صحيفة روسية: هكذا تضع معركة "تعز" مستقبل محمد بن سلمان على المحك

"هذه التطورات قد تفضي إلى أزمة داخل الأسرة الحاكمة في السعودية"
تقترب الحرب في اليمن من مرحلة مفصلية، بعد أن حققت جماعة الحوثي نجاحا عسكريا مهما تمثل في فرض حصار على مدينة تعز ذات الأهمية الإستراتيجية.
وترى صحيفة "فزغلياد" الروسية أن تداعيات هذا التطور لن تقتصر على اليمن، بل قد تمتد إلى المملكة العربية السعودية ومنطقة الشرق الأوسط بأكملها، وصولا إلى العالم، ما يثير تساؤلات بشأن أهمية العملية وتأثيراتها المحتملة.
وتكتسب تعز أهمية إستراتيجية كبيرة لموقعها على الطريق الرابط بين صنعاء وعدن، فيما تخضع غالبيتها لسيطرة الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا.

مدينة محورية
وذكرت الصحيفة أنه "قبل نحو شهر، بدأ الحوثيون هجومهم باتجاه تعز، لكنهم لم يتقدموا نحو المدينة مباشرة، بل حاولوا تنفيذ مناورة التفاف عبر الممرات الجبلية لتطويقها من الجنوب، بهدف قطع خطوط إمدادها ومنع وصول التعزيزات العسكرية إليها من عدن".
وفضلا عن ذلك، "حقق الحوثيون خلال سبتمبر/ أيلول 2026 تقدما مهما على الساحل الغربي؛ إذ وصلوا إلى البحر الأحمر وسيطروا على منطقة ميناء المخا، ما مكنهم من الوصول إلى محيط مضيق باب المندب".
واستدركت: "غير أن مصير مدينة المخا لا يزال غير واضح؛ إذ تشن القوات الحكومية منذ 6 أكتوبر/ تشرين الأول 2026 هجوما عسكريا على هذه الجبهة، وتعلن أنها استعادت السيطرة على الشريط الساحلي وصولا إلى المدينة، في حين ينفي الحوثيون تحقيق القوات الحكومية أي تقدم".
أما الآن، فتشير الصحيفة إلى أن "الحوثيين تمكنوا، نتيجة سلسلة من العمليات الهجومية، من تطويق مدينة تعز فعليا، إلى جانب القوات الحكومية التي لا تزال متمركزة داخلها".
واستطردت: "وفي يوم الخميس 8 أكتوبر/ تشرين الأول 2026، نشر الحوثيون مقطع فيديو من منطقة النشمة، التي تمثل نقطة اختناق إستراتيجية تغلق المنفذ المؤدي إلى المناطق المحاصرة في تعز؛ إذ تمر عبرها جميع طرق الإمداد التي لا تزال صالحة للاستخدام بدرجات متفاوتة".
علاوة على ذلك، "سيطر الحوثيون على المرتفعات الجبلية الرئيسة المحيطة بمدينة تعز، في منطقة جبل جحاف، وعلى آخر الممرات الجبلية التي كان بإمكان القوات الحكومية استخدامها لشن هجمات مضادة، سواء من داخل المناطق المحاصرة أو من خارجها في محاولة لفك الحصار".
واسترسلت: "ووفقا للتقارير، انقطعت خطوط الاتصال والإمداد بين القوات الحكومية المحاصرة في تعز والمناطق الواقعة خارجها بصورة شبه كاملة، فيما استأنف الحوثيون هجومهم على المدينة خلال الأيام الماضية".
ودفعت كل تلك التطورات التقرير للتساؤل: لماذا تحظى تعز بهذه الأهمية بالنسبة للحوثيين؟
ليجيب قائلا: "تمثل تعز مدينة محورية ضمن سلسلة الجبال التي تربط الأجزاء الشرقية والغربية من اليمن؛ إذ شكلت هذه السلسلة تاريخيا حدودا طبيعية بين مناطق البلاد المختلفة، بينما كانت تعز الممر الرئيس الذي يربط بينها".
