صدام حفتر بين موسكو وواشنطن.. إلى أين يتجه ميزان القوى في ليبيا؟

"تستمر المفاوضات بشأن خطة بولس دون أن تتضح مآلاتها"
بعد خمسة عشر عاما من التزام الصمت حيال الملف الليبي، تسعى الولايات المتحدة إلى التوفيق بين السلطات المتنافسة في شرق البلاد وغربها، على أساس اتفاق لتقاسم السلطة يجري التفاوض عليه بين عدد محدود من أقطاب القوى المحلية.
وعلى عكس ما تستهدفه هذه المبادرة، ترى صحيفة "لوموند" الفرنسية أن "هذه المبادرة، بدلا من تهدئة الأوضاع في البلاد، تؤدي إلى إعادة تشكيل متسارعة لموازين القوى، وتكشف هشاشة التحالفات على جانبي الصراع".

تراجع مؤقت
واستهلت الصحيفة تقريرها مشيرة إلى أنه "بعد عودته إلى البيت الأبيض في يناير/ كانون الثاني 2025، وضع الرئيس الأميركي دونالد ترامب ليبيا ضمن الملفات التي يسعى إلى تحقيق اختراق فيها، وكلف مستشاره مسعد بولس، والد مايكل بولس زوج ابنته تيفاني، بإطلاق مبادرة تهدف إلى المصالحة بين الفصائل الليبية".
وبحسبها، "تمثّل هذه الخطوة عودة أميركية إلى قلب المسار الدبلوماسي الليبي بعد غياب استمر خمسة عشر عاما، في وقت تتجه فيه واشنطن إلى محاولة جمع السلطات المتنافسة في شرق البلاد وغربها حول صيغة لتقاسم السلطة".
واستدركت: "لكن ترامب يتعامل مع الملف على طريقته، وفق (فن عقد الصفقات) بين أصحاب النفوذ؛ حيث لا يبتعد رجال الأعمال كثيرا عن الدبلوماسيين".
واستدلت على ذلك "بدخول شركتان أميركيتان للنفط، هما شيفرون وكونوكو فيليبس، قطاع النفط الليبي أخيرا".
وذكرت أنه "في مقابلة مع صحيفة فايننشال تايمز نشرت في 17 يونيو/ حزيران 2026، أوضح مسعد بولس بصراحة أنه يريد المساهمة في (تهيئة بيئة سياسية مواتية لمزيد من العقود والاستثمارات)".
وعقّبت الصحيفة: "تمتلك ليبيا أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في إفريقيا، ما يجعلها محط أطماع ومصالح اقتصادية واسعة".
على الصعيد الدولي، أوضحت أن "انطلاق الحملة الدبلوماسية التي يقودها بولس أدت إلى تغيير نسبي في اصطفاف الأطراف الدولية تجاه ليبيا".
وفي هذا السياق، تبرز روسيا؛ إذ نوه التقرير إلى أن "تحركاتها تبدو أكثر تحفظا منذ عودة الأميركيين إلى ليبيا"، فيما أشار مصدر في الأمم المتحدة إلى أن "الروس يشعرون بعدم الارتياح".
واستدل على ذلك بـ"التراجع المؤقت في الوجود الروسي بابتعاد وحدة من (فيلق إفريقيا)، مؤقتا عن قاعدة القرضابية الجوية القريبة من سرت حيث تنتشر عادة، وذلك بالتزامن مع إجراء مناورة (فلينتلوك)".
وفلينتلوك هي مناورة عسكرية دولية سنوية للقوات الخاصة تقودها القيادة الأميركية في إفريقيا (أفريكوم) منذ عام 2005، وتركز على مكافحة الإرهاب وتعزيز التعاون والقدرات العملياتية بين القوات المشاركة.
مسافة متساوية
غير أن ذلك لا يعني بأي حال -وفق التقرير- "تراجع الوجود الروسي في ليبيا، المتمركز في المناطق الخاضعة لسيطرة خليفة حفتر، فإلى جانب القرضابية، لا يزال الوجود الروسي مرصودا في قواعد الجفرة ومعطن السارة وبراك الشاطئ".
ووفق تقديره، "يكتسب هذا الانتشار طابعا لوجستيا أكثر منه قتاليا؛ إذ يستخدم أساسا كمنصة لنقل الأفراد والمعدات وتوجيهها نحو منطقة الساحل، ثم إلى داخل القارة الإفريقية".
ويقول المصدر الأممي نفسه: إن "ليبيا بالنسبة إلى الروس وسيلة وليست غاية". بحسب الصحيفة.
وتابعت: "يتمثل الهدف النهائي في إقامة حزام إستراتيجي يمتد من بورتسودان في الشرق إلى خليج غينيا في الغرب".
ومن هذا المنظور، تعتقد الصحيفة أن "ليبيا لا تعد سوى نقطة ارتكاز لهذا المشروع، وطالما واصلت أداء هذا الدور، فإن موسكو ستتعايش مع المعادلات السياسية الجديدة".
وأضافت: "أما السيناريو الأسوأ بالنسبة إليها، فيتمثل في انتقال صدام حفتر، وريث نفوذ معسكر بنغازي، بشكل واضح إلى الجانب الأميركي، مدفوعا بإغراءات خطة بولس التي قد تتيح له تولي رئاسة ليبيا موحدة".
في هذا الصدد، قدرت الصحيفة أنه "في الوقت الراهن، تكشف مواقف ولي العهد عن سعيه غير المسبوق إلى الحفاظ على مسافة متساوية بين موسكو وواشنطن".
ويقول عماد الدين بادي، الباحث المشارك في مركز "تشاتام هاوس" البحثي في لندن: إن "صدام حفتر يقدم نفسه للولايات المتحدة بوصفه قادرا على احتواء النفوذ الروسي".
ومع ذلك، نوه التقرير إلى أنه "لا يوجد حتى الآن ما يشير إلى تحول فعلي في تحالفاته".
واستشهد على ذلك مشيرا إلى أنه "في 19 أغسطس/ آب 2026، زار صدام العاصمة الروسية، بعد أقل من شهرين على زيارته واشنطن؛ حيث التقى إلى جانب بولس وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو".
ومن ثم، يرى أن "المرحلة الحالية تدور حول توازن هش يحاول الزعيم الشاب الاستفادة منه لتعزيز نفوذه وترسيخ موقعه".
واستدرك: "لكن الوقت يمضي، فيما تستمر المفاوضات السرية بشأن خطة بولس من دون أن تتضح مآلاتها".

