من سودري إلى المزروب.. هل يفقد الدعم السريع زمام المبادرة في كردفان؟

أهمية سودري من موقعها شمال غربي الأبيض، ضمن المجال الواصل بين شمال كردفان وشمال دارفور
انتزع الجيش السوداني، بإعلانه السيطرة على سودري في 25 سبتمبر/ أيلول 2026، موقعًا مهمًا من قوات الدعم السريع في شمال كردفان، وفتح أمام عملياته امتدادًا غربيًا يلامس طرق الاتصال بدارفور.
وبعد أسبوع، في 2 أكتوبر/ تشرين الأول، عزز إعلانه السيطرة على المزروب الانطباع بأن ميزان المبادرة يميل لمصلحته، وأن خصمه يواجه ضغطًا متزايدًا على مراكز انتشاره، في ولاية يتداخل فيها الصراع على الأرض مع معركة الإمداد. غير أن استعادة المدن لا تعني حسم ولاية واسعة؛ إذ تبقى النتيجة الفعلية مرهونة بما يحدث على الطرق وفي البلدات المحيطة والمناطق التي أنهكتها الحرب.
وتمنح سودري الجيش فرصة لتوسيع مكاسبه، لكنها تضعه في الوقت نفسه أمام اختبار تثبيت السيطرة وحماية السكان وإعادة الخدمات، فيما تكشف هجمات المسيرات على الأُبَيّض أن التقدم البري لا يلغي المخاطر عن المراكز الحضرية.
وبين قيمة الموقع وصعوبة تحويل المكاسب العسكرية إلى واقع مستقر، يبرز سؤال المرحلة: إلى أي مدى غيّرت سودري موازين القوى في شمال كردفان؟ وما الذي يحتاجه الجيش لتحويل هذا التقدم إلى اختراق يُمهّد لحسم المعارك في الولاية؟

جغرافيا تتجاوز المدينة
تبدأ أهمية سودري من موقعها شمال غربي الأبيض، ضمن المجال الواصل بين شمال كردفان وشمال دارفور، وبالقرب من محاور الحركة نحو الولاية الشمالية والعاصمة.
غير أن الاسم يشير إلى مدينة ومحلية واسعة تضم وحدات سودري وأم بادر وحمرة الشيخ، وهو تمييز ضروري لفهم حدود المكسب العسكري؛ فدخول المركز الإداري لا يثبت تلقائيًا السيطرة على جميع بلدات المحلية وطرقها. وتجمع المنطقة بين وظيفة العبور وموارد الاقتصاد الريفي؛ إذ تشتهر بالضأن الكباشي والإبل وتعدين الذهب، بما يجعل أمنها مؤثرًا في حركة التجار والرعاة والعاملين بالتعدين.
ويقدم سجل الحرب دليلًا على أهمية هذا المجال في حركة الإمداد؛ ففي مارس/ آذار 2024، نقلت صحيفة "سودان تربيون" المحلية عن مصدر عسكري أن الطيران ضرب قافلة بين سودري وحمرة الشيخ، انطلقت من نيالا وكانت تحمل دبابات باتجاه أم درمان.
وتوضح الواقعة ارتباط طرق المنطقة بجبهة العاصمة، دون أن تعني أن جميع إمدادات الدعم السريع تمر عبر سودري. لذلك، تضغط خسارتها على إحدى حلقات الحركة بين غرب السودان ووسطه، لكنها لا تغلق وحدها فضاء تتعدد داخله المسارات.
ومن هنا، يتوقف وزن المكسب على مدى امتداد السيطرة خارج العمران، وانتظام الحركة المدنية والتجارية، وقدرة المؤسسات على استعادة نشاطها. فالسيطرة العسكرية لا تتحول تلقائيًا إلى عائد اقتصادي ما لم تتوافر بيئة آمنة تسمح باستئناف الأسواق والتنقل.
بوابة إلى دارفور
ولا تتوقف القيمة العسكرية لسودري عند حدود شمال كردفان؛ إذ إن موقعها يضعها على تخوم المجال الذي يصل وسط البلاد بغربها، بما يجعل أي تقدم فيها مرتبطًا بصورة مباشرة بحركة القوات والإمدادات نحو دارفور.
ومن هذه الزاوية، تبدو السيطرة على سودري والمزروب جزءًا من محاولة لتضييق المسارات التي يمكن لقوات الدعم السريع استخدامها للحفاظ على الاتصال بين مواقع انتشارها في كردفان ودارفور. وكلما تراجعت هذه القدرة على الحركة، أصبح نقل الأفراد والعتاد وإعادة توزيع القوات أكثر صعوبة.
غير أن هذا الأثر لا يتحقق بمجرد السيطرة على المدن؛ إذ تحتاج القوات المتقدمة إلى تأمين الطرق والمناطق المفتوحة والبلدات الواقعة بينها، وهو ما يفرض عليها انتشارًا أوسع ويزيد متطلبات الإمداد والحماية.
