ربع أسر غزة تعيلها نساء.. هكذا غيّر العدوان الإسرائيلي شكل العائلة الفلسطينية

حسن عبود | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

خلال 3 سنوات من العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، انتقلت عشرات آلاف النساء فجأة إلى موقع المسؤول الأول عن أسرهن بعد استشهاد الأزواج أو فقدهم واعتقالهم وإصابتهم، وسط انهيار مصادر الدخل وتكرار النزوح وصعوبة الوصول إلى الغذاء والماء والعلاج.

في أحدث تقدير نشرته هيئة الأمم المتحدة للمرأة في 8 سبتمبر/أيلول 2026، أصبحت النساء يترأسن نحو 86 ألفًا و290 أسرة، أي قرابة ربع أسر القطاع، وهي قفزة واسعة مقارنة بما كان عليه الوضع قبل بدء العدوان في أكتوبر/تشرين الأول 2023، فيما امتد أثر هذا التحول إلى توزيع مسؤوليات الإعالة والرعاية والقرار داخل الأسرة نفسها.

معيلات الأسر

أعاد هذا التحول ترتيب الحياة داخل آلاف البيوت؛ إذ اجتمعت لدى المرأة مسؤوليات الإعالة والرعاية وإدارة المال واختيار المأوى والحصول على المساعدات، فيما انتقل جزء من أعمال البيت والرعاية وتأمين الدخل إلى الأبناء والبنات والأقارب.

بدأ التغير يظهر في الأرقام منذ الأشهر الأولى للعدوان واتسع مع استمرار الخسائر البشرية، فقد سجل الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني (رسمي) أن النساء كن يترأسن نحو 12 بالمئة من أسر قطاع غزة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2023.

وارتفعت النسبة إلى قرابة 18 بالمئة خلال سبتمبر وأكتوبر 2025، بزيادة بلغت 50 بالمئة، وقد ربط الجهاز في تقرير نشره في 8 مارس/آذار 2026 هذا التحول بفقدان أعداد كبيرة من الرجال المعيلين، مشيرًا إلى أن 22 ألفًا و57 امرأة فقدن أزواجهن منذ بدء العدوان.

ومع استمرار العدوان، اتسعت الخسائر البشرية التي دفعت هذا التحول؛ إذ قالت وزارة التنمية الاجتماعية الفلسطينية ووزارة الدولة لشؤون الإغاثة في 12 أغسطس/آب 2026 إن أكثر من 28 ألف امرأة في غزة فقدن أزواجهن، وإن أعدادًا كبيرة منهن أصبحت تتحمل المسؤولية الكاملة عن أسرها.

يشمل هذا التحول أيضًا زوجات المفقودين والمعتقلين والمصابين بإصابات بالغة ومن بقي مصير أزواجهن مجهولًا، وهي فئات أدخلتها هيئة الأمم المتحدة للمرأة ضمن تقديرها للأسر التي أصبحت النساء على رأسها.

وتظهر بيانات الهيئة مسارًا مشابهًا لاتساع الظاهرة، ففي موجز نشرته في 17 أبريل/نيسان 2026 قدرت عدد الأسر التي ترأسها نساء بأكثر من 58 ألفًا و600 أسرة، تعادل نحو 14 بالمئة من أسر غزة، مقابل نحو 9 بالمئة قبل أكتوبر 2023.

ثم رفعت في تقريرها الصادر في 8 سبتمبر التقدير إلى 86 ألفًا و290 أسرة، أي نحو 23 بالمئة. ويرتبط الفارق بين النسب باختلاف الفترة ومنهجية التقدير، بينما يظهر المصدران الاتجاه نفسه نحو ارتفاع عدد الأسر التي ترأسها نساء.

وتوضح حالة أم أحمد الغندور في دير البلح وسط القطاع ما يعنيه هذا التحول، فقد استشهد زوجها خلال العدوان وأصبحت مسؤولة عن سبعة أفراد.