وتابع: "تتمتع المدينة كذلك بتاريخ عريق يعود إلى العصور الوسطى، حتى إنها أصبحت خلال القرن الـ12 عاصمة لليمن في عهد الدولة الأيوبية".
ومن ثم، نوه إلى أن "تطويق تعز من الجنوب يؤدي إلى قطع اتصالها بمدينة عدن التي تمثل الركيزة الأساسية للحكومة اليمنية المعترف بها دوليا، إذ تتخذها عاصمة مؤقتة لها، وتتمتع بقدر نسبي من الاستقرار".
فضلا عن "امتلاكها ميناء يتيح استقبال الإمدادات القادمة من السعودية عبر البحر، في حين لا توجد طرق تصل إليها عبر الصحراء من جهة الشمال".
وإلى جانب ذلك، فإن "سيطرة الحوثيين على السلاسل الجبلية القريبة من تعز ستتيح لهم تأمين المناطق الواقعة تحت سيطرتهم حاليا على امتداد البحر الأحمر، ما سيجعل شن أي هجوم مضاد من جانب التحالف باتجاه مضيق باب المندب وميناء المخا أمرا شبه مستحيل، دون اقتحام المدينة مباشرة".
ومن هذا المنطلق، ترى الصحيفة أن "تقدم القوات الحكومية باتجاه المخا عبر الطريق الساحلي ربما لم يكن الخيار العسكري الأفضل؛ إذ إن ضمان دعم هذه القوات وإمدادها يكاد يكون مستحيلا دون السيطرة على تعز والممرات الجبلية المحيطة بها".

انهيار الحكومة
من جانب آخر، شدد التقرير على أن "أهمية تعز، ثالث أكبر مدن اليمن، لا تقتصر على الجوانب العسكرية وحدها، بل تحمل كذلك دلالات رمزية وسياسية كبيرة، فقد ظلت المدينة والمناطق المحيطة بها لفترة طويلة معقلا رئيسا للمقاومة المناهضة للحوثيين".
وأردف: "كما أن رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني الحالي، رشاد العليمي، ينحدر من هذه المنطقة".
واستطرد: "وتحظى قلعة القاهرة في تعز بدلالة ثقافية مهمة؛ إذ يجسد اسمها الذي يعني "المنتصر"، إلى جانب تاريخها، ماضي اليمن خلال العصور الوسطى".
وفي هذا السياق، ترى الصحيفة أن "سقوط تعز سيعني انهيار الحكومة المعترف بها دوليا والمتمركزة في عدن، وسيكشف عجز السعودية عن حمايتها، بل وحتى عن الدفاع عن المراكز الرئيسة في البلاد".
وعلى خلفية هذه التطورات، ذكرت أن رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي، أعلن في خطاب متلفز يوم 4 أكتوبر/ تشرين الأول 2026، بدء عملية عسكرية واسعة النطاق بهدف "استعادة ما تبقى من أراضي الجمهورية".
ووفقا لها، "تخوض القوات البرية الحكومية معارك عنيفة، بينما توفر السعودية إسنادا جويا مكثفا عبر شن غارات بمقاتلات حربية على مواقع الحوثيين، بما في ذلك أهداف في صنعاء وصعدة".
وأوضحت أن "أبرز هذه العمليات تمثل في الهجوم المضاد الذي شنته ألوية العمالقة الموالية للحكومة اليمنية على مواقع الحوثيين على امتداد ساحل البحر الأحمر؛ حيث تمكنت من استعادة السيطرة مؤقتا على منطقة ذو باب ذات الأهمية الإستراتيجية".
وتشكل ذو باب موقعا محوريا على الجانب العربي من مضيق باب المندب، قبالة جزيرة ميون التي تقع في قلب هذا الممر البحري الحيوي للتجارة الدولية.
في المقابل، أشارت إلى أن "الحوثيين ادعوا استعادة ذوباب، لكن من المستحيل حاليا تحديد خطوط المواجهة بدقة في المناطق الصحراوية وسفوح الجبال، ولا ينبغي الوثوق بجميع مزاعم الحوثيين".
