بعد تصاعد التوتر مع أفغانستان.. ما موقف "حلف مكة" من دعم باكستان

"التصعيد الحالي حلقة جديدة في أزمة ممتدة، وليس حادثة منفصلة"
شهدت العلاقات بين أفغانستان وباكستان، خلال الفترة من 21 إلى 24 سبتمبر/أيلول 2026، موجة جديدة من التصعيد، بدأت بغارات جوية باكستانية استهدفت مواقع شرقي أفغانستان، قبل أن تمتد لاحقا إلى قندهار وبكتيا وخوست.
وفي 21 سبتمبر، نفذت القوات الجوية الباكستانية ضربات على مواقع في ولايتي كونر وبكتيكا، وقالت إسلام آباد: إن الغارات استهدفت مخابئ لمسلحين وأسفرت عن مقتل 28 منهم.
في المقابل، أعلنت السلطات الأفغانية مقتل 3 مدنيين وإصابة 4 آخرين جراء الضربات، فيما عدت كابل الهجمات انتهاكا لسيادتها وتوعدت بالرد.
وجاء هذا التصعيد في أعقاب سلسلة هجمات مسلحة داخل باكستان، اتهمت إسلام آباد حركة طالبان باكستان بالوقوف وراءها، مؤكدة أن عناصرها تنطلق من الأراضي الأفغانية لتنفيذ هجمات عبر الحدود.
من جانبها، نفت حكومة طالبان السماح باستخدام الأراضي الأفغانية لشن هجمات على باكستان، ورفضت الربط بين الاضطرابات الأمنية داخل الأراضي الباكستانية والأوضاع في أفغانستان.
وترى صحيفة "إزفيستيا" الروسية أن جولة التصعيد الأخيرة بين أفغانستان وباكستان تظهر أن الطرفين لم يتوصلا حتى الآن إلى حلول جذرية لأسباب الأزمة.
وتطرح الصحيفة تساؤلات بشأن احتمال تدخل أنقرة والرياض عسكريا لدعم إسلام آباد في مواجهة طالبان، خصوصا في ظل الزيارتين الأخيرتين لمسؤولين أمنيين رفيعي المستوى من تركيا وقطر إلى كابل.

توقعات لم تتحقق
ويقدر التقرير أن باكستان "كانت تعول على أن تعمل القيادة الأفغانية الجديدة على الحد من تمركز المسلحين على أراضيها، إلا أن هذه التوقعات لم تتحقق".
من جهته، "ينفي الجانب الأفغاني دعمه للحركة، ويشير إلى أن المشكلات الأمنية التي تواجها باكستان ذات طابع داخلي".
مع ذلك، أشار التقرير إلى أن "إسلام آباد تصر على أنه من المستحيل خفض التهديد الإرهابي من دون القضاء على ملاذات المتطرفين في الأراضي المجاورة".
في سياق تحليلي، أوضحت الصحيفة أن "العلاقات بين كابل وحركة طالبان باكستان أكثر تعقيدا مما هو متعارف عليه".
وفسرت حديثها: "كلا الفرعين تربطهما صداقة تمتد لسنوات، وأيديولوجيا مشتركة، وتاريخ طويل من القتال".
ومن ثم، نوهت إلى أن "المطالب الباكستانية تدفع القيادة الأفغانية فعليا إلى خوض حرب مفتوحة ضد حركة كانت حليفا لها حتى وقت قريب".
مع ذلك، أشارت الصحيفة إلى أن "كابل اتخذت بعض الخطوات لتخفيف حدة الأزمة مع إسلام آباد، إذ تشير بيانات الأمم المتحدة إلى نقل نحو ألفي مسلح من المناطق الحدودية إلى داخل البلاد".
واستدركت الصحيفة: "إلا أن هذه الإجراءات الجزئية لا تزال دون الحد الذي تطلبه پاكستان وتعده كافياً لتأمين حدودها".
في ظل هذه الظروف، ذكر التقرير أن "إسلام آباد تلجأ بصورة متزايدة إلى ممارسة الضغط بالقوة".
وبحسب تقييمه، فإنه "من المستبعد أن تحل الضربات عبر الحدود وحدها مشكلة حركة طالبان باكستان".
واستطرد: "بل إن استمرارها ينطوي على خطر قيام القوات الأفغانية بردود فعل، فضلا عن مزيد من تدهور العلاقات".
وعليه، أشار إلى أن "السيناريو الأكثر ترجيحا ليس اندلاع حرب شاملة، لا مصلحة لأي من الطرفين فيها، وإنما استمرار الدورة الحالية، التي تتواصل خلالها الهجمات الإرهابية في باكستان، وتوجيه الاتهامات إلى كابل، وتنفيذ ضربات على الأراضي الأفغانية، ووقوع اشتباكات حدودية بصورة دورية".
وأردف: "وكلما طال أمد هذا الوضع، ازداد احتمال أن تؤدي الجولة التالية إلى تصعيد أكثر خطورة".