كما أن الاقتراب من طرق الاتصال بدارفور يرفع قيمة المواقع التي يسيطر عليها الجيش من الناحية العملياتية، لكنه في الوقت نفسه يفتح أمامه جبهة أوسع قد تتطلب موارد إضافية للحفاظ على المكاسب الجديدة.
وبذلك، فإن سودري لا تمثل فقط نقطة سيطرة محلية، بل قد تتحوّل إلى حلقة في مسار أوسع لإعادة رسم خطوط الحركة بين كردفان ودارفور، شرط أن يتمكن الجيش من المحافظة على المناطق التي تقدم إليها وعدم ترك فراغات تسمح بعودة خصمه أو الالتفاف حوله.
تقدم صنعته معارك متتابعة
وعلى امتداد الحرب التي اندلعت في منتصف أبريل/ نيسان 2023، برزت سودري ضمن المجال الذي استخدمته قوات الدعم السريع للاتصال بين دارفور وكردفان، قبل أن تصبح هدفًا مباشرًا لتقدم الجيش.
وتمثّلت سيطرة الدعم السريع على المدينة في بقائها تحت نفوذها أكثر من عامين، أما الطريق إلى استعادتها فتبلور تدريجيًا خلال صيف 2026.
ففي 25 يوليو/ تموز 2026، استعاد الجيش مناطق واسعة شملت طريق الصادرات، وتراجعت قوات الدعم السريع باتجاه سودري وأم بادر وحمرة الشيخ والمزروب.
ثم جاءت السيطرة على حمرة الوز في 6 سبتمبر/ أيلول، لتوسع نطاق تأمين جبرة الشيخ وبارا، وتدفع جبهة القتال نحو الغرب. وفي 17 سبتمبر/ أيلول، أعلن الجيش السيطرة على 11 منطقة أخرى، بينها مواقع في محيط المزروب، قبل إعلان دخوله سودري بمشاركة القوات المساندة.
وبعدها أعلن السيطرة على أم شرو، ثم المزروب في 2 أكتوبر/ تشرين الأول 2026. ويكشف هذا التسلسل أن معركة سودري كانت جزءًا من تقدم متراكم، لا واقعة منفصلة، وأن نتائجها ارتبطت بانحسار مواقع الدعم السريع في محيطها.

التطويق لم يكتمل
ويفتح هذا التقدم مجالًا أوسع أمام الجيش، ويقلص بعض الخيارات الجغرافية المتاحة لخصمه. ويرى الخبير العسكري اللواء الركن عثمان سراج، في حديثه لموقع "عين السودان" المحلي، أن استعادة سودري تعزز عمق السيطرة للقوات المسلحة، وتضيف مساحة للمناورة والضغط باتجاه الخوي والنهود.
ومن جانبه، يصف المتحدث باسم القوة المشتركة متوكل علي وكيل أبوجا سودري بأنها نقطة ارتكاز على المحور المؤدي إلى الفاشر، ويربط أهميتها بخطوط الإمداد القادمة من شمال دارفور.
وقد أورد موقع "راديو دبنقا"، في تقريره عن المزروب، أن أم بادر وحمرة الشيخ ما زالتا تحت سيطرة الدعم السريع، ما يوضح أن فقدان مركز رئيس لا يعني اكتمال السيطرة على محيطه الإداري والجغرافي.
أما المزروب التي وصفها المتحدث باسم القوات الخاصة محمد ديدان بأنها حلقة وصل بين شمال كردفان وغربها، فتضيف بعدًا آخر للضغط وتمنح التقدم غربًا امتدادًا يتجاوز حدود سودري.
وبجمع هذه المعطيات، يبدو التحول الأكثر أهمية في انتقال المبادرة واتساع خيارات الجيش، مقابل اضطرار خصمه إلى التعامل مع خسارة مواقع متتابعة، دون أن يعني ذلك أن التطويق قد اكتمل.
الأبيض تختبر أثر المكاسب
وتظهر حدود التقدم بوضوح في الأبيض؛ حيث لم تتوقف المخاطر التي تنال المدنيين مع ابتعاد بعض جبهات القتال البري. ففي يوم إعلان السيطرة على سودري، قالت حكومة شمال كردفان: إن قصفًا بطائرة مسيرة أصاب مواقع مدنية في عاصمة الولاية، فقَتَل شخصين وجرح 20، وحملت قوات الدعم السريع المسؤولية.
ثم أعلنت شبكة أطباء السودان، في الأول من أكتوبر/ تشرين الأول، مقتل 5 مدنيين وإصابة 47 في هجوم على داخلية جامعة كردفان، نسبته أيضًا إلى الدعم السريع.
وتكشف الواقعتان أن انحسار الخصم بريًا لا يعني زوال قدرته على إيقاع الضرر عن بعد، وأن تأمين الأبيض يتطلب حماية مرافقها المدنية وطرق وصولها، لا مجرد إبعاد خطوط الاشتباك عنها.