وتعتقد الصحيفة أن "الهدف الرئيس للعمليات العسكرية التي تشنها القوات الحكومية باتجاه مضيق باب المندب ليس استعادة السيطرة عليه، وإنما تشتيت جهود الحوثيين وصرف اهتمامهم عن جبهة تعز".
وبحسب رأيها، "إن التحكم الفعلي في المضيق لا يتحقق بمجرد رفع العلم في مدينة المخا أو فوق جزيرة ميون، وإنما بالقدرة على إغلاق باب المندب باستخدام الصواريخ، وهو ما لا يزال الحوثيون قادرين على فعله في ظل الظروف الحالية".
ولهذا، تستبعد الصحيفة أن "يسارع الحوثيون إلى استعادة المناطق الصحراوية التي فقدوا السيطرة عليها بالقرب من مضيق باب المندب، نظرا إلى أنها لا تمثل أولوية عسكرية بالنسبة لهم؛ إذ ينصب تركيزهم خلال المرحلة المقبلة على السيطرة على مدينة تعز".

تعبئة مشكوك فيها
وتناول التقرير قدرة القوات الحكومية اليمنية على فك الحصار المفروض على مدينة تعز واستعادة زمام المبادرة العسكرية في الجبهات الداخلية؛ إذ شكك في جدوى قرار "التعبئة العامة" الذي أعلنته الحكومة اليمنية أواخر سبتمبر/ أيلول 2026، واصفا المصطلح بأنه "مبالغ فيه بالنظر إلى الظروف العسكرية السائدة في اليمن".
وعزا ذلك إلى أن "القوات الحكومية تفتقر بصورة شبه كاملة إلى منظومة إمداد مركزية بالمعنى المتعارف عليه في الجيوش الأوروبية، وتعتمد عمليا على تأمين احتياجاتها من الموارد المتاحة في المناطق التي تتمركز فيها".
بالإضافة إلى ذلك، "تحيط بمدينة عدن عشرات الحواجز ونقاط التفتيش، وبحسب شهود عيان، لا يمكن مغادرة العاصمة المؤقتة دون دفع مبالغ مالية عند كل نقطة، فيما تتأخر رواتب العسكريين لأشهر، وسط ضعف سيطرة القيادة العسكرية المركزية على عدد كبير من القادة الميدانيين".
وما يزيد المشهد تعقيدا أن "بعض القبائل الصحراوية تشكل مليشيات مسلحة خاصة بها، تنضوي رسميا تحت لواء الجيش الحكومي، لكنها تعمل بصورة مستقلة، وكثيرا ما تمتنع عن المشاركة في العمليات القتالية، مكتفية بإظهار ولائها للسلطات في عدن"، بحسب الصحيفة.
وتابعت: "لا ترتبط هذه القبائل بعدن سوى بروابط الانتماء الديني المشترك، فضلا عن اعتيادها الانحياز إلى الحكومة، وهو توجه ترسخ منذ سبعينيات القرن العشرين، حين كان اليمن منقسما إلى دولتين، إحداهما تتخذ من عدن عاصمة لها وترتبط بعلاقات وثيقة مع الاتحاد السوفيتي، والأخرى تتخذ من صنعاء عاصمة لها".
وتتسم هذه التركيبة العسكرية والقبلية بـ"درجة كبيرة من المرونة وقابلية التغير"؛ إذ ترى الصحيفة أنه "لولا الطابع الديني والمذهبي الواضح للحركة الحوثية، التي تنتمي إلى المذهب الزيدي الشيعي، لكان بإمكانها استمالة تلك القبائل إلى صفوفها".
واستدركت: "غير أن الخلافات العقائدية بشأن شروط الإمامة في المذهب الشيعي، وما إذا كان توليها يقتصر على ذرية علي بن أبي طالب أم يمكن أن يتولاها أي شخص، تنفر القبائل البدوية من الحوثيين؛ إذ لا تحظى هذه المسائل الدينية باهتمام كبير لدى معظم أفرادها".
