تمدد الحوثيين في البحر الأحمر.. كيف يهدد باب المندب مصالح الصين؟

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

في غضون أيام فقط من سبتمبر/ أيلول 2026، أقدم الحوثيون في اليمن على خطوتين أثارتا، بحسب تعبير موقع صيني، "دهشة المراقبين وصدمة الدوائر الإقليمية والدولية".

ففي البداية، "اجتاحت الجماعة الساحل الغربي لليمن بصورة شبه كاملة ودون عناء يذكر، وسيطرت تباعا على ميناء المخا وجزيرة بريم وأرخبيل حنيش".

ثم ما لبثت أن "مدت يدها إلى داخل الأراضي السعودية، واستهدفت على نحو متتال منشآت نفطية تابعة لشركة أرامكو في ينبع وقاعدة خميس مشيط الجوية في جنوب المملكة".

وبعد تنفيذ هذه التحركات، أصبح مضيق باب المندب الذي تمر عبره نحو 10 بالمئة من التجارة البحرية العالمية ونحو 12 بالمئة من تجارة النفط المنقولة بحرا، عمليا في قبضة الحوثيين. 

وعلق موقع "سوهو" على هذه التطورات قائلا: "قد يبدو أن ما حدث يجري على بعد آلاف الكيلومترات، إلا أن تأثيره على الصين في الواقع قريب للغاية".

ومن هنا، أشار إلى أن "تأكيد بكين المتكرر في الآونة الأخيرة على خفض حدة التوترات في البحر الأحمر وضمان سلامة وانسيابية حركة الملاحة الدولية ليس مجرد عبارات دبلوماسية روتينية، بل يعكس قلقا إستراتيجيا حقيقيا".

واستطرد: "ونظرا للوضع الراهن من عدم الاستقرار العام في الشرق الأوسط، فإن هذا القلق سيزداد حدة".

سلسلة متتالية

وتقع جزيرة بريم عند أضيق نقطة في مضيق باب المندب، بينما يمتد أرخبيل حنيش وسط الممرات الملاحية في جنوب البحر الأحمر. 

ولفت الموقع إلى أنه "إذا أصبحت هذه المواقع تحت سيطرة الحوثيين، فإن قدرتهم الفعلية على التحكم في السفن العابرة للممرات الملاحية ستختلف تماما من حيث الحجم والتأثير عن الوضع السابق، حين كانوا يكتفون بمضايقة السفن من مسافة بعيدة باستخدام الصواريخ والطائرات المسيرة، وهذا ما يقلق الصين حقا".

واستطرد: “أما إيران، فرغم حرصها ظاهريا على إبقاء مسافة بينها وبين الحوثيين، بل إعلانها صراحة أنها (لا تستطيع السيطرة على الحوثيين)، فإن المطلعين على تطورات المنطقة لاحظوا نمطا متكررا”.

وفسر حديثه: "فقبل كل تصعيد عسكري للحوثيين أو بعده، يبدو الموقف الإيراني متوافقا معهم بصورة أو بأخرى".

وأردف: "وفي ظل هذا السياق، فإن كل خطوة جديدة يخطوها الحوثيون في مسار توسعهم لا تقتصر تداعياتها على اليمن أو البحر الأحمر، بل تحمل معها احتمالات أوسع لزعزعة استقرار المنطقة".

وتناول التقرير تأثر التطورات في البحر الأحمر على بكين قائلا: "لا تحتاج أهمية مضيق باب المندب بالنسبة إلى الصين إلى كثير من الشرح، فمعظم سفن الحاويات وناقلات النفط وسفن البضائع السائبة التي تنقل البضائع بين الصين وأوروبا تسلك خط الملاحة الممتد عبر قناة السويس والبحر الأحمر ومضيق باب المندب".

واستطرد: "كما أن معظم شحنات النفط الخام والغاز الطبيعي المسال المتجهة من الشرق الأوسط إلى شرق آسيا تمر عبر هذا المضيق".

في الوقت نفسه، نوه إلى أن "مضيق هرمز لم يعد مستقرا منذ فترة بسبب التوتر في العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران".

من جانبها، "وللحفاظ على صادراتها، اضطرت السعودية إلى نقل كميات كبيرة من النفط الخام عبر خط شرق-غرب وصولا إلى ميناء ينبع على ساحل البحر الأحمر؛ حيث يجري تحميلها على السفن، وبذلك اكتسب مضيق باب المندب أيضا دورا إضافيا بوصفه (ممرا بديلا)".