وقالت هذه السيدة في شهادة مصورة نشرت على وسائل التواصل نهاية سبتمبر 2026: إنها باتت تؤدي دور الأم والأب معًا، وتتولى تعليم أبنائها وتأمين المياه والغاز واحتياجات المنزل اليومية. مضيفة "في كل كبيرة وصغيرة، أنا المسؤولة عنهم".

تزداد صعوبة هذا الدور مع انهيار سوق العمل الذي يفترض أن يوفر للمعيلة مصدر دخل؛ إذ بلغت مشاركة النساء في القوى العاملة بغزة نحو 17 بالمئة خلال سبتمبر وأكتوبر 2025، بينما وصلت البطالة بين النساء المشاركات بسوق العمل إلى 92 بالمئة مقابل 81 بالمئة بين الرجال، وفق الجهاز المركزي للإحصاء.

وأصبحت آلاف النساء بذلك مسؤولة عن إعالة أسرهن في وقت تراجع فيه العمل والأجور والمشاريع الصغيرة، وأصبحت المساعدات النقدية والغذائية والعمل المؤقت والأنشطة المنزلية المحدودة من الأدوات القليلة المتاحة لتدبير المعيشة.

ووصف إبراهيم الحواجري، الباحث في المركز الفلسطيني للدراسات السياسية برام الله، في تحليل نشره في 4 مايو/أيار 2026 هذا الواقع بـ"اقتصاد البقاء".

ورأى أن اتساع مسؤولية المرأة الاقتصادية واتخاذها قرارات أكبر داخل الأسرة يجريان وسط هشاشة شديدة في الدخل وفرص العمل، فيما تراجعت قدرة العائلة الممتدة على إسنادها بسبب النزوح وفقد السكن والعمل الذي أصاب أفرادها بدورهم.

أسر بلا دخل ثابت

تكشف بيانات السكن والنزوح حجم الضغط الذي تتحمله هذه الأسر؛ فقد وجدت هيئة الأمم المتحدة للمرأة أن 68 بالمئة من الأسر التي ترأسها نساء لديها احتياجات غير مُلَبّاة في المأوى، مقابل 55 بالمئة لدى الأسر التي يرأسها رجال، كما تعرضت مساكن 74 بالمئة منها للضرر أو التدمير مقابل 67 بالمئة لدى الأسر الأخرى.

ونزحت هذه الأسر ثماني مرات في المتوسط منذ أكتوبر 2023، مقابل سبع مرات لدى الأسر التي يرأسها رجال، فيما قالت 67 بالمئة منها: إنها تحتاج بصورة عاجلة إلى مساعدات نقدية للبقاء.

ويضيف النزوح إلى مسؤوليات المعيلة البحث عن مأوى وتأمين المياه والطعام والدواء ووسائل الطهي والوصول إلى مراكز المساعدة.

وفي تقرير نشرته في مارس 2025، قالت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة: إن النساء يتحملن أصلًا القسم الأكبر من أعمال رعاية الأطفال والمرضى وذوي الإعاقة وكبار السن، وإن تدمير البنية التحتية والنزوح المتكرر ضاعفا الوقت والجهد اللازمين لهذه الأعمال.

وهو ما اضطر آلاف النساء إلى إعادة تأسيس حياة أسرهن في أماكن جديدة مرات متتالية خلال العدوان الإسرائيلي على القطاع.

ويضاف إلى ذلك فقدان الوثائق الرسمية أثناء القصف والنزوح، والذي أثر في نساء فقدن عقود الزواج وأوراق الهوية ووثائق أخرى مطلوبة لإثبات بيانات الأسرة والحصول على بعض الخدمات.

وتزداد أهمية هذه المشكلة مع ملفات التعويض والسكن والملكية وإعادة الإعمار، كون المرأة التي أصبحت على رأس الأسرة ستحتاج إلى التعامل بنفسها مع الجهات الرسمية والإغاثية وإثبات حقوق أسرتها وممتلكاتها.

وتواجه المعيلات صعوبة أخرى في الوصول إلى المساعدات؛ إذ قالت هيئة الأمم المتحدة للمرأة في 8 يونيو/حزيران 2026: إن الرجال القادرين على الانتظار في الطوابير كانوا يحصلون على حصة أكبر من بعض المساعدات خلال مراحل من العدوان.

