الحوثيون يتحصنون في باب المندب.. ما خيارات السعودية وموقف الصين وروسيا؟

منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

استعدادا للدفاع عن مكاسبهم في الساحل الغربي في مواجهة أي هجوم تشنه القوات الحكومية، حفر الحوثيون نحو 20 كيلومترا من الخنادق وأقاموا تحصينات في منطقة باب المندب.

نقلت هذه المعلومات صحيفة "لو دبلومات" الفرنسية  عن حساب "إيجيبتس إنتل أوبزرفر" المتخصص في استخبارات المصادر المفتوحة والتحليل العسكري، والذي "رصد هذه التحصينات بصورة رئيسة في المناطق التي سيطر عليها الحوثيون حديثا، إلى الشرق من ذباب وقرب جبل كهبوب".

ونوهت الصحيفة إلى أنه "لم تؤكد هذه المعلومات بعد أي جهات عسكرية مستقلة، كما أن الطول المذكور قد يشير إلى مجموع عدة خنادق وسواتر ترابية ومواقع لإطلاق النار ومخابئ مخصصة للأفراد والمركبات، وليس بالضرورة إلى خط دفاعي واحد ومتصل".

ومع ذلك، أشارت إلى أن "المعلومات المتاحة من المصادر المفتوحة تتفق حول نقطة واحدة، وهي أن الحوثيين يسعون إلى ترسيخ سيطرتهم على طرق الوصول البرية المؤدية إلى المضيق". 

حزام محصن

ووفقا لها، "يعني حفر الخنادق الانتقال من حرب تعتمد على الحركة والمناورة إلى دفاع منظم عن الأراضي".

وبحسب تحليلها، "يبدو أن الحوثيين يتعاملون مع احتمال شن القوات الحكومية اليمنية، المدعومة من السعودية، هجوما مضادا على أنه أمر وارد، ولذلك، قد يكون هدفهم إجبار خصومهم على خوض معركة بطيئة ومكلفة ودامية".

وأوضحت أن "التحصينات توفر حماية للمشاة من قذائف المدفعية والغارات الجوية وهجمات الطائرات المسيرة".

فضلا عن أنها "تربط بين نقاط المراقبة ومستودعات الذخيرة ومواقع المدفعية المضادة للدبابات ومراكز القيادة".

واستطردت: "وعند دمج هذه التحصينات مع حقول الألغام وغيرها من العوائق، يمكنها إجبار مركبات العدو على التحرك نحو مناطق أُعدت مسبقا لاستهدافها بالنيران".

وفي الوقت ذاته، شددت الصحيفة على أن "هذه التحصينات لا تهدف إلى جعل المنطقة عصية على الاختراق بصورة كاملة، وإنما إلى إبطاء تقدم القوات المعادية بالقدر الكافي لإتاحة المجال أمام تدخل المدفعية ووصول التعزيزات وشن هجمات مضادة".

وبحسب تقديرها، "فإن المعركة لا تقتصر على جزء من الصحراء اليمنية فحسب، بل تشمل مواقع متنازع عليها تطل على المخا وذباب والطرق المؤدية إلى تعز، بالإضافة إلى الطرق المؤدية إلى باب المندب".

في هذا السياق، تبرز أهمية السيطرة على المرتفعات، فوفقا لما أورده التقرير، "من يسيطر عليها يستطيع مراقبة الساحل، ورصد تحركات القوات المعادية، وحماية المناطق التي تستخدم منها الصواريخ المضادة للسفن والطائرات من دون طيار".

ولعل هذا ما يفسر "سبب تركز الاشتباكات الأخيرة تحديدا في الجزء الغربي من محافظة تعز وعلى امتداد المحور المؤدي إلى المخا، إذ حاولت القوات الحكومية منع الحوثيين من قطع طرق الاتصال البرية وتحويل مكاسبهم الساحلية إلى تمركز دائم".

ومن ثم، تعتقد الصحيفة أن "أي هجوم محتمل بدعم من الرياض سيهدف إلى إقامة موطئ قدم على ساحل البحر الأحمر، واستعادة طرق الاتصال الرئيسة، وإبعاد الحوثيين عن المضيق".

واستدركت: "غير أن شن هجوم مباشر على حزام محصن من المرجح أن يؤدي إلى خسائر كبيرة".

