بعد واقعة التأشيرة.. كيف ترد السعودية على موقف واشنطن "المعادي" للبرهان؟

"تحقيق الجيش السوداني نصرا عسكريا حاسما يبدو في المتناول للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب"
في صباح 24 سبتمبر/أيلول 2026، كان من المفترض أن يقف رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان على منصة الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، لكنه بقي في السودان بعدما رفض شرطا أميركيا رُبط بمنحه التأشيرة.
وبحسب وكالة "رويترز"، عُرضت على البرهان، قائد الجيش، التأشيرة مقابل توقيعه على هدنة لمدة 90 يوما، وهي الهدنة التي ظلّ مستشار الرئيس دونالد ترامب للشؤون العربية والإفريقية، مسعد بولس، يروّج لها على مدى أشهر.
إلا أن البرهان رفض الشرط، وقال أمام حشد في استاد الخرطوم في 26 سبتمبر: "لا نريد تأشيرة لدولة ولا نريد إذنا من أحد.. سنبقى معكم هنا ونموت معكم هنا في هذا البلد".
ورأت مجلة "ريسبونسبل ستيتكرافت" الأميركية أن هذه الواقعة جاءت تتويجا لعام شهد تصاعدا في عداء السياسة الأميركية تجاه البرهان والقوات المسلحة السودانية، رغم أن بولس كان قد وصف الجيش في مايو/أيار بأنه "المؤسسة الدستورية" التي ينبغي الحفاظ عليها.
وميدانيا، يمسك الجيش حاليا بزمام المبادرة، بعدما استعاد خلال عام العاصمة الخرطوم ومساحات واسعة من وسط البلاد، قبل أن يسيطر على سودري، البلدة الإستراتيجية في ولاية شمال كردفان.
وأوضحت المجلة أن سلسلة الانتصارات هذه دفعت الجيش إلى مشارف دارفور، معقل قوات الدعم السريع، وهو الإقليم الذي أُخرج منه الجيش والقوات المتحالفة معه بالقوة عقب سقوط الفاشر.
ورأت أن التطورات الميدانية، إلى جانب تزايد الانشقاقات رفيعة المستوى التي تستنزف قوات الدعم السريع من الداخل، تجعل تحقيق نصر عسكري حاسم يبدو في المتناول للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب.
وفي ظل هذا التحول، صعّدت واشنطن ضغوطها، التي تركز معظمها عمليا على الطرف الذي يحقق مكاسب ميدانية، بحسب المجلة.

عقوبات شخصية
ولجأت واشنطن إلى أدوات عدة، ففي يناير/كانون الثاني 2025 فرضت عقوبات على البرهان شخصيا، بسبب رفضه "المشاركة في محادثات السلام الدولية" و"القصف العشوائي للبنية التحتية المدنية".
وفي مايو/أيار 2025، توصلت الحكومة الأميركية إلى أن حكومة السودان التي يقودها الجيش استخدمت أسلحة كيميائية. وفي سبتمبر/أيلول 2026، نشرت صحيفتا "نيويورك تايمز" و"واشنطن بوست" "ملفا سريا" يشير إلى ذلك، استنادا إلى معلومات قدمها "جهاز استخبارات شرق أوسطي".
واستدركت المجلة بأن الاتهام خطير ويعزز القرار الأميركي السابق، لكن البرنامج يبدو أنه أُوقف، ولم يسفر عن وفيات مؤكدة، كما خلا الملف من أي شهادات لضحايا.
ونقلت عن مصادر تحدثت لموقع "ميدل إيست آي" أن الملف مصدره الاستخبارات الإسرائيلية.
ولفتت إلى أهمية هذا التفصيل في ضوء ما أُفيد عن اتصالات إسرائيلية مع قيادة الدعم السريع، إلى جانب تموضع إسرائيل الإقليمي المنحاز بدرجة كبيرة إلى الإمارات، الداعم الخارجي الرئيس لهذه القوات.
وبالتزامن مع تسريب التقرير، كانت واشنطن تسعى في الأمم المتحدة إلى توسيع حظر الأسلحة المفروض على السودان. فبعدما كان الحظر يقتصر على دارفور الخاضعة لسيطرة الدعم السريع، دفع بولس والسفير الأميركي لدى الأمم المتحدة، مايكل والتز، نحو تعميمه على البلاد بأكملها.
وعلى الورق، يبدو الإجراء متوازنا، إذ ينطبق على الطرفين "دون استثناءات"، بحسب ما أوضحه بولس ووالتز في مقال بمجلة "فورين بوليسي". لكن الحظر الشامل، عمليا، يؤثر في الجيش أكثر من غيره.
وبيّنت المجلة أن الجيش هو الحكومة المعترف بها دوليا، وبالتالي تُعد مشترياته، وفق هذا المنطق، أعمالا مشروعة لدولة تدافع عن نفسها، بينما سيؤدي الحظر إلى إعادة تصنيفها بوصفها بضائع مهربة. أما الدعم السريع فلا يحظى بهذه المكانة، وبالتالي ليس لديه ما يخسره