وعقّب الموقع: "هذا الممر البديل يتعرض حاليا لخطر الاختناق عند أكثر نقاطه حساسية، بما يفتح الباب أمام سلسلة متوالية من التداعيات".

وتستحضر الصين تجربة سلبية مع التطورات في البحر الأحمر؛ إذ أوضح التقرير أنه "منذ اندلاع أزمة البحر الأحمر نهاية عام 2023، غيرت الغالبية العظمى من سفن الحاويات مسارها لتدور حول رأس الرجاء الصالح".

الأمر الذي  أشار إلى أنه "أطال زمن الرحلات بين آسيا وأوروبا لأكثر من عشرة أيام، ورفع تكاليف الشحن بنسبة تتراوح بين 20 و30 بالمئة مقارنة بما كانت عليه قبل الأزمة".

وذكر أن "العاملين في قطاع الشحن يدركون جيدا حجم المعاناة التي واجهتها شركات التصدير الصينية ووكلاء الشحن ومالكو السفن خلال العامين الماضيين".

ومن ثم، شدد على أنهم "كانوا يأملون في أن تسمح عودة الهدوء إلى المنطقة باستئناف الملاحة عبر قناة السويس، إلا أن التحركات الأخيرة للحوثيين جنوبا تعني أن هذا الأمل أصبح أبعد من ذي قبل".

ولفت إلى أن "كلفة الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح لا تقتصر على ارتفاع أجور الشحن فحسب، بل تشمل أيضا إطالة مواعيد التسليم، وتباطؤ دورة تشغيل الأسطول، وارتفاع استهلاك الوقود وانبعاثات الكربون".

واستطرد: "وفي نهاية المطاف، تنتقل هذه التكاليف غير المباشرة إلى أسعار التصدير، بما يؤثر في القدرة التنافسية للمنتجات الصينية في الأسواق الأوروبية".

والأكثر إثارة للقلق -بحسب الموقع- أن "الميناء الذي استهدفه الحوثيون في 16 سبتمبر هو ميناء ينبع الذي يمثل إحدى نقاط التصدير الرئيسة التي تعتمد عليها السعودية لتصدير نفطها بعيدا عن مضيق هرمز".

ويخشى الموقع أنه "إذا تعرض هذا الميناء لهجمات متكررة، فإن استقرار واردات الصين من النفط الخام القادم من الشرق الأوسط سيتأثر مباشرة".

ويأتي أكثر من نصف واردات الصين السنوية من النفط الخام من الشرق الأوسط ومنطقة الخليج، بينما ظلت السعودية لفترة طويلة أكبر دولة مصدرة للنفط إلى الصين.

وبالتالي، خلص التقرير إلى أن "أي اضطراب في أي حلقة من حلقات هذه السلسلة سينعكس على جداول تشغيل شركات التكرير والبتروكيماويات الصينية، وأسعار المنتجات النفطية، وإمدادات المنتجات الكيميائية في القطاعات اللاحقة".

واقع مؤقت

وانتقد التقرير الصيني الأنباء المتداولة حول سماح الحوثيين بمرور السفن الصينية بأمان قائلا: "صحيح أن وكالة رويترز قد أكدت في يوليو/ تموز وجود قنوات اتصال مباشرة بين الجانب الصيني والحوثيين، أسفرت عن السماح بمرور السفن المرتبطة بالصين بصورة انتقائية".

وأردف: "كما توثق ذلك حالات عملية لناقلات تابعة لشركة كوسكو مثل السفينة شين لونغ يانغ والسفينة يوان شين هو اللتين عبرتا مضيق باب المندب بسلاسة مطلع أغسطس/ آب، وهذه حقائق لا يمكن إنكارها".

واستدرك: "لكن من المهم إدراك أن سياسة التغاضي هذه مبنية على واقع مؤقت يتمثل في امتلاك الحوثيين قدرات هجومية محدودة، دون أن يفرضوا بعد سيطرة فعلية على الممر الملاحي".

وأضاف: "وفي الآونة الأخيرة، ظهرت بالفعل تقارير تفيد بأن الحوثيين يدرسون فرض (رسوم مرور) على السفن العابرة، مع إعفاء السفن الصينية منها في الوقت الحالي".

ولفت التقرير إلى أنه "هنا ينبغي الانتباه جيدا إلى كلمة (حاليا)، فالإعفاء من هذا النوع لا يكون أبدا مطلقا، وإنما يرتبط بشروط ومدة زمنية محددة، ويمكن تعديله في أي وقت، وليست ضمانات قانونية مثبتة في معاهدات دولية".

