الحكومة الإيطالية تشن حربا على النقاب وسط رفض إسلامي ويساري.. ما القصة؟

"في إيطاليا، توجد طالبة واحدة ترتدي النقاب الكامل لكل 240 فصلا دراسيا"
تواصل عدة دول أوروبية فرض قيود على حرية لباس المواطنين والمهاجرين من أصول مسلمة، تحت مبررات تتعلق بالتعايش والانسجام مع الثقافة المحلية، في وقت تتعرض فيه هذه السياسات لانتقادات حقوقية تربطها بتنامي ظاهرة الإسلاموفوبيا.
ومن أحدث الخطوات في هذا السياق، إعلان رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني خطة تتضمن حظر ارتداء النقاب والبرقع داخل المدارس الإيطالية، مع التشديد على ضرورة حضور الطلاب بوجوه مكشوفة.
وكانت الحكومة الإيطالية قد أقرت، في 24 سبتمبر/ أيلول 2026، مرسوما باقتراح من ميلوني يمنع ارتداء البرقع والنقاب أثناء الدروس والأنشطة المدرسية ولقاءات أولياء الأمور بالمعلمين، بدعوى "أسباب أمنية" وحماية حقوق الفتيات، مع استثناء حالات صحية أو أمنية محددة.
وتشمل الخطة أيضا تحديد سقف قانوني لنسبة الطلاب الأجانب داخل الفصول الدراسية، بهدف الحد من تركزهم وتحسين الاندماج ورفع كفاءة العملية التعليمية.
كما تنص على إلزام أولياء أمور الطلاب الأجانب الذين يواجه أبناؤهم صعوبات كبيرة في الاندماج المدرسي بالمشاركة في برامج لتعلم اللغة الإيطالية.
وقالت ميلوني للصحفيين عقب اجتماع مجلس الوزراء: "يجب أن نمضي بعيدا في هذا الاتجاه، دون تردد، لأنه لا ينبغي لأحد في إيطاليا أن يخفي وجهه باسم تقليد مفترض أو حقيقي"، معربة عن استغرابها من رفض اليسار الإيطالي لهذه الخطوة.
في المقابل، وصفت قوى اليسار وأحزاب معارضة أخرى القرار بأنه إجراء "شعبوي" ينطوي على تضليل، ويهدف إلى صرف الانتباه عن المشكلات الحقيقية التي تواجهها البلاد، مقدرة أن بعض بنوده تقوم على تقديرات "هوياتية" وعنصرية.
من جانبه، أقر وزير التعليم جوزيبي فالديتارا بأن عدد النساء والفتيات المشمولات بالقرار محدود على مستوى البلاد، لكنه تمسك به، قائلا: "سواء كان العدد بضع عشرات أو ألفا، أعتقد أن الحظر عادل لأن كرامة المرأة يجب احترامها دائما"، وفق تعبيره.
ووصف فالديتارا، الذي شارك قبل أيام عبر اتصال من نيويورك في مؤتمر صحفي لرابطة الشمال، الخطوة بأنها "معركة حضارية".
وخلال اللقاء نفسه، قال السياسي الإيطالي اليميني المتطرف ماتيو سالفيني إن "الإسلام السياسي هو العدو الأول للوطن".
وأضاف: "بدلا من الإسلاموفوبيا، علينا أن نقلق بشأن المسيحية-فوبيا، لأنه هنا في أوروبا، قريبا ستُشن حملة مطاردة ضد المسيحيين واليهود"، وفق قوله.

حظر "إخفاء الوجه"
شكل هذا التوجه التضييقي على لبس النقاب اختيارا متكررا في العديد من الدول الأوروبية، ومن أولها فرنسا التي وافقت في سنة 2010 على قانون يحظر "إخفاء الوجه" في الأماكن العامة.
ويوجب القانون الفرنسي الالتزام بهذا الحظر في كل مكان تقريبا: الشوارع، ووسائل النقل العام، والمتاجر، والمتاحف، ودور السينما، والمسارح، والمكتبات، والمدارس، ومكاتب البريد، والمستشفيات، والمحاكم، والمكاتب الإدارية.
وعندما طُلب من المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان البتّ في القضية، قضت بأن ضمان "ظروف التعايش" هو "هدف مشروع" للسلطات الفرنسية، التي "تتمتع بهامش واسع من السلطة التقديرية" في هذا الشأن.
وفي سنة 2011، فُرض الحظر في بلجيكا، حيث يواجه المخالفون عقوبات بالسجن. ثم حذت بلغاريا حذوها، حيث امتد الحظر ليشمل القطاع الخاص، وأصبح ارتداء البرقع والنقاب مسموحا به فقط في المنازل الخاصة وأماكن العبادة.
