إثيوبيا وإريتريا والحوثيون.. هل يشتعل البحر الأحمر من ضفتيه؟

"الوضع خطير ومن الخطأ التعامل معه كارتفاع عابر في التوتر"
على ضفتي البحر الأحمر تتحرك جبهتان في وقت واحد، ففي شمال إثيوبيا تتجدد الحرب ويتصاعد معها التوتر مع إريتريا، وعلى الساحل الغربي لليمن يتقدم الحوثيون نحو باب المندب، وهنا يبرز سؤال حول احتمال تلاقي الجبهتين.
ووفق موقع "ذا ميديا لاين" الأميركي، فإن تجدد القتال في شمال إثيوبيا وتفاقم التوتر بين أديس أبابا وأسمرة يعيدان فتح أحد أخطر خطوط الصدع في القرن الإفريقي، في لحظة يقع فيها البحر الأحمر نفسه تحت ضغط متزايد.
وأوضح الموقع، في تقرير له، أن جولة القتال الأخيرة هزت بالفعل اتفاق بريتوريا الموقع عام 2022، الذي أنهى حرب تيغراي السابقة، بعدما شنت قوات تيغراي هجوما كبيرا سيطرت خلاله على مطارات وتقدمت نحو مناطق مجاورة.
وردت القوات الفيدرالية الإثيوبية والمليشيات المتحالفة معها بهجمات مضادة، وأعلنت القوات الموالية للحكومة استعادة بلدة "ألاماطا" الإستراتيجية، الواقعة جنوب ميكيلي، عاصمة إقليم تيغراي.
طبقات التصعيد
غير أن القلق تجاوز حدود صراع إثيوبي داخلي جديد؛ إذ اتهم رئيس أركان الجيش الإثيوبي، المشير برهانو جولا، علنا إريتريا والسودان ومصر بدعم القوات التي تقاتل الحكومة الفيدرالية، فأضفى بُعدا إقليميا على مواجهة متقلبة أصلا.
ونفت الدول الثلاث أي تورط، في حين اتهم السودان بدوره إثيوبيا بدعم قوات معادية للخرطوم، وهي اتهامات تنفيها أديس أبابا.
وعلى الضفة المقابلة للبحر الأحمر، وسّع الحوثيون مواقعهم بشكل كبير على الساحل الغربي لليمن، إذ سيطروا في سبتمبر/أيلول 2026 على مدينة المخا قبل استعادتها وعلى جزر إستراتيجية قرب باب المندب.
هذا التقدم زاد الضغط على أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وأحيا المخاوف من أن تتقاطع الصراعات على ضفتي البحر الأحمر بصورة متزايدة، وفق التقرير.
ورأى كبير الباحثين في السياسات المائية والجيوسياسية بالقرن الإفريقي، والمدير العام للشؤون الإفريقية في معهد الشؤون الخارجية، غشاو أيفيرام إنديالالو، أن التوتر الحالي بين إثيوبيا وإريتريا لا يمكن اختزاله في تدهور مؤقت آخر للعلاقات الثنائية.
وقال إنديالالو للموقع: إن "الوضع خطير، ومن الخطأ التعامل معه كارتفاع عابر في التوتر".
وللتصعيد الحالي، بحسب تعبيره، طبقات عدة، يتصدرها على السطح تجدد القتال في الشمال بين القوات الفيدرالية وعناصر مرتبطة بالجبهة الشعبية لتحرير تيغراي.
وتابع أن تحت ذلك مسعى أوسع لبناء اصطفاف مناهض لإثيوبيا يُعرف بتحالف "تسيمدو"، تمثل فيه إريتريا المنظم والمحرك الرئيس، معربا عن تقديره بأن أسمرة دفعت نحو استئناف مبكر للأعمال القتالية، وتوفر دعما سياسيا ولوجستيا.
واستدرك الموقع أن هذه الاتهامات تعكس تقييما إثيوبيا لدور إريتريا وتبقى محل خلاف، فأسمرة نفت اتهامات أديس أبابا لها بزعزعة الاستقرار، كما يصعب التحقق بشكل مستقل من الحجم الدقيق للدعم الخارجي المقدم للجماعات المسلحة.
