19 مليار دولار.. كيف استغلت إسرائيل 7 أكتوبر لتسريع صفقات السلاح؟

حسن عبود | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

بعد ثلاثة أعوام على إخفاق 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، دخلت الصناعات العسكرية في إسرائيل مرحلة توسع قياسية في الصادرات والطلبيات، مستفيدة من موجة تسلح عالمية بدأت قبل الهجوم، ثم من الطلب الذي رافق العدوان على غزة واتساع العمليات إلى لبنان وإيران واليمن. 

ودفعت سنوات القتال المصانع إلى زيادة الإنتاج والعمالة والاستثمار، ووسعت حضور شركات التقنيات العسكرية الناشئة، فيما رفعت حكومة الاحتلال تدخلها المباشر في الصفقات الخارجية.

ومع وصول صفقات حكومة-لحكومة إلى أكثر من نصف صادرات 2025، بات بيع السلاح مرتبطًا بصورة أوثق بتمويل بناء القوة وفتح الأسواق وتعميق العلاقات الأمنية مع الدول المشترية.

العدوان يسرّع الصفقات

بدأ صعود صادرات السلاح الإسرائيلية قبل 7 أكتوبر بسنوات؛ إذ أعلنت وزارة جيش الاحتلال في 14 يونيو/حزيران 2023 أن قيمة عقود 2022 بلغت 12.546 مليار دولار، بعدما سجلت 11.3 مليارًا في 2021.

وجاء النمو آنذاك مع ارتفاع الطلب في أوروبا وآسيا وتوسع العلاقات العسكرية التي أعقبت اتفاقيات أبراهام التطبيعية، فيما استحوذت الطائرات المسيّرة والصواريخ وأنظمة الدفاع الجوي على جزء مهم من الصادرات.

واصلت العقود ارتفاعها إلى 13.073 مليار دولار في 2023، ثم 14.795 مليارًا في 2024، قبل أن تقفز بنحو 30 بالمئة إلى 19.2 مليارًا في 2025 مسجلة خامس رقم قياسي سنوي على التوالي.

وترافق ذلك مع تحول في طبيعة الطلب؛ إذ ارتفعت حصة الصواريخ وأنظمة الدفاع الجوي من 19 بالمئة من صادرات 2022 إلى 36 بالمئة في 2023 ثم 48 بالمئة في 2024، قبل أن تنخفض حصتها النسبية في 2025 مع توسع الطلب على الرادارات والمراقبة والبصريات والطيران وأنظمة القيادة والسيطرة. 

وتوضح صفقة منظومة “آرو-3” للدفاع الصاروخي بعيد المدى مع ألمانيا أن جانبًا مهمًا من الطلب الأوروبي سبق عملية طوفان الأقصى.

فقد وافقت برلين في 15 يونيو 2023 على بدء إجراءات الحصول على المنظومة، ثم أجازت واشنطن الصفقة في أغسطس/آب، قبل توقيع العقد الكامل في نوفمبر/تشرين الثاني بقيمة 3.6 مليارات دولار.

وجاءت الخطوة ضمن مسار أوروبي واسع لتعزيز الدفاع الجوي والصاروخي بعد الحرب الروسية على أوكرانيا، ثم اكتسبت المنظومة سجلًا عملياتيًا جديدًا بعد 7 أكتوبر مع استخدامها في اعتراض صواريخ بعيدة المدى أطلقت نحو إسرائيل.

وفي ديسمبر/كانون الأول 2025، وقعت برلين توسعة إضافية للصفقة بقيمة 3.1 مليارات دولار، رفعت قيمة اتفاقات "آرو" مع ألمانيا إلى أكثر من 6.7 مليارات، وقالت وزارة جيش الاحتلال: إن هذه التوسعة كانت من العوامل التي دفعت صادرات 2025 إلى مستواها القياسي.

