أرض الصومال تراهن على باب المندب.. هل تنتزع اعتراف واشنطن؟

منذ ٤ ساعات

12

طباعة

مشاركة

وسط الاضطرابات التي خلّفتها حرب إيران في البحر الأحمر والأسواق العالمية، رأت "أرض الصومال" الانفصالية في هذه التطورات فرصة لتعزيز مساعيها للحصول على اعتراف أميركي طال انتظاره، فدفعت برئيسها إلى واشنطن.

ووفق تقرير لمجلة "ريسبونسبل ستيتكرافت" الأميركية، استغل رئيس "أرض الصومال" الفوضى الجيوسياسية والاقتصادية التي أحدثتها الحرب لزيارة واشنطن، داعيا إلى اعتراف أميركي بإقليمه وإلى تعميق العلاقات الاقتصادية بين الجانبين.

وذكرت المجلة أن الرئيس عبد الرحمن محمد عبد الله، الملقب "عِرُّو"، ظهر علنا في "معهد هدسون" يوم 14 سبتمبر/أيلول 2026، محتجّا بأن مسيرة بلاده على مدى ثلاثة عقود ونصف ككيان آمن يحكم نفسه تستحق اعترافا من الولايات المتحدة.

وقال عِرُّو: إنه "ليس جيولوجيا"، لكن خبراء يوضحون له أن بلاده تملك "كل شيء" قد ترغب فيه الولايات المتحدة من معادن حرجة، وأنه سيسعد بتقديمها لواشنطن مقابل علاقات أعمق.

ورقة الاعتراف

وأوضحت المجلة أن "أرض الصومال"، التي تعلن انفصالها من طرف واحد بينما يعدّها المجتمع الدولي جزءا من الصومال، كافحت عقودا لنيل اعتراف دولي.

ولفتت إلى أن قرار إسرائيل غير المتوقع، في ديسمبر/كانون الأول 2025، بأن تكون أول حكومة في العالم تعترف بـ"أرض الصومال"، أثار تساؤلات عن الدول الأخرى التي قد تحذو حذوها.

وأضافت أن "أرض الصومال" تنفي أن يكون الاعتراف جزءا من صفقة متبادلة، لكن الإعلان عنه أعقبه بقليل حديث عن إقامة شراكة أمنية مع إسرائيل، قد تشمل منح الإسرائيليين وصولا عسكريا إلى أراضيها.

ورأت المجلة أنه إذا كانت هناك لحظة لمسؤولي "أرض الصومال" لعرض قضية الاعتراف، فهي الآن، فالإقليم يقع في واحد من أكثر المواقع أهمية جيوإستراتيجية في العالم.

وبيّنت أن "أرض الصومال"، بساحل يمتد نحو 530 ميلا على خليج عدن المتصل بالبحر الأحمر عبر مضيق باب المندب البالغ الأهمية، تقع في قلب طريق شحن حيوي، وعلى حافة ساحة حرب إيران المتمددة.

وتقع مدينة بربرة، الميناء الرئيس لـ"أرض الصومال"، مقابل الساحل اليمني عبر الخليج مباشرة، ما يضع محرّكها الاقتصادي الأبرز في مرمى هجمات حوثية محتملة.

وأدى المتمردون الحوثيون دورا كبيرا في توسيع رقعة حرب إيران الدائرة، حيث استهدفوا مرارا سفنا تعبر البحر الأحمر، إضافة إلى منشآت للطاقة واللوجستيات في السعودية.

ولفتت المجلة إلى أن مكاسبهم اللافتة على الساحل الجنوبي الغربي لليمن في الأسابيع الأخيرة، بما فيها الاستيلاء على مدينة المخا قرب باب المندب، تعني أنهم يسيطرون بصورة متزايدة على الساحل اليمني المحاذي للمضيق، ما يمنحهم نفوذا إضافيا.

ورأت أنه إذا ظل التوصل إلى سلام دائم بعيد المنال، فقد تسعى إيران إلى استخدام موقع الحوثيين لإغلاق الملاحة فعليا عبر باب المندب، الذي لا يتجاوز عرضه نحو 18 ميلا في أضيق نقطة.

وأوضحت أن هذا سيحاكي الإستراتيجية الإيرانية في مضيق هرمز على الجانب الآخر من شبه الجزيرة العربية، فبإغلاق الملاحة عبر هرمز وباب المندب معا، يوقف الإيرانيون وحلفاؤهم شبه كل التجارة البحرية التي تربط الشرق الأوسط بالمحيط الهندي.

ونبّهت المجلة إلى أن ذلك “يفاقم صدمة الإمداد العالمية المستمرة، خصوصا في الطاقة، وأن الإيرانيين يعتقدون أنه كلما اشتد الألم على جيوب العالم، تعاظم احتمال أن يبلغ الضغط حدا يدفع واشنطن وتل أبيب إلى التفاوض على نهاية فعلية للحرب”.

ظهور متعثّر

وذكر التقرير أن حجة عِرُّو للاعتراف بسيطة، إذ تعمل "أرض الصومال" كدولة وظيفية وآمنة نسبيا منذ إعلان انفصالها عن الصومال عام 1991، ولها جيشها وشرطتها، وخفر سواحل يحمي مياهها على خليج عدن من القراصنة وغيرهم.

