"خطوة شديدة الخطورة".. لماذا تقلق إسرائيل من دعوة أردوغان إلى إصلاح مجلس الأمن؟

في مقال لافت نشره رجب طيب أردوغان، دعا الرئيس التركي إلى إجراء إصلاح شامل في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.
وطرح أردوغان خريطة طريق لإعادة صياغة توزيع القوة الدولية ومفهوم العدالة العالمية، مقترحا إلغاء حق النقض "الفيتو" الذي تتمتع به الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن.
وحذر معهد "مسغاف" العبري من أن هذا المقترح يمثل "خطوة بالغة الخطورة بالنسبة إلى إسرائيل والولايات المتحدة والعالم الغربي".
وبحسب المعهد، "لا شك في ضرورة السعي إلى إصلاح الأمم المتحدة، غير أن هذا الإصلاح لا ينبغي أن يشمل تجريد القوى الكبرى من قدرتها على فرض قراراتها داخل الأمم المتحدة، وإنما ينبغي أن يتجه إلى تجريد الأمم المتحدة نفسها من صلاحياتها القسرية".

إعادة النظام
واستهل المعهد حديثه مشددا على أن خطة أردوغان تهدف “في الواقع إلى إعادة صياغة النظام العالمي بصورة أقل عدالة وأكثر خطورة”، وفق زعمه.
وأوضح أنه "لفهم هذه الحجة والمخاطر التي تنطوي عليها، يجب أولا فهم هيكل الأمم المتحدة والمنطق الذي قام عليه تصميم مجلس الأمن".
وقال: "يتطلب فهم هيكل الأمم المتحدة استحضار الظروف التي تأسست فيها المنظمة، والتي جرى في ضوئها تحديد بنيتها، فالأمم المتحدة هي نتاج الحرب العالمية الثانية، وقد تأسست مباشرة بعد انتهائها".
وأضاف أنه "لهذا السبب، تتميز المنظمة بسمتين رئيستين، تتعلق الأولى بهدفها، المتمثل قبل كل شيء في الحفاظ على السلام والأمن العالميين ومنع العالم من الانزلاق إلى حرب عالمية ثالثة، وذلك على خلاف عصبة الأمم التي سبقتها وفشلت في تحقيق هذا الهدف".
وأردف: "أما السمة الثانية فتتعلق بهيكل الأمم المتحدة، الذي يعكس إلى حد كبير تصور القوى الكبرى التي انتصرت في الحرب العالمية الثانية".
وتضم الأمم المتحدة ثلاثة أجهزة رئيسة هي الجمعية العامة ومجلس الأمن والأمانة العامة، وبينما تتولى الأمانة العامة، برئاسة الأمين العام للأمم المتحدة، إدارة المنظمة من الناحية الإدارية، فإن الاهتمام الأكبر ينصب على توزيع الصلاحيات بين المؤسستين الرئيسيتين: الجمعية العامة ومجلس الأمن.
ويتمتع مجلس الأمن بطبيعة تنفيذية، ويضم 15 دولة عضوا فقط، ويتمتع بصلاحيات تكاد تكون حصرية في مجال الحفاظ على السلام والأمن العالميين.
والأكثر أهمية، وفق المعهد، أن "قرارات مجلس الأمن تكون ملزمة للدول من حيث المبدأ، كما يمتلك المجلس وسائل لفرض تنفيذ قراراته".
ومن بين الدول الأعضاء الـ15 في المجلس، تتمتع خمس دول بمقاعد دائمة، بينما تتناوب الدول العشر الأخرى على العضوية كل عامين.
والدول الخمس دائمة العضوية هي الولايات المتحدة وروسيا والصين وبريطانيا وفرنسا، وأي قرار يصدر عن المجلس في مواجهة اعتراض واستخدام "الفيتو" من جانب إحدى الدول دائمة العضوية لا يمكن اعتماده، حتى إذا أيدته جميع الدول الأعضاء الـ14 الأخرى.
واستطرد المعهد: "وعمليا، عادة ما تستخدم الولايات المتحدة حق النقض من جهة، بينما تستخدمه روسيا أو الصين من الجهة الأخرى".
أهمية التوافق
ويرى الكاتب أن "مقترح أردوغان يقوم على تجريد الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن من حق النقض، بالتوازي مع توسيع صلاحيات الجمعية العامة، بما يجعل عملية اتخاذ القرارات قائمة بدرجة أكبر على مبدأ المساواة بين الدول والتصويت بالأغلبية".
وتابع: "يبدو هذا الطرح للوهلة الأولى وكأنه يسعى إلى الحد من الامتيازات التي تتمتع بها القوى الكبرى وتعزيز المساواة داخل الأمم المتحدة".
