العسكري الرسمي".
وفي المحصلة، "إذا وضعنا هذه التطورات إلى جانب بعضها، تتضح صورة أوسع: فأميركا لم تتخلَّ عن أفغانستان بالكامل بعد انسحابها العسكري، وإنما تغير شكل نفوذها".
وعليه، تعتقد أنه "يمكن لطالبان، في هذه الحالة، أن تتحول إلى ورقة غير معلنة، بل وحتى إلى طرف يعمل بصورة غير مباشرة لصالح أميركا؛ إذ تسيطر على السلطة في أفغانستان ويمكنها، من دون وجود أميركي مباشر، أن تدفع ببعض أهداف واشنطن في المنطقة".
وبحسب زعمها، "كان اتفاق الدوحة بداية لهذه المرحلة، فيما تمثل مواصلة التدفقات المالية إحدى أدوات الحفاظ على الاستقرار والنفوذ داخل هذا الهيكل".
ومن ثم، اختتم المقال بالقول: إن "التحركات الأميركية والسعودية في المنطقة قد تضيف مزيدا من الضغوط على إيران، وتحد تدريجيا من نفوذها الاقتصادي والطاقي والإقليمي، في حين تسعى طهران إلى تعزيز أدواتها الأمنية وشبكات نفوذها للحيلولة دون تشكل حلقة نفوذ معادية على حدودها الشرقية".
واستطرد: "وبذلك، يبدو أن أفغانستان تتحول إلى إحدى ساحات التنافس غير المباشر بين إيران والولايات المتحدة وشركائها الإقليميين".

