وتابعت: "سيتطلب مثل هذا الهجوم قدرات استطلاع، وتفوقا جويا، ووحدات هندسية ومدفعية، إضافة إلى قوات برية قادرة ليس فقط على السيطرة على المواقع، وإنما أيضا على الاحتفاظ بها".

ومن هنا، ترى أن "الحل الأكثر عقلانية يتمثل في الالتفاف حول الخنادق وقطع خطوط إمدادها؛ إذ يمكن لأي موقع محصن في الصحراء، إذا حُرم من الماء والذخيرة والوقود والاتصالات، أن يتحول بسرعة من ملجأ يحمي القوات الموجودة داخله إلى فخ يحاصرها".

ووفق تقديره، فإن هذا الحل قابل للتطبيق؛ إذ "لا تكفي التحصينات الممتدة على 20 كيلومترا، بمفردها، لإغلاق باب المندب".

وعزا ذلك إلى أنه "لإحكام السيطرة الفعلية على حركة الملاحة، لا بد من منظومة منسقة تضم صواريخ مضادة للسفن، وألغاما، ورادارات، ومراقبين على الساحل، وقوارب مسيرة، ومواقع عسكرية موزعة على الجزر".

ومع ذلك، لم ينف أن "الخنادق تؤدي دورا في توفير الغطاء والحماية للعمق الإستراتيجي الذي تقوم عليه تلك المنظومة، فهي تصعب عملية التدمير الكامل لمواقع الإطلاق، وتمكن الحوثيين من نقل المقاتلين والمعدات بين الساحل والداخل".

في هذا الإطار، لفت إلى أنه "من شأن السيطرة على المخا وجزيرة بريم، الواقعة في قلب المضيق، أن تعزز هذه القدرة بصورة كبيرة".

واستطرد: "ورغم أن ذلك لا يعني بالضرورة إغلاق باب المندب تلقائيا، إلا أنه يمنح الحوثيين ورقة ضغط دائم على الملاحة التجارية والعسكرية".

خيارات مؤلمة

بالنسبة إلى السعودية، أشارت الصحيفة إلى أنه "مع تجاوز أسعار النفط مئة دولار وتعرض خط شرق-غرب للاستهداف، فإن أزمة طويلة الأمد ستضرب الرياض في اللحظة التي تمول فيها المملكة برامج تحول اقتصادي ضخمة".

وتابعت: "قد تؤدي الأسعار المرتفعة إلى زيادة إيرادات السعودية، ولكن بشرط وصول النفط إلى المستهلكين، أما إذا تجاوزت هذه الأسعار حدّها، فإنها تؤجج التضخم، وتبطئ الطلب العالمي، وتسرع البحث عن موردين ومصادر طاقة بديلة".

وبناء عليه، شدد التقرير على أن "وجود الحوثيين في باب المندب يمثل تهديدا مباشرا لأمن جناحها الجنوبي الغربي ولطرق نقل الطاقة عبر البحر الأحمر".

وفي مثل هذا الواقع، يرى أن "الرياض تواجه خيارا بين خطرين: إما القبول بترسيخ نفوذ الحركة اليمنية، أو استئناف حملة برية قد تتحول إلى حرب طويلة ودامية ومكلفة".

وفي هذا السياق، استعرضت الصحيفة ثلاثة سيناريوهات محتملة أمام الرياض للتعامل مع الأزمة، ووصفتها بأنها "خيارات مؤلمة".

ويتمثل السيناريو الأول في "هجوم سعودي مضاد قد يتمكن من استعادة جزيرة ميون وأجزاء من الساحل، لكن هذا الهجوم سيتطلب معلومات استخباراتية أفضل، وقيادة موحدة، واستعدادا لتحمل الخسائر".

وأكدت على أنه "من دون توافر هذه الشروط، لن تؤدي الغارات الجوية سوى إلى إحداث دمار من دون تحقيق سيطرة على الأرض".

أما السيناريو الثاني فيتمثل -وفق الصحيفة- في "تجميد الوضع الراهن؛ حيث يحتفظ الحوثيون بمكتسباتهم، ويعدون بالسماح بمرور السفن غير المعادية بشكل انتقائي، مستخدمين المضيق ورقة ضغط تفاوضية".

وبحسب وجهة نظرها، "قد يكون هذا الحل الأقل إثارة، لكنه ربما يكون الأكثر فائدة لأنصار الله؛ إذ يتيح لهم الحصول على المكاسب السياسية الناجمة عن السيطرة على المضيق، دون تحمل مسؤولية فرض حصار شامل".

