8 آلاف مفقود تحت الركام.. هل تضيع شواهد جرائم الاحتلال بغزة مع إزالة الأنقاض؟

تجاوز حجم الأنقاض في قطاع غزة 60 مليون طن بفعل القصف الإسرائيلي
تحت عشرات ملايين الأطنان من أنقاض قطاع غزة، ما زالت آلاف العائلات تنتظر الوصول إلى جثامين أبنائها، فيما بدأت الجرافات والآليات إزالة أجزاء من الركام لفتح الطرق والوصول إلى المرافق وإعادة تشغيل الخدمات.
وتحمل المباني التي سحقها القصف الإسرائيلي على مدار 3 سنوات رفات بشرية وشظايا ذخائر وآثار انفجارات ومتعلقات شخصية يمكن أن تدخل لاحقًا في تحقيقات تتعلق بالانتهاكات والجرائم التي ارتكبها جيش الاحتلال خلال العدوان.

كيف يُستخرج المفقودون؟
وفي منتصف سبتمبر/أيلول 2026، قال الدفاع المدني الفلسطيني: إن أكثر من 8 آلاف شخص يُعتقد أنهم ما زالوا تحت الركام، بعدما قدر العدد في فبراير/شباط بنحو 8500 مفقود.
وتجاوز حجم أنقاض غزة 60 مليون طن، بينما أزيلت حتى أواخر يوليو/تموز نحو 630 ألف طن وبدأ تكسير جزء منها وإعادة استخدامه، مع اتساع أعمال الإزالة وبقاء آلاف المفقودين تحت الأنقاض.
وتبدأ رحلة البحث عادة ببلاغ تقدمه الأسرة يتضمن اسم المفقود وآخر مكان شوهد فيه والمبنى الذي كان موجودًا داخله عند القصف، ثم يحاول الدفاع المدني الوصول إلى الموقع وإزالة طبقات الركام والكتل الخرسانية للوصول إلى المفقودين.
وفي 15 سبتمبر، قال مدير مكتب مفوضية حقوق الإنسان في الأرض الفلسطينية المحتلة: إن الدفاع المدني كان يملك حفارة واحدة صالحة للعمل، وإن عناصره يضطرون في كثير من المواقع إلى استخراج الرفات بأيديهم وسط نقص في الآليات والوقود وقطع الغيار ومعدات رفع الكتل الخرسانية.
وظهر حجم العجز خلال عمليات أُجريت في حي الزيتون جنوب شرقي مدينة غزة؛ حيث أعلن الدفاع المدني في سبتمبر استخراج 96 جثمانًا ورفات بشرية من موقع تعرض للقصف في نوفمبر/تشرين الثاني 2023، بينها رفات 58 طفلًا و23 امرأة.
وقال مكتب حقوق الإنسان: إن عمليات الاستعادة المنسقة متعذرة في نحو 70 بالمئة من مساحة القطاع الواقعة تحت سيطرة جيش الاحتلال أو ضمن مناطق تفرض فيها قيود شديدة على الوصول.
وتضيف الذخائر غير المنفجرة خطرًا آخر أمام فرق البحث؛ إذ تجري دائرة الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام تقييمات للمباني والطرق قبل إزالة الأنقاض.
وسجل مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا"، خلال إحدى فترات يوليو 2026 إجراء 21 تقييمًا للمخاطر المتفجرة لدعم إزالة الركام وأنشطة إنسانية أخرى.
وتشارك اللجنة الدولية للصليب الأحمر في ملف المفقودين عبر تتبع الحالات وإعادة الروابط العائلية وتقديم الخبرة في إدارة الموتى والطب الشرعي.
وقالت اللجنة في تقرير يغطي الفترة بين يناير/كانون الثاني ويونيو/حزيران 2026: إنها وثقت أكثر من 1200 حالة مفقود جديدة وأغلقت عددًا مماثلًا من الملفات بعد الوصول إلى معلومات عن أصحابها.
كما تلقت أكثر من 16 ألفًا و900 اتصال من عائلات تبحث عن أقاربها، وساعدت جهات محلية في عمليات استخراج من تحت الركام عبر استئجار آليات ثقيلة، ودربت أكثر من 100 ممارس في الطب الشرعي على البحث والاستعادة والتوثيق.
ويعتمد التعرف على هوية الرفات على تسجيل العمر والجنس والطول والأسنان والصفات الجسدية والملابس والمتعلقات، ثم مقارنتها بصور المفقود وسجلاته الطبية ومعلومات أسرته.
ويأتي الحمض النووي ضمن هذه العملية عندما تتوافر عينة من الرفات وأخرى مرجعية من أقارب الضحية ومختبرات قادرة على إجراء الفحص، بينما توصي اللجنة الدولية للصليب الأحمر بمنح كل جثمان أو جزء بشري رقمًا فريدًا يحفظ صلته بالسجلات والمتعلقات حتى بعد الدفن.