ويضع معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام “سيبري”، الصعود الإسرائيلي ضمن طفرة عالمية أوسع؛ إذ قال في مارس/آذار 2026 إن حجم نقل الأسلحة الكبرى عالميًا ارتفع 9.2 بالمئة خلال 2021-2025 مقارنة بالفترة 2016-2020، فيما زادت واردات الدول الأوروبية 210 بالمئة.

وخلال الفترة نفسها ارتفعت حصة إسرائيل من صادرات الأسلحة الكبرى من 3.1 إلى 4.4 بالمئة لتصبح سابع أكبر مصدر عالمي. 

ويربط زين حسين، الباحث في برنامج نقل الأسلحة لدى سيبري، نمو حصة إسرائيل بالطلب المرتفع على أنظمة الدفاع الجوي التي تتمتع شركات الاحتلال بحضور قوي فيها، في وقت رفعت فيه الدول الأوروبية ميزانياتها العسكرية وسرّعت شراء الصواريخ والرادارات وأنظمة الاعتراض بعد غزو روسيا لأوكرانيا.

أضاف العدوان المستمر منذ أكتوبر 2023 زخمًا آخر لهذا المسار، وقد ربط مسؤولو وزارة جيش الاحتلال بصورة مباشرة بين أداء المنظومات في الميدان ونمو الطلب الخارجي. 

وعند إعلان نتائج صادرات 2024 في يونيو 2025، قال وزير جيش الاحتلال يسرائيل كاتس: إن الرقم القياسي ارتبط بما وصفه بإنجازات الجيش على جبهات غزة ولبنان واليمن وإيران، فيما قال المدير العام للوزارة اللواء احتياط أمير برعام: إن الاهتمام الدولي ازداد بالمنظومات التي تابعت الحكومات أداءها خلال العمليات الأخيرة.

ويقدم العميد احتياط ساسون حداد، الرئيس السابق لقسم الميزانيات في وزارة جيش الاحتلال والباحث في اقتصاديات الأمن، قراءة تجمع بين أثر السوق العالمية وأداء المنظومات الإسرائيلية خلال القتال.

ففي دراسة نشرها معهد القدس للإستراتيجية والأمن (إسرائيلي)، في 7 سبتمبر/أيلول 2026، ربط حداد رقم 2025 القياسي بارتفاع الطلب العالمي ونقص الطاقة الإنتاجية الدولية والأداء العملياتي للمنظومات الإسرائيلية و"الإصلاحات الحكومية" التي سهلت التصدير.

إعادة تشكيل الصناعة 

تزامن توسع الأسواق الخارجية مع ضغط كبير على المصانع داخل إسرائيل؛ فقد احتاج جيش الاحتلال إلى تدفق مستمر من الذخائر والصواريخ وأنظمة الاعتراض والاستطلاع والاتصالات، بينما واصلت الشركات تنفيذ عقودها الأجنبية.

ودفع تزامن الطلبين إلى تشغيل خطوط إنتاج على مدار الساعة وزيادة المخزونات وتوسيع المنشآت والتوظيف، فيما ارتفعت دفاتر الطلبيات إلى مستويات تضمن للشركات الكبرى سنوات من الإنتاج. 

وتظهر شركة "إلبيت سيستمز" الإسرائيلية للصناعات العسكرية جانبًا من حجم التحول؛ إذ رفعت مخزوناتها ووسعت العمل إلى ثلاث نوبات خلال العدوان بعدما استدعي نحو ألفي موظف لديها إلى قوات الاحتياط في مراحله الأولى. 

وفي 2025 ارتفعت إيرادات الشركة إلى نحو 7.9 مليارات دولار، فيما تجاوز رصيد طلبياتها 28 مليارًا مع نمو الطلب من جيش الاحتلال والأسواق الخارجية. 

وسجلت شركة “رافائيل لأنظمة الدفاع المتقدمة” توسعًا مماثلًا، فقد زادت منشآتها واستثماراتها في البحث والتطوير واستقطبت نحو ألفي موظف جديد خلال 2025، بينما تجاوز رصيد طلبياتها 23 مليار دولار.