تواطؤ مع الإمارات
ونبّهت المجلة إلى أن بولس يتجنب باستمرار تسمية الإمارات، رغم أن خبراء النزاعات ومشرعين أميركيين، فضلا عن العقوبات التي فرضتها واشنطن نفسها، حددوا أبو ظبي باعتبارها داعما خارجيا رئيسا للدعم السريع، من خلال تزويده بالمسيّرات والمدرعات والمرتزقة الكولومبيين الذين أسهموا في منحه تفوقا ميدانيا.
وعندما سألته هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" مباشرة عن دور أبو ظبي، اكتفى بولس بالقول: "ربما يكون هناك بعض التجار أو ما شابه ممن يقدمون هذا النوع من الإمدادات".
وأشارت المجلة إلى أن تصاعد التنافس بين الإمارات والسعودية يمثل عاملا حاسما في تشكيل مسار الحرب السودانية. ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2025، ضغط ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، على ترامب في البيت الأبيض من أجل الانخراط في جهود صنع السلام في السودان.
ورحب البرهان بالخطوة، وأفادت تقارير بأنه أبلغ ابن سلمان هاتفيا، قبل زيارته، بأن الحرب لن تنتهي من دون ضغط أميركي على أبو ظبي.
ووفق المجلة، كان ذلك الإطار سعوديا ومنحازا بوضوح إلى الجيش؛ إذ ترى الرياض فيه حصنا يحول دون انهيار الدولة، وليس أحد طرفين متساويين أخلاقيا، كما تراه واشنطن وأبو ظبي.
لكن منذ تعهد ترامب في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 بـ "بدء العمل على السودان"، استحوذت الحرب الطاحنة مع إيران على اهتمامه، وبقي الملف بيد بولس، الذي تشمل مهمته القارة الإفريقية بأكملها.
وفي غضون ذلك، اتسعت الخلافات بين الرياض وأبو ظبي على جبهات عدة. ففي ربيع 2026، انسحبت الإمارات من منظمة البلدان المصدرة للبترول "أوبك"، التي تقودها السعودية فعليا، كما عمقت علاقاتها الدفاعية مع إسرائيل خلال الحرب الأميركية الإيرانية.
أما السعودية فسلكت مسارا مختلفا تماما، بانضمامها إلى "اتفاقية مكة للدفاع المشترك" مع تركيا وباكستان، وهي خطوة يُنظر إليها على نطاق واسع بوصفها تستهدف كبح النزعة الإسرائيلية وإرساء ردع جماعي.
كما شددت البنوك السعودية بهدوء إجراءات التدقيق في التحويلات إلى الإمارات، وأخضعتها لإجراءات مكافحة غسل الأموال المطبقة على الولايات القضائية عالية المخاطر. وذُكر أن شاحنات البضائع اصطفت أياما على الحدود المشتركة خلال صيف 2026، بانتظار التخليص السعودي.
وأصر أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس الإمارات، علنا في نيويورك، على أن "مجالات الاهتمام المشتركة بيننا وبين السعودية تفوق بكثير أي خلاف"، لكن التقارير تشير إلى صورة مختلفة، بحسب المجلة.
وأضافت المجلة أن رهانات الرياض في السودان تتزايد؛ إذ عادت حربها مع الحوثيين على حدودها الجنوبية إلى التصعيد، بعد المكاسب التي حققتها الجماعة على الساحل الغربي لليمن.
وتابعت أن احتمال تحوّل دولة ثانية ممزقة على البحر الأحمر إلى ساحة نفوذ لجماعة لا تثق بها السعودية ولا تملك السيطرة عليها، بدا تهديدا للرياض منذ بداية الحرب.
وهذا الخوف هو ما دفع المملكة إلى المشاركة في استضافة الجولة الأولى من محادثات وقف إطلاق النار في جدة مع بداية الحرب.

تحرك سعودي مرتقب
ونتيجة لذلك، بدأت السعودية تقاوم هذا المسار، ويبدو أن صبرها على إدارة واشنطن للملف السوداني آخذ في النفاد، وفق المجلة.
وبحسب مجلة "ذي أفريكا ريبورت"، هددت الرياض بالانسحاب من "الرباعية"، مجموعة الوساطة التي شكلتها واشنطن وتضم القاهرة والرياض وأبو ظبي.
وفي نيويورك، اجتمع وزير الخارجية السعودي مع نظيره المصري ووزيري خارجية شريكي اتفاق مكة، تركيا وباكستان، وجميعها تدعم الجيش السوداني. وتزود تركيا الجيش بالمسيّرات، بينما أرسلت باكستان إليه مدرعات.
وأصدر الوزراء بيانا أعربوا فيه عن دعم "المؤسسات الوطنية الشرعية" في السودان، ورفض "الكيانات الموازية". ووصفت المجلة ذلك بأنه موقف صريح مؤيد للجيش ومعارض للدعم السريع، صدر عن اجتماع غابت عنه واشنطن وأبو ظبي.
وبعد أيام، أكد البرهان في الخرطوم أن السودان لا يمكن "ابتزازه"، في إشارة إلى حرمانه من التأشيرة.
وختمت المجلة بأن هذه النظرة لا تبشر بمسار سلام يتوقف نجاحه على تعاون البرهان، مشيرة إلى أنها تحظى بتأييد متزايد من شركاء أميركا في الشرق الأوسط، باستثناء طرف واحد.
