وتصطدم هذه العملية بمحدودية قدرة مختبرات القطاع على إجراء فحوص الحمض النووي لآلاف الحالات، ما يسمح أحيانًا بربط الرفات بأسرة أو منزل من دون تحديد صاحبها بصورة فردية.
وقال مدير دائرة المقابر في وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بغزة زياد عبيد: إن أكثر من 650 جثمانًا مجهول الهوية دُفنت في مقبرة مخصصة بدير البلح، داخل قبور مرقمة وموثقة تتيح العودة إليها عند توافر وسائل أدق لتحديد الهوية.
وتزداد صعوبة التعرف كلما طال بقاء الرفات تحت الركام؛ لأن التحلل والرطوبة والحيوانات والانهيارات وتحريك الأنقاض تفصل العظام عن الملابس والمتعلقات وتنقل أجزاء الجثمان من موضعها الأصلي.

ماذا يضيع مع إزالة الأنقاض؟
وفي 7 سبتمبر 2026، حذّرت فرانشيسكا ألبانيزي، المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأرض الفلسطينية المحتلة عام 1967، من أن إزالة الركام وسحقه ونقله قبل استعادة الرفات وتوثيق المواقع قد يؤدي إلى فقدان أدلة مرتبطة بجرائم دولية.
فيما قال مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك: إن استخراج رفات عائلات كاملة من مواقع دمرتها الضربات الإسرائيلية يعيد إثارة مخاوف جدية بشأن انتهاكات جسيمة وجرائم حرب محتملة، وطالب بالسماح للمحققين الدوليين بالوصول إلى جميع أجزاء غزة.
وتكمن القيمة الجنائية للموقع في بقاء الأدلة ضمن سياقها الأصلي؛ لأن موضع الشظايا وبقايا الذخائر وآثار الانفجار ونمط انهيار المبنى يمكن أن يساعد خبراء الأسلحة على تحديد طبيعة الذخيرة وكيفية استخدامها.
ويكتسب موضع الجثمان نفسه قيمة في التحقيق؛ لأن موقعه داخل المبنى وعلاقته ببقية الضحايا وما عُثر عليه حوله قد يساعد في إعادة بناء ما جرى داخل المكان، كما أن بقايا الذخائر تحظى بأهمية خاصة في غزة بسبب استخدام جيش الاحتلال أسلحة شديدة الانفجار داخل مناطق سكنية مكتظة.
وتوصي قواعد التحقيق الجنائي بتصوير الموقع وتوثيقه قبل تغييره، وتسجيل مواضع الأدلة والرفات وحفظ صلتها بالمكان الذي عُثر عليها فيه.
وقال مدير دائرة الطب الشرعي في وزارة الصحة بغزة أحمد ضهير: إن التعامل مع الرفات يبدأ من موقع العثور عليها، حيث يفترض تصوير المكان وتحديد إحداثياته وتعبئة النماذج الخاصة بالجثمان قبل نقله للفحص، ثم حفظه إلى حين تسليمه إلى إدارة المقابر في وزارة الأوقاف ودفنه بطريقة تضمن إمكانية العودة إلى موقعه لاحقًا.
وأوضح لـ"الاستقلال"، أن إجراءات التوثيق والتعرف تواجه نقصًا حادًا في الكوادر والتخصصات والمعدات؛ إذ يعمل في الطب الشرعي عدد محدود من الأطباء، بينما يفتقر القطاع إلى مختصين في طب الأسنان الشرعي وعلم العظام، إضافة إلى غياب مختبرات الحمض النووي والسموم والأنسجة.
وأضاف ضهير أن أقسام الطب الشرعي تفتقر كذلك إلى أجهزة الأشعة المحمولة التي تساعد في كشف الشرائح والمثبتات المعدنية وآثار العمليات السابقة وغيرها من العلامات التي يمكن أن تسهم في تحديد هوية الرفات.
ولفت إلى أن البنية التحتية للطب الشرعي تعرضت لأضرار كبيرة خلال العدوان، ما يجعل الفرق تعمل بإمكانات محدودة قياسًا بحجم الحالات التي تصل إليها.
وتضعف إزالة الركام قبل توثيقه قدرة المحققين على ربط الرفات والشظايا بالموقع الذي خرجت منه، خصوصًا عندما تختلط حمولات عدة مبان أو رفات أكثر من شخص.
وحذّر مكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان في 15 سبتمبر من أن مرور الوقت وإزالة الركام يزيدان خطر فقدان أدلة ضرورية للمساءلة، داعيًا إلى حفظ المعلومات الطبية الشرعية والعينات البيولوجية وتسجيل أماكن الدفن.
وتحقق المحكمة الجنائية الدولية منذ 3 مارس/آذار 2021 في الجرائم المرتكبة في الأراضي الفلسطينية، وقال المدعي العام للمحكمة آنذاك كريم خان في 20 مايو/أيار 2024: إن المواد التي جمعها مكتبه شملت مقابلات مع ناجين وشهود عيان، وصورًا ومقاطع فيديو وتسجيلات صوتية جرى التحقق منها، إلى جانب صور أقمار صناعية وتصريحات لمسؤولين محل التحقيق.