وتابع التقرير: "ويعتمد السيناريو الثالث على اتفاق تعترف فيه الرياض بالسلطة السياسية للحوثيين مقابل ضمانات تتعلق بالشحن وأمن الحدود والمنشآت النفطية".

وأضاف: "قد يمثل هذا هزيمة رمزية للسعودية، ولكنه قد يمنع انتكاسة إستراتيجية أشد خطورة".

معقل دائم

وحول فرص انخراط الصين في الأزمة اليمنية وتأمين الملاحة في البحر الأحمر، قالت الصحيفة: "تعد بكين المستهلك الرئيس للطاقة في المنطقة، كما تربطها علاقات بكل من إيران والأنظمة الملكية العربية، ويمكنها أن تقدم نفسها بوصفها قوة معنية بالحفاظ على الاستقرار، لا بإحداث تحولات سياسية لدى شركائها".

واستدركت: "غير أنها لا تمتلك بعد في البحر الأحمر والخليج منظومة عسكرية تضاهي تلك التي تتمتع بها الولايات المتحدة، ولا تبدو راغبة في تحمل تكاليف بناء مثل هذه المنظومة".

في المقابل، تقدر أنه "بوسعها الدفع نحو إبرام اتفاقات، وممارسة ضغوط اقتصادية، وتقديم استثمارات، لكنها لا تستطيع بمفردها ضمان أمن الملاحة الإقليمية برمته".

من هذا المنظور، خلصت إلى أنه "يمكن للصين أن تؤدي دور الوسيط، لكنها لا تستطيع أن تحل محل الولايات المتحدة".

بدورها، تستطيع روسيا -وفق التقرير- "استغلال الصعوبات التي تواجهها الولايات المتحدة سياسيا، وتعزيز علاقاتها مع طهران، وإجراء حوارات مع الأطراف المحلية، لكنها لا تملك الموارد البحرية والمالية اللازمة لتصبح الضامن الأمني الجديد للخليج"

أما بالنسبة إلى إيران، فقال: "يمثل الحوثيون أداة للضغط الإستراتيجي تتيح لطهران تهديد أحد أهم شرايين التجارة العالمية، من دون الحاجة إلى نشر قوات إيرانية بشكل مباشر".

في الوقت ذاته، نوه إلى أنه "يجب على طهران أيضا تجنب المبالغة، فإغلاق مضيق هرمز وباب المندب لفترة طويلة من شأنه أن يؤدي إلى تشكيل تحالف دولي أوسع ويضر بالصين، الشريك الاقتصادي الرئيسي لطهران".

وعليه، يرى أن "إيران لديها مصلحة في الإبقاء على تهديد موثوق به وقابل للتصعيد أو التخفيف، دون أن يكون الهدف بالضرورة قطع حركة الملاحة، وإنما إظهار القدرة على الحد منها".

واستطرد: "هذه هي إستراتيجية التضييق؛ فمن يستطيع تقييد حركة المرور دون إغلاقها بالكامل، يمتلك ورقة ضغط قوية، في حين أن من يدفع نحو فرض حصار شامل يخاطر بتوحيد جميع الدول المتضررة ضده".

أما بالنسبة للولايات المتحدة والقوى الأوروبية، فترى الصحيفة أن "تحول الساحل اليمني إلى منطقة محصنة يعني الإبقاء على وجود بحري مكلف لفترة طويلة، من دون ضمان إمكانية القضاء بصورة نهائية على الهجمات من خلال عمليات تنفذ من البحر وحده".

ومن ثم، خلصت إلى أن "إقامة هذه الخنادق تعكس سعي الحوثيين إلى ترسيخ مكسب ميداني لا يزال هشا وتحويله إلى معقل دائم".

واستطردت: "ومع أن بناءها لا يمثل دليلا مؤكدا على اندلاع معركة وشيكة، لكنه يظهر أن الحركة تستعد للمقاومة ولفرض حرب استنزاف على خصومها".

واختتمت قائلة: "خلف هذه الكيلومترات العشرين من الأرض المحفورة تبرز قضية أكبر بكثير: السيطرة على مضيق إستراتيجي، وأمن الطرق التي تربط آسيا بأوروبا، وقدرة حركة مسلحة يمنية على ممارسة نفوذ يتجاوز حدود اليمن بفارق كبير".