إلا أنه يعتقد أن "هذه الرؤية تخفي مخاطر كبيرة على الاستقرار والأمن العالميين، فضلا عن تداعيات خاصة على إسرائيل والولايات المتحدة والدول الديمقراطية".
واستند تقييم المخاطر، بحسب المعهد، إلى "طبيعة حق النقض وعلاقته بالصلاحيات الواسعة التي يتمتع بها مجلس الأمن، ولا سيما صلاحية اللجوء إلى القوة العسكرية الدولية ضد أي دولة".
وزعم أنه "في ظل وجود قوتين عظميين نوويتين -وربما ثلاث قوى- تقود الكتل الدولية الرئيسة، فإن أي قرار باستخدام القوة ضد دولة مرتبطة بأحد هذه المعسكرات من دون موافقة القوة النووية التي تقوده قد يؤدي إلى مواجهة عسكرية واسعة، وربما إلى حرب نووية".
ومن هنا، يربط الكاتب بين "حق النقض وبين ضرورة منع استخدام القوة الدولية في الحالات التي لا تحظى بتوافق بين القوى الكبرى".
ومن وجهة نظره، فإن "الوسيلة الأساسية لتجنب هذا الخطر تتمثل في حصر استخدام القوة الدولية في الحالات التي يتحقق فيها إجماع بين القوى الكبرى".
ووفقا لهذا التصور، "قد يبدو حق النقض امتيازا غير عادل عندما ينظر إليه بصفته صلاحية خاصة لدول محددة، لكنه يصبح منطقيا عندما ينظر إليه بصفته آلية تمنع المجتمع الدولي من اللجوء إلى القوة العسكرية في غياب توافق واسع".

قرارات معادية
في ضوء ذلك، حذر المعهد من أن "مقترح أردوغان سيجعل تمرير قرارات تتعلق باستخدام القوة الدولية أسهل، إذ يمكن اعتمادها بأغلبية يمكن تحقيقها داخل الجمعية العامة ومجلس الأمن".
وقد يؤدي ذلك، بحسب رؤيته، إلى "زيادة اللجوء إلى القوة أو التهديد بها ضد الدول، وما يترتب على ذلك من تقييد أكبر لسيادة الدول وارتفاع مخاطر عدم الاستقرار الدولي".
ويربط الكاتب بين "توسع استخدام القوة الدولية بهذه الطريقة وبين احتمال زيادة مخاطر اندلاع صراعات واسعة قد تصل إلى مواجهة نووية".
من جانب آخر، عدّ المعهد مقترح الرئيس التركي "أقل عدالة مما يبدو عليه في الطرح النظري".
وعزا ذلك إلى أن "فكرة وجود نظام أممي مثالي تتساوى فيه جميع الدول، بحيث يكون لكل دولة صوت واحد، لا تعكس واقع العلاقات الدولية".
واستطرد: "فالدول تختلف في قدراتها ونفوذها، وبعضها يخضع لتأثير حاسم من دول أقوى، وهو ما يجعل مبدأ المساواة العددية في التصويت غير كاف لضمان مساواة فعلية في التأثير على القرارات"، على حد قوله.
فضلا عن أن "الدول لا تتحرك بصورة منفردة، وإنما تتجمع في تكتلات إقليمية وسياسية، مثل الدول العربية ودول أوروبا الغربية وغيرها".
وبناء عليه، يرى أن "تطبيق مبدأ المساواة العددية قد يمنح تكتلات معينة قدرة ثابتة على تمرير قرارات ملزمة معادية لإسرائيل، وأحيانا معادية للولايات المتحدة".
وأضاف أنه "حتى من الناحية النظرية، لا يخلو اقتراح أردوغان من إشكالات تتعلق بالعدالة، فمن غير المنطقي منح هيئة دولية صلاحيات قسرية، في وقت لا تملك الدول المستهدفة بهذه الصلاحيات قدرة حقيقية على التأثير في تشكيل الهيئة التي تتخذ قرارات الإكراه".
واستطرد: "لا ينبغي إخضاع دول مثل إسرائيل لقرارات تصدرها أغلبية محددة سلفا، ولا تملك هذه الدول قدرة حقيقية على التأثير فيها، في حين تحرك عضوية تلك الأطراف مصالح لا تمت إلى العدالة العالمية بصلة".
البديل الإسرائيلي
"إلى جانب اقتراح أردوغان، تطرح بين الحين والآخر مقترحات أقل راديكالية، من بينها إضافة قوى صاعدة جديدة إلى مجموعة الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن، مثل الهند"، قال المعهد.