ويبرز هذا التدهور على نحو لافت لأن البلدين كانا حليفين خلال حرب تيغراي بين 2020 و2022، قبل أن تسوء علاقتهما عقب اتفاق بريتوريا، الذي استُبعدت منه إريتريا رغم مشاركة قواتها في الصراع.
ومنذ ذلك الحين، برز الوصول إلى البحر الأحمر نقطة احتكاك أخرى، مع تشديد أديس أبابا مرارا على الأهمية الاقتصادية والإستراتيجية لحصولها على منفذ بحري موثوق.

خطر حقيقي
ولفت إنديالالو إلى أن إثيوبيا ترى في الوصول إلى البحر "ضرورة وجودية واقتصادية"، إذ لا يمكن لبلد يتجاوز عدد سكانه 120 مليون نسمة الاعتماد إلى ما لا نهاية على ممر واحد، مع مرور أكثر من 97 بالمئة من تجارته عبر جيبوتي.
واستطرد بأنه لا يرى في مسألة المنفذ البحري السبب الأرجح للحرب، وأنه إذا وقعت المواجهة فسيكون الوصول إلى البحر "سببا ثانويا، وليس السبب الرئيس".
وشدد إنديالالو على أن المحرك الأساسي هو خلاف أعمق بين أديس أبابا وأسمرة بشأن النظام الإقليمي في القرن الإفريقي.
وأوضح أن “إثيوبيا تتصور قرنا قائما على الاعتماد المتبادل والفرص الاقتصادية المشتركة، بينما يعتمد نهج أسمرة على إثيوبيا منكفئة على نفسها ومنقسمة”، بحسب زعمه.
واستشهد بسلوك أسمرة في حقبة الجبهة الديمقراطية الثورية لشعوب إثيوبيا بين 1991 و2018، فتلك الحكومة لم تطالب بميناء عصب، ومع ذلك انزلقت العلاقات إلى حرب مدمرة وسنوات من العداء.
وخلص إلى أن "الخطر حقيقي، لكنه ليس حتميا".
ويزداد الخطر تعقيدا حين يوضع البلدان في خريطة إقليمية أوسع، وفق إنديالالو.
ورأى محلل الاستخبارات الأمنية لشؤون البحر الأحمر في شركة "إنغو أدفايزري"، مولد علي، أن القرن الإفريقي لم يعد ممكنا تحليله بمعزل عن تنافس القوى الإقليمية والدولية على الموانئ والوجود العسكري والنفوذ.
وأكد علي أن "الوضع في القرن الإفريقي يتدهور بسبب هيمنة قوى تحاول المجيء إلى إفريقيا واحتلال الموانئ. جميعها في تنافس، ولذلك سيزداد العنف في القرن الإفريقي سوءا".

المثلث الحدودي
ويتقاطع هذا التنافس اليوم مع عدم استقرار يمتد من السودان إلى اليمن، فالسودان يعيش الحرب منذ 2023، والتوترات الحدودية بينه وبين إثيوبيا ما زالت دون حل، والحكومتان تتبادلان الاتهامات بمساعدة جهات مسلحة معادية.
ونقل الموقع عن وكالة "رويترز" أن دبلوماسيين باتوا يخشون أن يندلع أي صراع إثيوبي متجدد بالتزامن مع الحرب في السودان وتوترات النيل وامتداد التنافسات الشرق أوسطية إلى القرن الإفريقي، وليس بمعزل عنها.
ووصف إنديالالو المثلث الحدودي بين إثيوبيا والسودان وإريتريا بأنه "خط الصدع الأكثر حساسية في المنطقة"، مستندا إلى القضايا الحدودية العالقة بين إثيوبيا والسودان، وتلاقي ثلاث دول عند نقطة واحدة بمصالح أمنية متداخلة.
وأردف أن أي مواجهة في هذه المنطقة "سترجح بقوة أن تجعل الصراع إقليميا"، متهما بورتسودان وإريتريا بتسهيل عمل قوات معادية لأديس أبابا.