وامتد التوسع إلى شركات التقنيات العسكرية الناشئة؛ إذ وسعت إدارة البحث والتطوير العسكري "مفآت"، الذراع التابعة لوزارة جيش الاحتلال والمسؤولة عن تطوير التقنيات الجديدة، تعاملها مع هذا القطاع بعد 7 أكتوبر.

واختارت "مفآت" في 2026 صندوقي استثمار لجذب رأس المال الخاص إلى التقنيات العسكرية، في خطوة قال أمير برعام إنها تستهدف تعزيز الاستقلال التكنولوجي والتصنيعي ومواكبة الاحتياجات التي أظهرتها سنوات القتال.

وشرح غال هراري، نائب رئيس التكنولوجيا في “مفآت” لصحيفة “كالكاليست” الاقتصادية الإسرائيلية في أبريل/نيسان 2025، أن الوزارة بدأت خلال العدوان العمل مع شركات لم تكن ضمن شبكة مورديها سابقًا، فيما نقل مهندسون ورواد أعمال خدموا في الاحتياط احتياجات ظهرت بالميدان إلى فرق التطوير.

وساعد هذا الاتصال على تسريع حلول في مجالات المسيّرات والاتصالات والذكاء الاصطناعي والحماية والاستطلاع، وتقليص المدة بين ظهور الحاجة العسكرية واختبار المنتج.

لكن التوسع كشف في الوقت نفسه حدود الطاقة الصناعية الإسرائيلية، فقد تناول ساسون حداد في دراسة نشرها مركز "دادو" للتفكير العسكري متعدد المجالات، التابع لجيش الاحتلال، في فبراير/شباط 2026 اختناقات ظهرت خلال القتال في القدرة الإنتاجية والمخزونات والمواد الخام وسلاسل التوريد. 

ويرتبط ذلك ببنية قطاع يوجه نسبة كبيرة من إنتاجه إلى الخارج، ما يزيد الضغط على خطوط الإنتاج نفسها عندما يرتفع طلب جيش الاحتلال والعملاء الأجانب في وقت واحد.

ويرى حداد أن أثر الصادرات على القدرة العسكرية يرتبط بطريقة تنفيذ العقود؛ إذ تستطيع الصفقة الخارجية تمويل خط إنتاج جديد أو شراء معدات وتوسيع شبكة الموردين وزيادة العمالة، فيما يزيد العقد المنفذ على خط يعمل بطاقته القصوى الضغط على احتياجات جيش الاحتلال. 

ولهذا دعا خلال دراسته في سبتمبر/أيلول 2026 إلى تقييم الصادرات وفق ما تضيفه إلى الطاقة الإنتاجية وسلاسل التوريد والبحث والتطوير والقدرة على مواصلة قتال طويل، إلى جانب قيمتها المالية.

وأعادت هذه الضغوط ملف الاستقلال في الذخائر إلى واجهة التخطيط العسكري؛ إذ دفعت القيود التي واجهت بعض الإمدادات الأميركية خلال العدوان على غزة إلى زيادة الاستثمار في الإنتاج المحلي للذخائر ومحركات الصواريخ والصواريخ الاعتراضية ومكونات أخرى. 

وتبقى حدود هذا التوجه واضحة في الاعتماد على الخارج؛ إذ أظهرت بيانات "سيبري" أن واشنطن وفرت 68 بالمئة من واردات تل أبيب من الأسلحة الكبرى خلال 2021-2025، مقابل 31 بالمئة لبرلين، كما تعتمد على الطائرات القتالية الأميركية وتستورد ذخائر وقدرات أخرى استخدمت بكثافة خلال العدوان. 

السلاح أداة دولة

توسع حضور حكومة الاحتلال داخل تجارة السلاح مع صعود صفقات حكومة-لحكومة، وهي اتفاقات تتولى فيها وزارة الجيش التعاقد مع الحكومات الأجنبية بينما تنفذ الشركات عمليات التطوير والتوريد. 