وفي الدنمارك، مُنع ارتداء البرقع والنقاب في الأماكن العامة منذ سنة 2018، لكن الحكومة أعلنت مؤخرا عزمها سنّ قانون خاص بالمدارس أيضا.
وفي النمسا، يسري قانون حظر تغطية الوجه منذ سنة 2017، بينما أقر البرلمان النمساوي في 2025 حظرا جديدا، دخل حيز التنفيذ في الأول من سبتمبر، يمنع الفتيات دون سن الرابعة عشرة من ارتداء الحجاب. ومع ذلك، ما يزال القانون قيد المراجعة من قبل المحكمة الدستورية.
كما أصدرت هولندا قانون الحجاب عام 2019، بينما لا يوجد في ألمانيا قانون وطني بهذا الشأن، لكن بعض الولايات فرضت حظرا جزئيا.
ومن بين الدول التي تسمح بارتداء النقاب الكامل في أوروبا نجد كلا من السويد وبولندا وإسبانيا.
“الانفصالية الإسلامية”
ذكر موقع "آسكا نيوز" الإيطالي في منشور بتاريخ 26 سبتمبر 2026، أن جورجيا ميلوني أعلنت عن الشروع في تنفيذ القرار في مهرجان الشباب التابع لحزب الاتحاد من أجل إيطاليا.
وأوضح أن المرسوم الذي يتم العمل به بشكل فوري، يفرض غرامة تتراوح بين 200 و1000 يورو على المخالفين.
وذكر الموقع أن هذه الخطوة تُعد الأولى نحو حظر صريح لارتداء النقاب في جميع الأماكن العامة، كما اقترح حزب رئيسة الوزراء وحزب الرابطة بزعامة ماتيو سالفيني في البرلمان، في ظل منافسة محتدمة مع حزب المستقبل الوطني بزعامة روبرتو فاناتشي، مع اشتداد الحملة الانتخابية.
وأشار إلى أنه قد أعلن يوم السبت 26 سبتمبر، عن إطلاق حملة لجمع التوقيعات في جميع أنحاء إيطاليا، برعاية حزب "إخوة إيطاليا"، للترويج لمشروع قانون مُقدّم إلى مجلس النواب ضد ما يُسمى "الانفصالية الإسلامية".
ونقل الموقع أن المشروع يزعم أن هذه المناطق ناتجة عن الهجرة "غير المنضبطة"، فيما تشمل بنوده حظر النقاب في جميع الأماكن العامة، وإلزام الجهات بتتبع مصادر تمويل المساجد ودور العبادة، وتجريم من يعتنق "أفكارا قائمة على التعصب الديني أو الكراهية".

بدوره، قال موقع "ilgiornale" الإيطالي في تحليل بتاريخ 25 سبتمبر، أن رد الفعل المصاحب لهذا الإجراء الحكومي الجديد، يطرح سؤالا سياسيا أكبر بكثير: أين ينتهي الاندماج وأين يبدأ التوقع بأن يقوم المجتمع المُرحِّب بتكييف قواعده تدريجيا مع المبادئ والنماذج الثقافية المختلفة؟
وتابع الموقع: "هذا هو الحد الذي يحاولون من خلاله فرض مفهوم الاندماج على حساب الواقع، أي تطبيق الإسلام السياسي لعملية إخضاع ثقافي".
وشدد المصدر ذاته أن هذا التفسير قد قوبل باعتراضات شديدة من اليسار، وهو نفسه الذي يرشح بنغلاديشيين للانتخابات، حيث يصف هذا الإجراء بأنه حملة اضطهاد للأجانب مُدبّرة لأغراض انتخابية.
واسترسل: "وبينما يخشى قطاع من المعارضة التمييز ضد المجتمعات المسلمة، إلا أن هناك دعاة يتبنون علنا مبدأً لا يقبلون به التفاوض أو يعدونه أمرا فرديا".
وأوضح، فبالنسبة للكثيرين منهم، لا يعد الحجاب حقا للمرأة في الاختيار، بل هو "أمر إلهي".
ونقل الموقع تصريحات مواطنين متفاعلين مع القرار، حيث قال أحدهم إنه غير ذي أهمية، إذ من النادر أن تجد فتاة ترتدي النقاب في المدارس الإيطالية.