وتابع: "وحتى إذا حصلت السفن الصينية على إعفاء من الرسوم، فإن شركات التأمين لن تعفيها من أقساط التأمين المرتفعة، كما أن أسعار الشحن العالمية لن تنخفض تلقائيا لمجرد السماح للسفن الصينية بالمرور".

"مما يعني أن شركات الاستيراد والتصدير الصينية ستظل مطالبة بتحمل كلفة الاضطرابات التي تشهدها المنطقة بأكملها"، وفقا له.

ونوَّه الموقع إلى أنه "ثمة جانب آخر للمسألة؛ إذ إن سماح الحوثيين للسفن الصينية بالمرور ينطوي، إلى حد ما، على رغبة في الحصول من الجانب الصيني على قدر من التفاهم أو الصمت الدبلوماسي في المحافل الدولية".

وعقّب قائلا: "يشكل مجرد وجود مثل هذا التوقع في حدّ ذاته نوعا من الضغط على بكين؛ إذ يجد الجانب الصيني نفسه، عند التعامل مع قرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بشأن اليمن، أمام هذه الضغوط غير المعلنة في كل مرة، الأمر الذي يجعل التعامل مع الملف أكثر تعقيدا وإرهاقا".

ومن هنا، شدد على أن "دعوات الصين المتكررة إلى تهدئة الوضع لم تأتِ من فراغ، فقد أدلى المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية منذ بداية عام 2026 بتصريحات عدة بشأن الوضع في البحر الأحمر".

وبحسب الموقع، "تمحورت رسائله حول نقاط رئيسة واضحة: دعوة جميع الأطراف إلى التحلي بالهدوء وضبط النفس، واحترام سيادة الدول وأمنها، والعمل بصورة مشتركة على ضمان أمن الممرات الملاحية الدولية وانسيابية حركة الملاحة فيها".

وعلق التقرير: "قد تبدو هذه العبارات متوازنة وعامة للوهلة الأولى، لكنها تكتسب وزنا حقيقيا عند وضعها في سياق المصالح المباشرة المرتبطة بالوضع في المنطقة".

بصورة عامة، يرى الموقع أن "الأضرار التي تتعرّض لها المصالح الصينية جراء موجة التوسع الأخيرة للحوثيين تتداخل في عدة اتجاهات مترابطة".

وأوضح مقصده: "فإذا ظلّ طريق الملاحة في البحر الأحمر معطلا لفترة طويلة، فستظلّ تكاليف التجارة بين الصين وأوروبا تحت ضغط مستمر، كما ستتراجع القيمة الإستراتيجية لطريق الحرير البحري بصورة كبيرة".

علاوة على ذلك، "يعد الشرق الأوسط أكبر مصدر لواردات الصين من النفط الخام، ولذلك فإن أي اضطراب في استقرار صادرات السعودية أو في انتظام شحنات الغاز الطبيعي المسال من قطر سينعكس على أمن إمدادات الطاقة داخل الصين، ويزيد الضغوط على السوق المحلية".

خسائر دبلوماسية

على الصعيد السياسي، تلقي هذه التطورات بظلالها على جهود الدبلوماسية الصينية في المنطقة، "فخلال السنوات الماضية، بذلت الصين جهودا كبيرة لدفع السعودية وإيران نحو المصالحة، ودعمت التوصل إلى حل سياسي للقضية اليمنية".

وتابع الموقع: "وتكللت هذه الجهود برعاية اتفاق استئناف العلاقات الدبلوماسية بين الرياض وطهران في بكين عام 2023، والذي عدّه المراقبون علامة فارقة في الدبلوماسية الصينية بمنطقة الشرق الأوسط".

واستدرك: "غير أن قيمة هذا الإنجاز الدبلوماسي تظل مرتبطة باستقرار الوضع في المنطقة ككل".

بصورة أوضح، حذر التقرير من أنه " إذا أدّى النهج الذي يتبعه الحوثيون حاليا إلى انهيار إطار وقف إطلاق النار الذي رعته الأمم المتحدة بصورة كاملة، فإن ما راكمته الصين دبلوماسيا خلال السنوات الماضية سيفقد جزءا كبيرا من قيمته، وكأن هناك من يعمد إلى تقويض أساسات الجدار الذي بُني بعناية فائقة".

