3 سنوات على الطوفان.. صمود أسطوري لغزة يُفشل مخططات التصفية والتهجير

وقعت عملية طوفان الأقصى بعد حصار استمرَّ لسنوات على قطاع غزة وتوترات متكررة حول المسجد الأقصى
تحل اليوم الذكرى الثالثة لعملية "طوفان الأقصى" المباغتة التي نفذتها فصائل المقاومة الفلسطينية فجر 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وغيّرت موازين الصراع في المنطقة وأعادت القضية الفلسطينية إلى صدارة المشهد العالمي، وكسرت هيبة المنظومة الأمنية والعسكرية للاحتلال الإسرائيلي.
وأحْيَت الأوساط الفلسطينية والعربية، في 7 أكتوبر 2026 الذكرى السنوية الثالثة لعملية "طوفان الأقصى" التي انطلقت شرارتها الأولى في السابع من أكتوبر عام 2023.
وعملية "طوفان الأقصى" نفذتها كتائب القسام الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية حماس بمشاركة فصائل أخرى (الجهاد الإسلامي وغيرها) فجر 7 أكتوبر 2023.
وشملت اقتحاماً برياً عبر الحدود، إطلاق صواريخ كثيف، واستهداف مواقع عسكرية ومستوطنات ومهرجان موسيقي، وجاءت بعد سنوات من الحصار على غزة وتوترات متكررة حول المسجد الأقصى والاعتقالات والتوسعات الاستيطانية.
وشهدت مختلف مناطق قطاع غزة، على الرغم من ركام الدمار الواسع والظروف المعيشية القاسية، مظاهر متعددة لإحياء الذكرى والتأكيد على الالتفاف الشعبي حول خيار المقاومة والثبات في الأرض.
صمود الراية
بدورها، أكدت حركة المقاومة الإسلامية حماس، في بيان رسمي أن "راية الشعب الفلسطيني لم ولن تسقط، وأن المقاومة متجذرة في أرضها وملتفة حول ثوابتها الوطنية دفاعاً عن القدس والأقصى".
كما شنت الحركة هجوماً لاذعاً على التصريحات الدولية، لا سيما بيان الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في ذكرى 7 أكتوبر، مقدرة أنه يتبنى رواية الاحتلال المتهاوية ويجتزئ الأحداث من سياقها التاريخي المتمثل في عقود من الحصار والعدوان.
وقالت الحركة في تصريح صحفي: إن بيان غوتيريش تضمن "مغالطات ثبت زيفها وتجاوزا لحقائق ثابتة"، مطالبة إياه بالتراجع عما وصفته بـ"الافتراءات".
كما استنكرت "حماس" استخدام غوتيريش "لغة مخففة" في تناول الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل في غزة منذ 3 سنوات وما خلّفته من مجازر ودمار واسع.
وجاء موقف الحركة ردا على بيان أصدره غوتيريش في ذكرى 7 أكتوبر، وصف فيه الهجوم الفلسطيني على إسرائيل بأنه "إرهابي مروع وواسع النطاق". وقال: إن مدنيين تعرضوا خلاله للقتل المتعمد، كما تحدث عن اعتداءات جنسية وانتهاكات بحق أسرى إسرائيليين.
ارتباك الاحتلال
وفي المقابل، خيَّمت أجواء من التوتر والاستنفار الأمني الشديد داخل الكيان الإسرائيلي؛ وحالة تأهب أمني قصوى فرضها وزير الدفاع يسرائيل كاتس استناداً إلى معلومات استخباراتية عن احتمال تنفيذ عمليات.
كما تجمع ذوو القتلى والأسرى الإسرائيليين فجر اليوم في موقع مهرجان "نوفا" ومحيط غلاف غزة، وسط دوي انفجارات ونداءات غاضبة تطالب بمحاسبة القيادة السياسية والعسكرية على الإخفاق الإستراتيجي الأكبر في تاريخ الدولة العبرية.
وتأتي هذه الذكرى في وقت يواجه فيه قطاع غزة تحديات هائلة لإعادة الإعمار والتعافي إثر التداعيات الكارثية للحرب.
من جانبه، أكد رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال مراسم إحياء الذكرى في جبل هرتزل، عزم حكومته على منع حركة حماس من العودة لحكم قطاع غزة، متوعداً بملاحقة كافة أجنحة المقاومة.
وفي ذات السياق، أقرّ رئيس أركان الجيش الإسرائيلي ومسؤولون أمنيون بالإخفاق المرير والمرتعد الذي لحق بالمؤسسة العسكرية الإسرائيلية في السابع من أكتوبر، واصفين العجز عن حماية القواعد والمستوطنات بأنه "عار لم يُمحَ بعد".