ويمكن للمحققين مطابقة صور الأقمار الصناعية والشهادات مع الشظايا ومواضع الضحايا في الموقع نفسه، لكن هذه الصلة تصبح أصعب بعد خلط الأنقاض وإعادة تدوير الخرسانة.
وفي يناير 2024، أمرت محكمة العدل الدولية إسرائيل باتخاذ تدابير فعالة للحفاظ على الأدلة المتعلقة بالادعاءات الداخلة ضمن دعوى جنوب إفريقيا بشأن اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية.

من يراقب إزالة الركام؟
بدأت منذ أبريل/نيسان 2024 منظومة أممية وفلسطينية للتعامل مع الأنقاض عبر “مجموعة عمل إدارة ركام غزة” التي تشارك الأمم المتحدة في قيادتها.
وتستخدم المجموعة تقييمات الأضرار وصور الأقمار الصناعية وقواعد بيانات المباني لتقدير حجم الركام ووضع خطط للإزالة والفرز وإعادة التدوير، بمشاركة مؤسسات فلسطينية وبلديات وجهات إنسانية ومتخصصين في مخاطر المتفجرات.
وتؤدي وزارة الأشغال العامة والإسكان الفلسطينية دورًا رئيسًا في التخطيط لإدارة الركام إلى جانب البلديات، فيما ينفذ البرنامج الإنمائي وشركاؤه أعمال فتح الطرق والوصول إلى المستشفيات والمرافق العامة وفرز الخرسانة وتكسيرها وإعادة استخدامها.
ويعتمد برنامج الأمم المتحدة للبيئة في تقدير الكميات على تقييمات مركز ذات المنظمة الخاصة بالأقمار الصناعية "يونوسات"، الذي يستخدم تلك الصور وبيانات المباني لتقدير كميات الركام الناتجة عن الدمار.
وحتى يوليو 2026، جرى تكسير أكثر من 231 ألف طن من الخرسانة في خمسة مواقع وإعادة استخدام أكثر من 184 ألف طن في الطرق وقواعد المنشآت، وهي أعمال تساعد على فتح الشوارع والوصول إلى المستشفيات وشبكات المياه والمنشآت الخدمية.
وتضع قواعد إدارة الركام إجراءات للتعامل مع الرفات التي تظهر أثناء العمل؛ إذ يجري تسجيل موقعها وتوثيقها وإبلاغ الجهات الفلسطينية المختصة وفصلها عن مخلفات البناء، بالتوازي مع فحص أخطار الذخائر قبل بعض عمليات الإزالة والهدم.
أما المواقع المرتبطة بمفقودين أو بضربات تخضع للتحقيق، فتحتاج إلى فحص جنائي وطب شرعي قبل دخول الجرافات، فيما تفتقر غزة إلى آلية موحدة تغطي القطاع كله وتمنح جهة مستقلة صلاحية وقف الإزالة إلى حين انتهاء هذا الفحص.
وقد تبدأ إزالة الركام لفتح طريق أو معالجة خطر إنشائي في موقع ما تزال تحته رفات أو مواد ذات قيمة للتحقيقات، بينما تحتاج هذه المواقع إلى فحص جنائي وطب شرعي قبل تحريكها.
وتزداد المشكلة في المناطق التي يسيطر عليها جيش الاحتلال؛ إذ قال مدير مكتب مفوضية حقوق الإنسان في الأرض الفلسطينية المحتلة أجيث سونغاي، في 15 سبتمبر إن عمليات استعادة الجثامين توقفت في مساحات واسعة من غزة بسبب القيود الإسرائيلية على الوصول.
وتفرض المباني المتصدعة في المقابل تسريع أعمال الإزالة؛ إذ انهار في سبتمبر 2026 مبنى متضرر من القصف في حي تل الهوى بمدينة غزة وأدى إلى استشهاد أكثر من 20 فلسطينيًا، بينهم أطفال، وكان نحو مئة شخص يقيمون داخله.
وقال منسق الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في الأرض الفلسطينية المحتلة رامز الأكبروف: إن الحادث أظهر حجم الخطر الذي يواجه النازحين المقيمين في مبان أصابها العدوان، ما يفرض تسريع إزالة الأبنية المهددة بالانهيار بالتوازي مع حماية مواقع المفقودين والأدلة.
المصادر
- Gaza remains recovery points to possible war crimes, says UN rights chief
- Gaza: UN expert warns Israeli rubble-clearing could erase traces of atrocity crimes
- Humanitarian Situation Report | 23 July 2026
- Our work in Israel and the Occupied Territories: January to June 2026
- Statement of ICC Prosecutor Karim A.A. Khan KC: Applications for arrest warrants in the situation in the State of Palestine
- Growing risk that thousands buried in Gaza’s rubble may never be identified, says Red Cross
- In Gaza, the fate of thousands missing remains unknown

