لغة الأرقام
تساءل موقع "tecnicadellascuola" الإيطالي في تحليل بتاريخ 22 سبتمبر 2026 عن الأرقام المرتبطة بالمعنيين بالقرار الجديد، ماذا تقول؟
وأجاب، "تشير أحدث البيانات الرسمية إلى أن 931,323 طالبا أجنبيا مسجلون في المدارس، أي ما يعادل 11.6بالمئة من إجمالي الطلاب، وهي نسبة أعلى من النسبة العامة للمهاجرين في إيطاليا (8.9بالمئة)".
وتابع: "حيث وُلد أكثر من 607,000 طالب من حاملي الجنسيات الأجنبية في إيطاليا، وهي زيادة ملحوظة مقارنة بنسبة 51.7بالمئة قبل أحد عشر عاما".
في الواقع، يردف الموقع: "يحمل ما يقرب من نصف الطلاب غير الإيطاليين، 42.9بالمئة، جنسية أوروبية (يمثل مواطنو الاتحاد الأوروبي ما يقرب من الخُمس)، يليهم 27.8بالمئة من أصول إفريقية، و20.7بالمئة من أصول آسيوية، و8.5بالمئة من أصول أميركية (معظمهم من أميركا اللاتينية)".
واسترسل: "من بين أكثر من 930,000 طالب مسجل، يشكل المسلمون ما يزيد قليلا عن الثلث. ومن بين حوالي 350,000 طالب مسلم، يُقدر أن أكثر من نصفهم بقليل، أي 150,000 طالبة، هن من الإناث. مع ذلك، لا ينبغي النظر إلا في أقل من النصف، أي ما لا يزيد عن 40بالمئة".
وأوضح المصدر ذاته، أن العادة جرت أن ترتدي الفتيات الحجاب بعد أول حيض لهن. لذا، ينبغي استبعاد جميع الطالبات الملتحقات بالمرحلة الإعدادية حتى السنة الأولى أو الثانية تقريبا.
وأضاف، ومن بين الـ 60,000 المتبقيات، كم منهن يرتدين الحجاب الشرعي (أو الحجاب العادي) وكم منهن يرتدين البرقع؟ لا توجد إجابة قاطعة لهذا السؤال، لكن الخبراء يشيرون إلى أن أقل من 1بالمئة من النساء المسلمات يرتدين النقاب بشكل عام. وبالتالي، نتحدث عن 500 إلى 600 طالبة أجنبية، من المرجح جدا أنهن يرتدين البرقع في المدارس الإيطالية.
ونبه الموقع إلى أنه، وبالنظر إلى أن عدد الفصول الدراسية في إيطاليا يبلغ 320,000 فصل، وأن 60 بالمئة منها مستثناة، فإن أقل من 130,000 فصل دراسي تبقى متأثرة بتقسيم عدد الطالبات الأجنبيات اللاتي يرتدين النقاب، والبالغ عددهن ما بين 500 و600 طالبة، إلى قسمين.
فنصل إلى النتيجة التالية: في إيطاليا، توجد طالبة واحدة ترتدي النقاب الكامل لكل 240 فصلا دراسيا.

اندماج مشكوك فيه
يرى الكاتب الصحفي المقيم في ايطاليا والمهتم بقضايا الهجرة، عبد الله مشنون، أن الحجاب في إيطاليا ليس مجرد قطعة قماش تغطي شعر امرأة، بل تحول خلال السنوات الماضية في المشهد السياسي والاجتماعي إلى نقطة تتقاطع عندها أسئلة الدين والهجرة والهوية والأمن والاندماج.
وأضاف مشنون لـ "الاستقلال"، ولذلك أصبح غالبا رمزا تستخدمه التيارات السياسية المختلفة في نقاشها حول صورة إيطاليا التي تريدها في المستقبل.
وذكر أن موضوع النقاب طرحه قبل عشرين سنة وزير الداخلية آنذاك جوليانو أماتو في 2006، حيث ميّز بوضوح بين غطاء الرأس وبين إخفاء الوجه مستحضرا صورة مريم العذراء، ليؤكد أن المرأة الدينية الأقرب إلى الوجدان المسيحي ترتدي غطاء على رأسها لا يخفي وجهها، مبينا أن الحجاب شيء وإخفاء الوجه شيء آخر.
وأوضح مشنون أن عبارة أماتو تستند إلى فكرة مفادها أن غطاء الرأس لا ينبغي أن يُعامل تلقائيا بوصفه مشكلة أمنية، في حين أن إخفاء الوجه يطرح مسائل تتعلق بالتعرف إلى الأشخاص والكرامة والأمن.
ونبه الكاتب الصحفي إلى أنه قبل أزمة المدارس الحالية كان ماتيو سالفيني وحزب الرابطة من أبرز الأصوات المطالبة بتشديد القيود على تغطية الوجه في الأماكن العامة رابطين ذلك بقضايا الأمن وحماية النساء من الإكراه، وهو ما يختلف عن خطاب أماتو القديم الذي دعا إلى عدم زج الحجاب وتغطية الوجه في سلة واحدة.