قادة الميدان
وأفرزت معركة "طوفان الأقصى" نموذجاً فريداً في قيادة الميدان؛ حيث تقدم القادة الصفوف الأولى واستشهدوا جنباً إلى جنب مع أبناء شعبهم.
ومثّل يحيى السنوار، قائد حركة حماس، العقل المدبر والمهندس الأول لتفاصيل هذا العبور العسكري غير المسبوق "طوفان الأقصى"؛ إذ نجح عبر سنوات من التخطيط الأمني الصارم في بناء منظومة أنفاق وشبكة عسكرية استخباراتية حطمت هيبة "الجيش الذي لا يقهر".
وقاد السنوار التخطيط والتنفيذ السري للهجوم مع محمد الضيف، رئيس الجناح العسكري، وقضى سنوات طويلة في السجون الإسرائيلية قبل الإفراج عنه في صفقة تبادل 2011، ثم صعد ليصبح القائد الفعلي في القطاع.
قُتل السنوار في 16 أكتوبر 2024 خلال اشتباك مع قوات إسرائيلية في رفح (حي تل السلطان)، بعد مطاردة طويلة، وأُكّدت هويته بالفحوصات.
وسبقه اغتيال إسماعيل هنية في طهران (يوليو 2024) ومحمد الضيف (يوليو 2024). ويُنظر إلى السنوار كرمز للصمود والتخطيط الإستراتيجي، ومن الجانب الإسرائيلي كالمسؤول الرئيس عن الهجوم.
حصاد الدم
وعلى امتداد أشهر طويلة من العدوان العنيف الذي أعقب عملية السابع من أكتوبر، تحولت لغة الأرقام في قطاع غزة إلى شواهد حية على واحدة من أبشع كوارث الإبادة الجماعية والتدمير الممنهج في التاريخ الحديث. وفقاً لأحدث البيانات الصادرة عن وزارة الصحة الفلسطينية والمنظمات الأممية الدولية.
وبلغت الحصيلة التراكمية لضحايا الآلة العسكرية الإسرائيلية رقماً مفزعاً؛ حيث ارتقى 74,245 شهيداً، بينما تخطى عدد الجرحى والمصابين حاجز 175,267 مصاباً، يعاني الآلاف منهم من إعاقات دائمة وبتر في الأطراف نتيجة استخدام الأسلحة المحرمة دولياً والمقذوفات شديدة الانفجار.
وكان لفئة الأطفال النصيب الأكبر والأكثر وجعاً في هذا الحصاد الدامي؛ إذ تشير الإحصاءات الرسمية إلى ارتقاء أكثر من 21,000 طفل، من بينهم نحو 1,115 طفل لم يتسنّ لهم حتى تجاوز عامهم الأول في هذه الحياة.
وفيما لا تزال طواقم الدفاع المدني تعجز عن الوصول إلى ما يقارب 7,400 مفقود ما زالت جثامينهم عالقة أو متحللة تحت ركام المنازل المدمرة، تشير التقديرات الاجتماعية الإنسانية إلى تولد مأساة جيل كامل بعدما باتت غزة تضم 61,216 طفلاً يتيماً فقدوا أحد والديهم أو كليهما جراء الغارات الغادرة.
ولم تقتصر الكارثة على الجانب البشري؛ بل امتدت لتنال الحجر والشجر؛ حيث بلغت نسبة تدمير البنية التحتية في القطاع قرابة 90%، شملت مسحاً كاملاً للأحياء السكنية، واستهدافاً مباشراً للمستشفيات، والمدارس، والجامعات، ودور العبادة، مما حول القطاع المنكوب إلى منطقة غير قابلة للحياة الآدمية.
وفي المقابل، وبحسب الاعترافات الإسرائيلية الرسمية، أسفرت ضربات المقاومة وعمليات الميدان منذ الشرارة الأولى للطوفان عن مقتل أكثر من 1,220 إسرائيلياً بين جنود وضباط ومستوطنين.
كما أعلن الاحتلال عن إصابة الآلاف، واقتياد 251 أسيراً إلى داخل القطاع، أُفرج عن 168 أحياء، واستُردت جثامين الباقين (آخر جثمان في يناير 2026)، في حصيلة هزّت أركان المنظومة الأمنية والسياسية للاحتلال بشكل غير مسبوق.