وهو ما دفع الهيئة وبرنامج الأغذية العالمي إلى إعطاء أولوية لـ14 ألفًا و716 أسرة ترأسها نساء ضمن شراكة بدأت في نوفمبر/تشرين الثاني 2023.

كما خصصت بعض المخابز نوافذ للنساء لتسهيل حصولهن على الخبز، بعدما أصبحت طريقة الوصول إلى نقطة التوزيع نفسها عاملًا يحدد قدرة الأسرة على الحصول على احتياجاتها.

وفي تدقيق للسلامة نشره في 17 سبتمبر 2026، وجد صندوق الأمم المتحدة للسكان أن المسافة والازدحام وصعوبة نقل المواد ومتطلبات التسجيل والافتقار إلى الخصوصية تخلق عوائق إضافية أمام النساء في مواقع النزوح ومراكز الخدمات.

فيما أظهرت بيانات هيئة الأمم المتحدة للمرأة أن 19 بالمئة من الأسر التي ترأسها نساء أبلغت عن مخاوف تتعلق بالأمان والحماية، مقابل 8 بالمئة من الأسر التي يرأسها رجال.

وتوضح حالة أم أنس الصعيدي في دير البلح كيف يمكن للخسائر المتتابعة أن تنقل مسؤولية الإعالة بين أفراد الأسرة؛ فقد فقدت زوجها، ثم ابنها الأكبر الذي انتقلت إليه مهمة إعالة الأسرة بعد الأب، ثم ابنها الأصغر، وبقي معها ابن من ذوي الإعاقة يحتاج إلى رعاية وعلاج مستمرين.

وقالت لـ"يورونيوز" نهاية سبتمبر 2026: إنها تخرج بنفسها للحصول على الطعام وشراء الخبز والدواء، وترافق ابنها إلى المستشفيات والعيادات، فيما تفتقر الأسرة إلى مصدر دخل ثابت، لتنتقل مسؤولية الإعالة داخل البيت من الأب إلى الابن ثم إلى الأم.

وتظهر بيانات منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف” حجم الضائقة الاقتصادية التي تعيشها الأسر في غزة، بحسب ما أظهر تقييم أجرته بين 21 ديسمبر/كانون الأول 2025 و15 يناير/كانون الثاني 2026 وشمل 2071 أسرة في أنحاء غزة.

ووجدت أن نحو نصف الأسر كان دخلها خلال الشهر السابق أقل من 500 شيكل (الدولار يساوي 3 شواكل)، وأن 43 بالمئة اضطرت إلى بيع أصول لتغطية احتياجاتها، فيما اعتمدت 23 بالمئة على المساعدات النقدية بوصفها مصدر الدخل الرئيس.

وصنفت اليونيسف الأسر التي ترأسها النساء ضمن الفئات الأكثر تعرضًا لضغوط سبل العيش والوصول إلى الخدمات.

هكذا تغيّرت الأدوار

أدى غياب الأب في آلاف الأسر إلى انتقال جانب كبير من القرارات اليومية إلى المرأة، فأصبحت المعيلة تختار مكان النزوح وتحدد كيفية إنفاق المبلغ المتاح وتقرر أولوية الغذاء والدواء، وتتابع تسجيل الأسرة للمساعدات وتعليم الأطفال وعلاجهم.

وقالت رئيسة العمل الإنساني في هيئة الأمم المتحدة للمرأة صوفيا كالتورب، خلال إحاطة في جنيف في سبتمبر 2026: إن النساء اللواتي قابلتهن الهيئة يحملن مسؤولية إدارة الأسرة وحمايتها وتلبية احتياجاتها وسط موارد شديدة الندرة، ويواجهن قرارات تتعلق بكيفية توزيع تلك الموارد بين أفراد البيت.

لكن قدرة المرأة على اتخاذ القرار بقيت مرتبطة بالدخل والملكية والوضع القانوني وعلاقتها بالعائلة الممتدة، فقد وثقت لجنة التحقيق الدولية التابعة للأمم المتحدة حالات واجهت فيها أرامل صعوبات مرتبطة بالحضانة والولاية والوصول إلى ميراث الزوج.