وفي هذا الإطار، يؤكد رئيس أركان الجيش اليمني، الفريق الركن طاهر العقيلي، أن حجم الاحتياطي القابل للتعبئة قد يتراوح بين 80 و100 ألف شخص.
لكن الصحيفة ترى أن "هذا التقدير أقرب إلى الخيال، أو يعكس نظرة مفرطة في التفاؤل، لا سيما أن عددا من الخبراء يعتقدون أن عملية فك الحصار عن تعز وحدها قد تتطلب تعبئة 80 ألف مقاتل من قوات الاحتياط، وهو هدف يبدو بعيد المنال تماما، خصوصا خلال فترة زمنية قصيرة".
ووصفت الوضع العسكري المحيط بتعز بأنه "بلغ درجة من الخطورة بالنسبة للقوات الحكومية، دفعت إلى انتشار تقارير تهدف إلى بث الطمأنينة، تحدثت عن ظهور أرتال من الشاحنات الباكستانية في وسط اليمن، بل وعن احتمال مشاركة مقاتلين سوريين ضمن صفوف القوات الحكومية".
وأضافت: "ارتبط هذا الأمر بزيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى السعودية، إذ أفاد موقع "أكسيوس" الأميركي، في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2026، بأن الرياض ودمشق تناقشان إمكانية إرسال ما بين 10 و20 ألف جندي سوري إلى اليمن، غير أن وزارة الدفاع السورية نفت صحة هذه المعلومات".
وبحسب تقديرها، "فإن هذا النفي يبدو مفهوما، فمن المستبعد أن ترغب سوريا، في ظل أوضاعها الحالية، في التورط بحرب أهلية لا تخصها بصورة مباشرة".
وأوضحت أن "الأمر نفسه ينطبق على الأنباء المتداولة بشأن "تفعيل الناتو الإسلامي" بمشاركة الجيش الباكستاني؛ إذ تعتقد الصحيفة أنه لا توجد دولة ترغب في التورط بصورة كاملة في "المستنقع اليمني"، حتى استجابة لطلبات السعودية".

مكانة في خطر
في هذه الظروف، تحذر الصحيفة من أنه "في حال سيطرة الحوثيين على مدينة تعز، فسيصبح الطريق المؤدي إلى عدن مفتوحا أمامهم مباشرة؛ إذ لا تفصل بين المدينتين سوى مسافة تبلغ نحو 130 كيلومترا عبر الطريق المباشر".
كما أن "إنهاء حصار تعز والقضاء على جيوب القوات الحكومية المحاصرة فيها سيتيح للحوثيين إعادة توجيه أعداد كبيرة من قوات المشاة والمعدات العسكرية إلى جبهات أخرى، وهو مكسب بالغ الأهمية في الظروف اليمنية؛ حيث يمثل كل مقاتل قيمة عسكرية كبيرة".
ولفتت إلى أن "وصول الحوثيين إلى عدن لا يقتصر على تحقيق انتصار عسكري كبير، بل سيشكل أيضا نصرا سياسيا لحركة أنصار الله، التي من شبه المؤكد، أنها ستوظفه في تعزيز شعاراتها الدينية".
وذهبت الصحيفة إلى أبعد من ذلك قائلة: "قد تؤدي تداعيات هذا التطور إلى انهيار الحكومة اليمنية، وانتقال بعض القبائل إلى صفوف الحوثيين، فضلا عن تعزيز نفوذ الجماعة بصورة كبيرة، ليس داخل اليمن فحسب، بل خارجه أيضا".
إذ تعتقد أن "هذه التطورات قد تفضي بدورها إلى أزمة داخل الأسرة الحاكمة في السعودية، نظرا إلى أنها قد تقوض بشكل خطير مكانة الدائرة الحاكمة الملتفة حول ولي العهد محمد بن سلمان".
واستطردت: "كما قد تمتد تداعيات الأزمة إلى الأنظمة الملكية الأخرى في الخليج العربي، التي سبق أن دعمت الحكومة اليمنية في عدن، وهو ما قد يؤدي إلى إعادة تشكيل موازين القوى في منطقة الشرق الأوسط بصورة جذرية".
