وأفاد الموقع بأن هذه الاتهامات لم تثبت بشكل مستقل، وبأن الجيش السوداني وصف اتهامات إثيوبيا له بدعم جماعات المعارضة المسلحة بأنها "لا أساس لها".
وتضيف مصر طبقة أخرى إلى المشهد. فالعلاقات بين القاهرة وأديس أبابا متوترة منذ سنوات بسبب سد النهضة والخلافات بشأن النيل، في حين طورت إريتريا علاقات أوثق مع السودان ومصر، وهو ما ينظر إليه المسؤولون الإثيوبيون بريبة متزايدة.
وذهب إنديالالو إلى أن مصر "منخرطة بعمق"، وأن سياستها في القرن الإفريقي "سياسة تطويق، تهدف إلى الحد من الامتداد الإستراتيجي لإثيوبيا، ومن ثم الحفاظ على هيمنتها على النيل والبحر الأحمر".
ونوّه الموقع بأن ذلك يمثل تقدير إنديالالو وليس وصفا ثابتا للسياسة المصرية، إذ رفضت القاهرة اتهامات دعم قوات المعارضة الإثيوبية، وتمسكت بأن سياستها الخارجية تقوم على احترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول.
تهديد باب المندب
وهنا تخاطر التوترات الداخلية في القرن الإفريقي بالتقاطع مع أزمة ثانية، فتقدم الحوثيين في غرب اليمن أوصل الجماعة إلى أراض ذات أهمية إستراتيجية تطل على باب المندب.
ورغم أن الملاحة التجارية لم تتوقف كليا، فإن هذا التحول العسكري عزز قدرة الحوثيين على تهديد الملاحة عبر المدخل الجنوبي للبحر الأحمر أو التأثير فيها.
وحذر علي من أن التداعيات تتجاوز اليمن بكثير، مبينا أنه إذا سيطر الحوثيون على باب المندب "فسيتحول إلى نقطة خنق للوصول الإنساني ولخطوط الشحن".
ونبّه إلى أن تدهور الأمن على ضفتي الممر المائي قد يحوّل الأزمات المنفصلة إلى مشكلة أمنية إقليمية مترابطة.
واستعرض الوضع في الصومال شرقا والقرصنة، والحوثيين الذين يهاجمون السفن على الجانب الآخر من البحر الأحمر، والكارثة الإنسانية في السودان.
وبالنسبة للمحللين كليهما، فإن هذا التقاطع هو ما يجعل احتواء اللحظة الراهنة صعبا على نحو خاص.
ولاحظ إنديالالو أن القرن الإفريقي يشهد بالفعل "تحالفات متداخلة، بينها انخراط خليجي وتركي ومصري وإسرائيلي".
وأضاف أنه إذا تحول الصراع الداخلي في إثيوبيا إلى "ساحة بالوكالة لهذه الاصطفافات المتنافسة، فقد تمتد العواقب إلى ما هو أبعد بكثير من حدود إثيوبيا".
ومن زاوية الأمن البحري، وصل علي إلى المخاوف ذاتها، وختم بالقول "إذا أغلقت إيران مضيق هرمز، ثم أغلق الحوثيون في اليمن باب المندب كليا، فسيكون الأمر كارثيا".
وانتهى التقرير إلى أن حربا بين إثيوبيا وإريتريا أو مواجهة إقليمية أوسع ليستا حتميتين، لكن النزاعات العالقة تتزايد في وقت واحد، من الحرب المتجددة في شمال إثيوبيا والتوتر مع إريتريا، إلى الحرب في السودان والنزاع مع مصر بشأن النيل.
ويضاف إلى ذلك توازن عسكري يتغير بسرعة على الضفة الأخرى للبحر الأحمر في اليمن.
وبذلك تجاوز الخطر حدود جبهة واحدة أو صراع واحد، ليكمن في احتمال أن تبدأ أزمات ظلت منفصلة جزئيا بالتلاقي في الفضاء الإستراتيجي ذاته، أي القرن الإفريقي والبحر الأحمر.

