كما سجلت زيادة القيود على الحركة والخصوصية لدى بعض النساء اللواتي اضطررن إلى العيش مع أقاربهن بعد النزوح، ولذلك توسعت مسؤولية المرأة داخل البيت بدرجات متفاوتة تبعًا للدخل والملكية والعائلة الممتدة وقدرتها على الوصول إلى المؤسسات والمساعدات.

ووصلت إعادة توزيع المسؤوليات إلى الأطفال أيضًا، ففي تقييم نشرته في مايو 2026، وجدت اليونيسف أن 6.5 بالمئة من الأطفال الذين شملهم المسح فقدوا أحد الوالدين منذ أكتوبر 2023، وأن 5.3 بالمئة كانوا يعيشون من دون رعاية والدية.

وتولى الأقارب رعاية 92 بالمئة من الأطفال الذين عاشوا دون رعاية والدية، ما أعاد إلى الجدات والعمات والخالات والأشقاء الأكبر سنًا أدوارًا أوسع في الرعاية، داخل عائلات تعرضت هي الأخرى للفقد والنزوح وتراجع الدخل.

أما الأبناء الأكبر سنًا، فوجدوا أنفسهم أمام مسؤوليات كانت تقع على الكبار؛ إذ قالت اليونيسف: إن الفتيات يتعرضن بصورة متزايدة للأعمال المنزلية والرعاية على حساب الحركة والتعليم، فيما يواجه الفتيان ضغطًا للدخول إلى أعمال غير رسمية للمساهمة في دخل الأسرة.

وأفادت 17 بالمئة من الأسر بأن الأولاد الذكور يتحملون المسؤولية الرئيسة عن جلب المياه، فيما شارك 8 بالمئة من الأطفال في أعمال ضارة أو خطرة خلال الأسبوع السابق للمسح، شملت حمل أوزان والعمل لساعات طويلة وأنشطة تؤثر في الدراسة.

وفي حالة وثقتها اليونيسف في أكتوبر 2025، أصبحت سمر من شمال غزة مسؤولة عن خمسة إخوة أصغر منها بعد فقد والدتها، بينما كان والدها قد توفي قبل العدوان، وقالت: إن إخوتها صاروا ينادونها "ماما".

ولا تمر هذه المسؤوليات من دون أثر نفسي على من يقود الأسرة ومن يعتمد عليه، فقد أظهر تقييم اليونيسف أن 62 بالمئة من مقدمي الرعاية شعروا بالإرهاق أو الحزن أو العجز عن التعامل مع الضغط خلال الأسبوعين السابقين للمسح.

وظهرت بين الأطفال اضطرابات في النوم لدى 40 بالمئة، والتبول اللاإرادي لدى 32 بالمئة، والسلوك العدواني لدى 19 بالمئة والانطواء لدى 15 بالمئة، وبدأت الغالبية الساحقة من هذه الأعراض بعد أكتوبر 2023.

وربطت المنظمة الحالة النفسية لمقدم الرعاية بقدرته على توفير الاستقرار والدعم العاطفي للأطفال، ما يضاعف العبء على المرأة التي تجمع بين الإعالة والرعاية وهي تعيش الفقد والصدمة نفسها.

وفي تقرير نشره مكتب منسق الأمم المتحدة الخاص لعملية السلام في الشرق الأوسط في 24 سبتمبر 2026، جرى التحذير من أن التعافي في غزة يحتاج إلى التعامل مع التغير الذي طرأ على بنية الأسر، خصوصًا في ملفات الدخل والسكن والملكية والتعويض والرعاية.

ومع اتساع الأسر التي تقودها النساء وانتقال أدوار الرعاية والعمل إلى الأبناء والأقارب، أصبح تغير شكل العائلة في غزة واحدًا من أعمق الآثار الاجتماعية التي خلّفها العدوان، ويتوقع أن تبقى تداعياته حاضرة في مرحلة التعافي وإعادة بناء المجتمع.