وعقّب: "من وجهة نظر إسرائيل، قد يكون انضمام الهند عضوا دائما أفضل من الوضع القائم الذي يبقى فيه حق النقض الأميركي، الذي يمثل رصيدا سياسيا إستراتيجيا لإسرائيل، عرضة للهشاشة على المدى البعيد".
ومع ذلك، يرى الكاتب أن "الخيار الأفضل بكثير يتمثل في دعم إسرائيل تحركا أميركيا لتجريد الأمم المتحدة بالكامل من صلاحياتها القسرية".
وعلى غرار المحاكم الدولية، تعاني الأمم المتحدة، بحسب الطرح، من "انحياز بنيوي في هيكلها وممارساتها، يتخذ في كثير من الأحيان طابعا معاديا لإسرائيل وأحيانا معاديا للولايات المتحدة".
ومن ثم، يرى هذا التصور أنه "لا ينبغي منح صلاحيات قسرية لمنظمة تعجز عن اتخاذ موقف حيال دعوة دولة عضو فيها (إيران) إلى القضاء على دولة عضو أخرى (إسرائيل) وفي الوقت نفسه تقدم دعما يكاد يكون مطلقا للسلطة الفلسطينية، رغم ممارستها تحفيزا علنيا على الإرهاب، بينما تواصل المنظمة إصدار قرارات بصورة منهجية ضد إسرائيل".
ولا ينفصل حديث الكاتب عما يحدث بالفعل في الآونة الأخيرة، إذ أشاد بـ"الحملة التي بدأها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ضد المحكمة الجنائية الدولية بهدف تفكيكها بالكامل".
وذكّر أن "الولايات المتحدة كانت قد فرضت منذ فترة عقوبات على قضاة ومسؤولين في المحكمة، ومن المتوقع أن توسع نطاق هذه الإجراءات".
وبحسب المعهد، "أسهمت هذه التحركات بالفعل في دفع بعض الدول إلى الانسحاب من المحكمة".
ومن هنا، يقدر أن "النهج نفسه يمثل حلا أكثر عدالة وفاعلية بالنسبة إلى مؤسسات الأمم المتحدة، بما فيها مجلس الأمن".
وعليه، دعا الكاتب إلى "تجريد مجلس الأمن من صلاحياته القسرية، والإبقاء عليه، شأنه في ذلك شأن الأمم المتحدة ككل، هيئة للحوار والتنسيق الدولي فحسب".
من ثم، يعتقد أنه "يتعين على إسرائيل تشجيع تحرك بقيادة أميركية لتحقيق هذا الهدف".
واستطرد: "صحيح أن هذا هدف طموح للغاية، غير أن إمكانية تنفيذ مثل هذا التحرك تبدو أكبر في الإدارة الأميركية الحالية، التي تضم على الأرجح مسؤولين يشاركون هذه الرؤية تجاه الأمم المتحدة".
واسترسل: "ما دامت المنظمة منحازة وغير فعالة، فإن تجريدها من الصلاحيات الإلزامية سيكون بالضرورة أكثر عدلا وفاعلية".
وعلى المستوى العملي، دعا الكاتب إسرائيل إلى "اعتماد قرار استراتيجي بإدراج تفكيك المؤسسات الدولية المنحازة التي تعمل ضدها ضمن أهداف سياستها الخارجية، أو تجريدها من صلاحياتها القسرية، باعتبار أن هذه المؤسسات تمثل تهديدا لقدرة إسرائيل على ممارسة حقها في الدفاع عن النفس".
وبيّن أنه "من بين السبل المقترحة لدفع هذه السياسة قدما، تعيين مبعوث خاص لرئيس الوزراء ووزيري الخارجية والدفاع، يتولى العمل حصرا على تحقيق هذا الهدف".
ولفت إلى "ضرورة إصدار قرار حكومي يحدد مكانة المبعوث الخاص وصلاحياته، مع منحه أقصى قدر ممكن من المرونة في القيام عمله".
وبحسب تقيمه، فإنه "في ظل التحولات التي تشهدها دول أميركا الجنوبية ودول أخرى في أوروبا، فإن هذا الجهد قابل للتنفيذ، كما أن فرص أن يحقق نتائج خلال المدى القصير إلى المتوسط آخذة في الارتفاع".
ختاما، أوصى المعهد بـ"اعتماد قرار سياسي إستراتيجي تعمل إسرائيل بموجبه على إلغاء صلاحيات الإنفاذ الدولية لمؤسسات الأمم المتحدة".
كما دعا، في الوقت ذاته، إلى "اعتماد قرار يقضي بدعم الجهود الرامية إلى منح الهند عضوية دائمة في مجلس الأمن، ما دام تحقيق الهدف الأوسع المتمثل في إلغاء الصلاحيات القسرية للأمم المتحدة غير ممكن".

