ووصلت قيمة هذا النوع من العقود إلى نحو 10 مليارات دولار في 2025، أي أكثر من نصف إجمالي صادرات السلاح لذلك العام، بعدما كان حجمه أقل بكثير خلال السنوات السابقة.

وتربط هذه الآلية الصفقة بعلاقة أمنية أطول من فترة التسليم؛ إذ تشمل العقود في كثير من الحالات التدريب والصيانة والدعم الفني والتعاون الصناعي ونقل المعرفة.

وفي نوفمبر 2025 أقرت وزارة جيش الاحتلال إصلاحات لتبسيط إجراءات التصدير وتوسيع قائمة الدول التي يمكن للشركات تسويق بعض المنتجات إليها بإجراءات أسرع، وربطت الخطوة بزيادة الطلب العالمي وبالحاجة إلى توسيع الأسواق والقاعدة الصناعية. 

في الشهر نفسه، حدّد أمير برعام موقع التصدير في السياسة العسكرية خلال المؤتمر السنوي لهيئة الرقابة على الصادرات العسكرية “أفي”، المسؤولة عن تراخيص التسويق والتصدير؛ إذ ربط زيادة الصادرات بتمويل منظومات جديدة لجيش الاحتلال ودعم الصناعة والاقتصاد وتعزيز التأثير الخارجي. 

وتظهر خريطة صادرات 2025 اتساع قاعدة المشترين؛ إذ استحوذت أوروبا على 36 بالمئة من العقود وآسيا والمحيط الهادئ على 32 بالمئة، فيما بلغت حصة دول اتفاقيات أبراهام نحو 15 بالمئة مقارنة بـ12 في 2024. 

وجاء نمو الأسواق العربية مع توسع التعاون العسكري مع الإمارات والمغرب والبحرين، بينما واصلت الهند ودول آسيوية أخرى شراء الأنظمة الإسرائيلية مع زيادة اشتراطات الإنتاج المحلي ونقل التكنولوجيا.

يظهر أثر الاستخدام الميداني في التصدير بوضوح في صفقة "درع أخيل" مع اليونان في أغسطس 2026، إذ وقعت وزارتا الجيش اتفاقًا لإنشاء شبكة دفاع جوي متعددة الطبقات تعتمد على منظومات إسرائيلية، وربطتا المشروع بالخبرة العملياتية التي راكمتها تلك الأنظمة خلال سنوات القتال.

في المقابل، واجه توسع الصادرات ضغوطًا سياسية في بعض الأسواق، فقد أغلقت فرنسا في يونيو 2025 أجنحة أربع شركات إسرائيلية في معرض باريس الجوي إثر خلاف بشأن الأسلحة المعروضة، كما ألغت إسبانيا عقودًا مع شركات إسرائيلية.

وقال يوآف تورغمان، الرئيس التنفيذي لشركة "رافائيل"، لصحيفة "كالكاليست" في أغسطس 2025 إن المناخ الدولي أثر في فرص بيع كانت متاحة للشركة رغم استمرار ارتفاع رصيد طلبياتها.

ويضع ساسون حداد استمرار الطفرة أمام اختبار السنوات المقبلة، مع توسع أوروبا واليابان ودول أخرى في صناعاتها العسكرية وازدياد اشتراط التصنيع المحلي ونقل التكنولوجيا.

ويرى أن قدرة الشركات الإسرائيلية على تحويل الطلب الراهن إلى خطوط إنتاج وموردين وقدرات تستمر بعد انحسار موجة الشراء العالمية ستحدد القيمة طويلة المدى للأرقام القياسية الحالية، فيما باتت حكومة الاحتلال تربط صادرات السلاح بصورة متزايدة بتمويل بناء القوة وتوسيع الصناعة وتعميق العلاقات الأمنية مع الحكومات الأجنبية.