وبلغ عدد قتلى قوات الأمن الإسرائيلية طوال الحرب نحو 1,318، ليفوق إجمالي القتلى الإسرائيليين (مدنيين + أمن) الـ2,300 بحسب بعض الإحصاءات الرسمية.
ويشار إلى أن عملية طوفان الأقصى جاءت في ظل جمود سياسي طويل، وتطبيع عربي-إسرائيلي متسارع، وتصاعد التوترات في القدس والضفة.
وأدّت إلى حرب واسعة شملت غزة ولبنان وجبهات أخرى، وانتهت بوقف إطلاق نار هش في 2025، مع استمرار الجدل حول إعادة الإعمار والتهجير والمحاسبة، وتزامن الذكرى الثالثة مع استعدادات انتخابية إسرائيلية.
ذكرى العزة
واحتفى ناشطون على منصات التواصل بذكرى "طوفان الأقصى"، عادّين إياها لحظة فارقة أعادت فلسطين إلى صدارة الوعي العالمي، وكشفت عن إرادة شعب محاصر قادر على كسر الروايات السابقة، واصفين اليوم بأنه "يوم من أيام الله"، "بداية زمن جديد" تحطمت فيه هيبة الرواية الإسرائيلية عن جيش لا يُهزم.
وركزوا عبر تغريداتهم وتدويناتهم على منصتي “إكس” و"فيسبوك" ومشاركتهم في وسوم عدة أبزها #طوفان_الأقصى، #غزة، #الاحتلال_الإسرائيلي، #السابع_من_أكتوبر، وغيرها، على أن ما بعد الطوفان ليس كما قبله، وأن السهم الذي أُطلق ما زال ممتداً يفضح الاحتلال يومياً ويفتح آفاق التحرير.
واحتفى الناشطون بمشاهد العملية ومقاطع المقاتلين كرمز للصمود، في سياق يربط الذكرى بالكرامة المستعادة والإرادة التي لا تنكسر، واستعادة الأمة بوصلتها نحو الحرية والكرامة، مع التأكيد أن ما أُخذ بالحقّ لا يطويه الزمان.
نقطة تحول
وأكّد ناشطون أن عملية "طوفان الأقصى " شكّلت نقطة تحول إستراتيجية؛ إذ أثبتت قدرة المقاومة على المباغتة وكسر أسطورة التفوق الأمني والعسكري للكيان، راصدين ما حقّقه الطوفان من إنجازات إستراتيجية وتأثيرات عسكرية ودروس مستفادة.
ورأوا فيها عملاً أعاد قضية فلسطين إلى صدارة المشهد العالمي بعد محاولات تهميشها، وكشف هشاشة المنظومة الأمنية الإسرائيلية، مما غيّر المعادلات الإقليمية وأعاد التقدير لخيار المقاومة كأداة فاعلة.
ورغم الإقرار بحجم الدمار الكبير والإبادة التي تعرّضت لها غزة على مدار ثلاث سنوات، شدّد الناشطون على ضرورة استمرار الدعم السياسي والشعبي والمادي للقطاع وأهله.
وأكدوا أن "روح الطوفان" ما زالت حية في صمود المقاومين والشعب الفلسطيني، وأن التضحيات لم تذهب سدى، بل رسّخت إرادة التمسك بالحقوق ورفض الاستسلام، مطالبين بعدم التخلي عن غزة في هذه المرحلة الحرجة.
أهل الطوفان
وركز ناشطون على الصمود الاستثنائي لسكان قطاع غزة؛ ونشروا مقاطع مرئية وصوراً للشهداء والأطفال، مؤكدين أن الفاتورة الباهظة من الدماء والدمار لم تزد الشارع الفلسطيني إلا تمسكاً بأرضه ورفضاً لمشاريع التهجير والوصاية.
كما حظيت شخصية يحيى السنوار وقادة المقاومة الشهداء باهتمام استثنائي ونعي ورثاء؛ وتداول لاقتباسات من خطاباتهم وتصاميم فنية تخلد تضحياتهم، وتأكيدات على أن القادة الذين يقتلون في الميدان يورثون الثورة للأجيال القادمة ولا تموت قضاياهم بموتهم.
خذلان وتفريط
وانتقد ناشطون بحدة المواقف الدولية الرسمية خاصة العربية والإسلامية، واستنكروا ضبابية بيانات الأمم المتحدة التي تساوت فيها الضحية بالجلاد؛ وندّدوا بالانحياز الغربي لادعاءات الاحتلال ومحاولات التغطية على جرائم الإبادة الجماعية الموثقة دولياً ضد الأطفال والنساء.
