كما أن فتح طريق أمام حركة عسكرية لا يثبت بالضرورة صلاحيته لعودة الأسر والشاحنات بصورة منتظمة؛ إذ يتطلب ذلك استقرارًا طويلًا يمكن قياسه بتراجع الهجمات وانتظام الخدمات وعودة النشاط التجاري.
وعليه، تتصل قيمة التقدم حول سودري والأبيض بقدرته على تحسين الحياة اليومية للسكان، لا بخريطة الانتشار العسكري وحدها. فاستمرار النزوح وتعطل المؤسسات يعنيان أن المكسب الميداني لم يتحول بعد إلى استقرار شامل.

اختبار اليوم التالي
وهنا تبدأ المرحلة الأصعب، فالمكسب العسكري يفرض على الجيش وحلفائه مسؤولية تتجاوز إبعاد قوات الدعم السريع عن المواقع التي خسرتها، إلى ملء الفراغ الذي تتركه المعارك في الإدارة والخدمات والحياة اليومية.
ويبرز ذلك خصوصًا في المدن والبلدات التي عانت خلال أكثر من عامين من تراجع الخدمات وتعطل النشاط الاقتصادي ونزوح السكان؛ فكل تقدم عسكري يفتح تلقائيًا أسئلة حول إعادة تشغيل المرافق، وضمان الأسواق، وتأمين الطرق، وإعادة الحركة بين المناطق التي قطعتها الحرب.
وتتضاعف أهمية هذا الاختبار في سودري بسبب تضرر البنية التحتية المحلية، وبينها مستشفى المدينة الذي أشار السياسي السوداني إبراهيم عبد العاطي إلى تعرض أجهزته للنهب والتدمير. وبالتالي، فإن تثبيت السيطرة لا يرتبط فقط بمنع عودة الخصم، وإنما أيضًا بإعادة تأهيل ما دمرته الحرب.
كما أن عودة النازحين ستكون مؤشرًا حاسمًا على مدى تحول السيطرة العسكرية إلى استقرار حقيقي. فإذا بقي السكان عاجزين عن العودة بسبب غياب الخدمات أو استمرار المخاطر الأمنية، فإن المكسب سيظل محدودًا في أثره المدني.
ومن ثم، يمكن أن يصبح نجاح الجيش في المرحلة التالية مرتبطًا بقدرته على تحقيق معادلة مزدوجة: الحفاظ على التقدم الميداني، وإعادة بناء الحد الأدنى من الحياة الطبيعية في المناطق التي دخلها؛ فالقوة التي تستطيع السيطرة على الأرض ليست بالضرورة القوة التي تستطيع إدارة ما بعد المعركة.
السيطرة تحتاج إلى دولة
وقال السياسي السوداني إبراهيم عبد العاطي، في تصريح لصحيفة "الاستقلال": إن تحويل ما تحقق في سودري إلى اختراق مستدام لا يتوقف على السيطرة العسكرية وحدها، بل على تثبيتها وإعادة سلطة مدنية قادرة على إدارة الحياة اليومية للناس.
وأضاف أن "الانتشار العسكري، مهما اتسع، يبقى محدود الأثر إذا لم يتمكن السكان من العودة إلى بيوتهم، أو ظلت الأسواق والمرافق الأساسية خارج الخدمة".
واستشهد بحالة مستشفى سودري الريفي، مشيرًا إلى قيام عناصر الدعم السريع بنهب أجهزته وتدمير بنيته، وأنه كان يخدم أكثر من 50 ألف أسرة قبل الحرب.
وقال: "هذا المثال وحده يكشف حجم العبء الذي يلي استعادة المدينة، من تأهيل المرفق إلى توفير الكوادر والدواء وضمان وصول الناس إلى العلاج".
وفي ما يتعلق بحماية المدنيين، رأى أن المرحلة "تفرض اختبارًا حقيقيًا للمساءلة والانضباط".
وعلى الصعيد العسكري، قال إن استدامة المكسب "مرهونة بقدرة الجيش على الاحتفاظ بالمناطق التي دخلها، واستمرار اتصالها ببقية مناطق سيطرته، دون أن يستنزف التوسع قدرته على إدارتها".
وبشأن النازحين، أكّد أن عودتهم "تحتاج إلى ضمانات عملية وحرية اختيار، حتى تكون دليلًا على التعافي، لا انتقالًا جديدًا نحو الخطر".
وأضاف: "عندها فقط يمكن لسودري أن تصبح أساسًا لتقدم أعمق".
المصادر
- السيطرة على سودري.. هل تفتح الطريق إلى تحرير دارفور؟
- Sudanese warplanes target RSF convoy in N. Kordofan
- أطباء: مقتل خمسة مدنيين في هجوم بطائرة مسيرة لـ«الدعم السريع» على الأبيض
- شبكة أطباء السودان: “الدعم السريع” حوَّل مستشفى سودري إلى “خرابة” ونهب أجهزته الطبية
- الجيش السوداني يسيطر على أكبر معاقل "الدعم السريع" بشمال كردفان

