حلف مكة
في خضم هذه التطورات، يبزر متغير جديد قد يعيد ترتيب أوراق المشهد، فبحسب الصحيفة، "تضيف اتفاقية مكة للدفاع المشترك التي وقعت في 7 أغسطس/ آب بين باكستان وتركيا والمملكة العربية السعودية، بعدا إضافيا إلى الأزمة الحالية".
وتابعت: "تكرس الاتفاقية مبدأ يقضي بأن أي هجوم مسلح على أحد الأطراف يعد هجوما على الأطراف الثلاثة جميعا".
ومع ذلك، نوهت إلى أن "البنود المنشورة لا تنص على رد عسكري تلقائي، كما أن النص الكامل للاتفاق لم ينشر".
ومن ثم، تعتقد أنه "سيكون من المبكر عدّه ضمانة لتدخل مباشر من جانب تركيا أو السعودية في حال استمرار التصعيد الأفغاني الباكستاني".
في مقابل ذلك، ترى أن "الأثر الدبلوماسي للاتفاقية سيكون أكثر أهمية".
وفي هذا السياق، أوضحت أن أنقرة "تكتسب أهمية خاصة في هذا الصدد، فهي من جهة تتحول إلى شريك عسكري سياسي لباكستان، ومن جهة أخرى تحافظ على علاقات عملية مع السلطات الأفغانية".
ووفقا لها، تجسدت هذه الجهود في "زيارة رئيس الاستخبارات التركية إبراهيم قالن إلى كابل وإسلام آباد في منتصف سبتمبر/ أيلول، في إطار مساعي الوساطة".
ولفتت إلى أن "قالن لم يكن وحده في هذه المهمة، إذ رافقه مسؤول أمني قطري رفيع المستوى، موضحة أن الدوحة تشارك أيضا في جهود الوساطة، مستفيدة من قنوات التواصل التي تربطها منذ فترة طويلة بحركة طالبان الأفغانية".

حلول غائبة
وبالتالي، خلصت الصحيفة إلى أن "اتفاق مكة لن يكون في حد ذاته قادرا على معالجة أسباب المواجهة الأفغانية الباكستانية".
علاوة على ذلك، "لا يزال من غير الواضح إلى أي مدى تنطبق الالتزامات التي ينص عليها على نزاع من هذا النوع".
واستدركت: "غير أن تعزيز علاقات إسلام آباد مع أنقرة والرياض يوسع دائرة الأطراف الخارجية المستعدة للمشاركة في تسوية الأزمة".
وأضافت: "وبالنسبة إلى الجانب الباكستاني، فإن إشراك الشركاء يمثل فرصة إضافية لممارسة الضغط على كابل، في حين قد يكون لجوئها إلى وساطة دول ثالثة أكثر تفضيلا من الاستجابة لمطالب الآخرين تحت تهديد شن ضربات جديدة".
"وفي المستقبل القريب، تظل قضية حركة طالبان باكستان هي العامل الحاسم"، قالت الصحيفة.
وأردفت: "وطالما ظل طرفا النزاع مختلفين بصورة جوهرية بشأن الجهة المسؤولة عن نشاط الحركة، والإجراءات التي يتعين على كابل اتخاذها، فإن احتمال شن باكستان ضربات جديدة سيظل قائما".
في المحصلة، تعتقد الصحيفة أنه "يمكن لتركيا وقطر المساعدة في استئناف عملية التفاوض، لكنهما لن تتمكنا من أن تحلا محل التفاهم بين أفغانستان وباكستان نفسيهما".
لذلك، رجحت أن "يمثل التصعيد الحالي حلقة جديدة في أزمة ممتدة، وليس حادثة منفصلة، ما لم تتمكن إسلام آباد وكابل من التوصل إلى آلية محدودة على الأقل للتنسيق بشأن هذه القضية".
