وفي مخاطبة للتقدير الغربي التقليدي للديمقراطية، قال عِرُّو إن قدرة "أرض الصومال" على إجراء انتخابات منتظمة، وإن كانت تتأخر كثيرا، مؤشرٌ آخر على قدرتها على الحكم بصورة جيدة.

ووصفت المجلة ظهوره في "معهد هدسون" بأنه كان متعثّرا، إذ ظل عِرُّو، البالغ 70 عاما، يقهقه بصورة بدت خارجة عن السيطرة، وعجز عن بلورة رؤية للمنطقة الأوسع.

وأوردت أنه شبّه في إحدى اللحظات السودان المجاور بفنزويلا، قائلا إن السودان، مثل الدولة الواقعة في أميركا اللاتينية، "بعيد جدا" عن "أرض الصومال" بما لا يتيح له إبداء رأي في الحرب هناك، رغم أن المسافة بينهما لا تتجاوز نحو 460 ميلا.

ونقلت المجلة عن المسؤول الاستخباراتي الأميركي السابق المتخصص في شؤون إفريقيا، كاميرون هدسون، قوله على منصة "إكس" إن عِرُّو "أساء كثيرا إلى نفسه وبلاده بعدم استعداده أو عجزه عن الرد بإقناع على قضايا جادة ستحدد مستقبل بلاده".

وأضاف هدسون أن "الأمر كان أشبه بمشاهدة بايدن إفريقي".

وأفادت المجلة بأن عِرُّو عقد، في 22 سبتمبر، مأدبة إفطار مع مجموعة من أعضاء الكونغرس من الحزبين ومن المجلسين، ومع مجموعة من السفراء.

وأوردت أنه التقى فرادى عددا من أعضاء الكونغرس، بينهم السيناتور تيد كروز والنائبان جون روز وجون مولينار، وبحث معهم قضايا متنوعة تتصل بالأمن والتجارة والاستثمار.

ولفتت إلى أنه، إضافة إلى مسؤولين أميركيين، التقى أعضاء من السفارة الإسرائيلية في واشنطن، ومنهم السفير.

ثمن الاعتراف

وذكرت المجلة أنه منذ تولّي ترامب منصبه، رأت "أرض الصومال" فرصة للضغط من أجل اعتراف أميركي، إذ عرض الإقليم الانفصالي عام 2025 على الولايات المتحدة فتح قاعدة عسكرية على ساحله مقابل الاعتراف.

وأوضحت أن إدارة ترامب درست العرض بجدية بحسب ما ورد، لكن القلق من تعقيد مثل هذا الاعتراف لعلاقات واشنطن بحكومات المنطقة القريبة ثنى الرئيس الأميركي عن الموافقة.

وتابعت أن اعترافا كهذا سيضرّ أيضا بعلاقات أميركا بالصومال، الذي يبقى شريكا رئيسا في مكافحة الإرهاب ضد حركة الشباب المرتبطة بتنظيم القاعدة.

ومع ذلك يبدو أن الحضور العسكري الأميركي في المنطقة يتنامى، إذ تشير تقارير حديثة إلى أن الولايات المتحدة أرسلت أفرادا عسكريين إلى بونتلاند، جارة "أرض الصومال" الشرقية، وهي إقليم آخر يطالب بالاستقلال عن الصومال.

ورأى التقرير أنه رغم تصدّع النظام الفيدرالي وانعدام الأمن، يبقى الصومال عضوا في الاتحاد الإفريقي وجامعة الدول العربية، ما يتيح له روابط وثيقة مع جيرانه الإقليميين.

وأضافت المجلة أن اعتراف واشنطن بـ"أرض الصومال" يهدد بالإضرار بعلاقات أميركا بهذه القاعدة الواسعة من الدول عبر الشرق الأوسط وإفريقيا.

وفيما يتعلق بما تبديه "أرض الصومال" من استعداد لتقديمه مقابل الاعتراف، أو على الأقل مقابل علاقات أعمق، نقلت المجلة عن عِرّو قوله لموقع "سيمافور" إنه مستعد للنظر في منح نفاذ عسكري أكبر.

وأضاف أن ذلك قد يشمل بناء قاعدة عسكرية كما عرض من قبل، إضافة إلى إتاحة الوصول إلى الموارد الطبيعية الغنية لبلاده.

ولفتت المجلة إلى أنه، في مناشدة موجّهة إلى ترامب مباشرة، ألمح إلى إمكان تسمية مطار مدينة بربرة، الذي يضم أحد أطول المدارج في القارة، باسم الرئيس الأميركي.

وختمت بأنه سيظل تحديا لقيادة "أرض الصومال" إقناع الولايات المتحدة بالاعتراف بها ما دام الصومال شريكا أميركيا في مكافحة الإرهاب، وما دام المحيط الإقليمي الأوسع يعارض استقلالها.

ورأت المجلة أنه إذا تغيّر أحد هذين العاملين، وظلت منطقة الخليج بؤرة صراع، فإن التموضع الجيوسياسي والعسكري العالمي سيُبقي النقاش قائما على الأقل.