وتابع، بينما يتعامل التيار الذي يمثله سالفيني مع تغطية الوجه بوصفها مسألة ينبغي تنظيمها بصرامة أكبر في المجال العام، مع التأكيد أن الإسلام والهجرة والرموز الدينية أصبحت موضوعات متداخلة في الخطاب السياسي المعاصر.
وشدد مشنون على أنه ينبغي التوقف عند مسألة بالغة الحساسية، وهي أنه ليس كل محجبة متطرفة وليس كل مسلم مهاجرا، وليس كل مهاجر غير مندمج، كما أن رفض التطرف لا يستلزم بالضرورة النظر إلى كل ممارسة دينية بوصفها علامة على التطرف.
ونبه إلى أن هذه التفرقة مهمة في أي مجتمع ديمقراطي، لأن الدولة عندما تواجه سلوكا محددا تستطيع وضع قاعدة واضحة له، أما عندما تتحول القاعدة إلى افتراض مسبق عن مجموعة دينية أو ثقافية بأكملها فإن النقاش ينتقل من القانون إلى الهوية.
وشدد مشنون أن إيطاليا تظل عبر تاريخها المعاصر نموذجا حيا وبلدا يضرب به المثل في الانفتاح والتنوع الخلاق والقدرة على المزج الفريد بين الثقافات والحضارات المختلفة، غير أن تنامي مظاهر العنصرية والإسلاموبوفوبيا وخطاب الكراهية يشكل خطرا جسيما ومباشرا على تماسك النسيج الديمقراطي والمجتمعي في إيطاليا وأوروبا عموما.
ورأى أن خطابات التعصب والتخويف المتبادل لا تقتصر أضرارها على تهميش فئات معينة فحسب، بل تمتد لتسمم عقول الأجيال الناشئة وتغذي دوامة من الانقسام والعداء المجتمعي الذي يقوض قيم التسامح والعيش المشترك التي بُنيت عليها المجتمعات الحديثة.
ويرى مشنون أن "مواجهة هذه الظواهر المدمرة تتطلب وقفة جادة وحازمة من المؤسسات والمجتمع المدني والأفراد، وذلك عبر تعزيز ثقافة الحوار ونشر قيم الاحترام المتبادل، وتفكيك الصور النمطية السلبية، وذلك لكي تبقى إيطاليا والمدارس الإيطالية منارة حقيقية للاندماج والتعددية".
وأشار مشنون إلى أن العديد من الأصوات المسلمة بإيطاليا تؤكد أن الحل لكل المخاوف التي تعلنها بعض الأطراف الإيطالية لا يكمن في جدران الخوف والإقصاء، بل في تعزيز المواطنة المشتركة وتكافؤ الفرص.
وأردف، كما أن هذه الأصوات تؤكد أن "قوة المجتمعات الديمقراطية تقاس بقدرتها على حماية التعددية، وأن الحوار الحقيقي هو السلاح الأنجع لمواجهة ظواهر الإسلاموبوفوبيا وخطاب الكراهية الذي يسعى لتمزيق أواصر العيش المشترك".
وشدد مشنون أن السؤال الجوهري أمام كل ما يقع يبقى معلقا حول قدرة المدرسة والمجتمع على جعل الاندماج واقعا ملموسا، يتجاوز الشعارات الانتخابية والسياسية، ليقاس بنجاح النظام التعليمي في دمج الطفل الإيطالي والطفل القادم من أسرة مهاجرة في الصف نفسه، ليتعلما اللغة ذاتها ويحصلا على الفرص نفسها، ولكي يخرجا من أسوار المدرسة وهما يشعران بالانتماء الحقيقي إلى المجتمع ذاته.
وخلص إلى التأكيد أن الديمقراطية الحقيقية والتعايش السلمي لا يُقاسان فقط باتفاقنا مع من يشبهنا، بل بقدرتنا على احترام وحماية وتكريم الاختلاف والتنوع الإنساني بكل أشكاله.
المصادر
- Meloni vieta burqa a scuola ma è solo primo passo. Che accade nel resto d’Europa
- Proibiamo il burqa perché rispettiamo le donne o i motivi sono altri?
- Burqa vietato a scuola, Meloni: presto un decreto. Ma quante alunne indossano il velo integrale? In tutta Italia meno di 500, una ogni 660 classi! I DATI
- L’imam tifa burqa: “Il velo non è una libera scelta ma un atto divino”
