وكان المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، قد حذر في 11 سبتمبر من أن السماح باستمرار تطورات الوضع على هذا النحو سيؤدي إلى اتساع نطاق الصراع وعدم بقائه محصورا داخل اليمن. 

من جانب آخر، ربط التقرير بين التطورات في اليمن واحتمال تدخل باكستان عسكريا إلى جانب السعودية في مواجهة الحوثيين.

وقال: "في أغسطس/ آب، وقعت السعودية وتركيا وباكستان اتفاقية مكة للدفاع المشترك، وإذا استمرّ تصاعد الهجمات داخل الأراضي السعودية، فمن المرجح أن تتسع دائرة الدول التي قد تجد نفسها منخرطة في تداعيات هذا الصراع".

ومن ثم، لفت إلى أن "باكستان تمثل عاملا يستحق اهتماما خاصا، فهي من جهة طرف موقع على الاتفاقية، ومن جهة أخرى تشترك في حدود برية مع إيران، فضلا عن ارتباطها بالصين بشراكة إستراتيجية شاملة".

وعليه، توقع أنه "إذا انخرطت باكستان في الصراع بين السعودية ووكلاء إيران، فإن التداعيات لن تقتصر على المنطقة، بل قد تمتد أيضا إلى التحركات الإستراتيجية للصين في جنوب آسيا".

واستطرد: "حين تتسع رقعة التوتر، لن يستطيع أي طرف النجاة بمفرده أو النأي بنفسه عن التداعيات".

حجم التكلفة 

ميدانيا، يرى الموقع أن "التحركات الأخيرة للحوثيين قد تبدو بمثابة انتصار لافت، لكنها في الواقع تضع الجماعة أمام اختبار بالغ الصعوبة".

وعزا ذلك إلى أن "المناطق التي سيطروا عليها حديثا في الساحل الغربي مكتظة بالسكان، وتعاني ضعفا في البنية التحتية، وتعتمد بدرجة كبيرة على الواردات الخارجية لتأمين الغذاء".

بعبارة أخرى، "إن السيطرة على الأرض سهلة، لكن إدارة المناطق أصعب، وينطبق ذلك بصورة خاصة على اليمن".

وأردف: "فالمناطق الشمالية، مثل صنعاء التي يسيطر عليها الحوثيون منذ فترة، تعاني أصلا نقصا مزمنا في الخدمات العامة، وأي أعباء إضافية تفرضها السيطرة على مناطق جديدة قد تدفع الجماعة، إذا أخطأت في إدارتها، إلى مواجهة رد فعل شعبي متزايد".

وفي الوقت ذاته، لفت التقرير إلى "تزايد الضغوط الخارجية على الجماعة؛ فقد كثفت الولايات المتحدة في الآونة الأخيرة تحذيراتها من عرقلة حركة الملاحة البحرية في البحر الأحمر، كما أن إطلاق السعودية وصف (الإرهاب) على الحوثيين يوسع المجال لحشد دول إسلامية في تحرك مشترك ضد الجماعة".

ومع تضافر هذه الضغوط، قدّر الموقع أنه "لن يكون من السهل على الحوثيين تثبيت سيطرتهم على المناطق التي استولوا عليها".

وهكذا، يرى أنه رغم "سعي الحوثيين لتوظيف مكاسبهم العسكرية المؤقتة لفرض أنفسهم في ترتيبات ما بعد الحرب"، إلا أنه يعتقد أن "الطريق أمامهم لا يزال طويلا وشاقا".

وبالنسبة إلى الصين، أوضح أن "مصدر القلق الحقيقي لا يتمثّل في قدرة الحوثيين على الاحتفاظ بهذه المناطق من عدمها، وإنما في حجم التكلفة التي قد تتكبّدها حركة الملاحة في البحر الأحمر إذا عجزوا عن الاحتفاظ بها، ومدى اتساع الشقوق التي قد تفتحها هذه التطورات في التوازن الهشّ أصلا في الشرق الأوسط".

واستطرد: "لا يتعلق الأمر بالانحياز إلى طرف دون آخر، وإنما بضمان استمرار حركة السفن التجارية وناقلات النفط والبضائع الصينية بأمان عبر هذا الممر، أيا كان الطرف الذي سينجح في تثبيت سيطرته على الساحل الغربي لليمن في نهاية المطاف".

واسترسل: "وهذا هو جوهر تأكيد الجانب الصيني مرارا خلال الفترة الأخيرة على ضرورة خفض التصعيد والعودة إلى الحوار ودعم الحل السياسي".