معضلة مصراتة
في خضمّ هذه الظروف، أشارت الصحيفة إلى "تحديان قد يعرقلان خطة مستشار ترامب، أولهما حالة عدم الاستقرار الخاصة بإقليم طرابلس".
وأوضحت مقصدها: "فعلى خلاف إقليم برقة، الذي تسيطر عليه قوات حفتر بقبضة حديدية، لا تزال منطقة غرب ليبيا مجزأة بين مناطق نفوذ تسيطر عليها ميليشيات متنافسة ذات تحالفات متقلبة، وقد بدأت الآفاق السياسية التي فتحتها خطة بولس في تأجيج هذه التنافسات".
علاوة على ذلك، "تظهر توترات داخل سلطة طرابلس بين رئيس الوزراء عبد الحميد الدبيبة وابن شقيقه إبراهيم، الذي يعد أبرز محاوري صدام حفتر، بالتزامن مع الصعود المثير للجدل لعبد السلام سالم الزوبي، الرجل القوي في الجهاز الأمني غرب البلاد".
وبعيدا عن الخلافات الشخصية، ترى الصحيفة أن "الاختبار الحقيقي لخطة بولس سيكون في مصراتة".
وتابعت: "تقع هذه المدينة الساحلية الكبرى على بعد 200 كيلومتر شرق طرابلس، وكانت عام 2011 أحد معاقل الانتفاضة ضد معمر القذافي، وتضم اليوم الفصائل التي ربما تعد الأكثر رفضا للحكم الفردي الذي يجسده معسكر حفتر".
"ومن ثم، قد تأتي المقاومة من مصراتة؛ إذ إن أي تسوية يُنظر إليها على أنها منحازة بصورة مفرطة إلى طموحات عائلة المشير في قيادة الجيش الليبي الموحد مستقبلا ستواجه برفض واسع"، قالت الصحيفة.
واستدركت: "غير أن مصراتة، التي تمتلك أقوى الألوية العسكرية في طرابلس، تضطر في الوقت نفسه إلى مراعاة مدن أخرى في المنطقة، بينها طرابلس وزنتان والزاوية، التي تنظر أحيانا بصورة سلبية إلى ما تعتبره سلوك مهيمن من جانب مصراتة".
يُضاف إلى ذلك، أن "قوات حفتر تحتفظ بشبكات نفوذ محلية في هذه المدن، ما يؤكد أن نفوذه لا يتوقف عند حدود إقليم برقة".
وعليه، تعتقد أنه "بدلا من أن تؤدي خطة بولس إلى توحيد غرب ليبيا، قد تسهم في زيادة تفتته، بما قد يعرقل تنفيذها".
سباق مع الزمن
أما التحدي الثاني، فيتمثل -وفق التقرير- في "إقليم برقة، الذي يبدو للوهلة الأولى أكثر تماسكا، ويرجع ذلك بصورة أساسية إلى النفوذ الشخصي لحفتر، فقد أسهمت قبضته الأمنية الصارمة، إلى جانب قدرته على بناء التحالفات القبلية، في الحفاظ على تماسك هذا البناء حتى الآن".
غير أن التقرير عدّ الهجوم بسيارة مفخخة، الذي أسفر في 10 أغسطس عن مقتل فوزي المنصوري، رئيس الاستخبارات العسكرية في جيش حفتر، "إشارة تحذير جدية".
وعزا ذلك إلى أنه "رغم عدم تحديد هوية منفذي الاغتيال، فقد كشف الحادث عن ثغرات أمنية، وربما نقاط ضعف سياسية، تحول دون التعامل بسذاجة مع ما يوصف بأنه استقرار في شرق ليبيا".
وفي هذا السياق، لفتت إلى أنه "ينظر في بنغازي إلى استكمال المفاوضات بشأن خطة بولس باعتباره أمرا ملحا، إذ من شأن الاتفاق أن يكرس بصورة نهائية وصول صدام حفتر إلى رئاسة ليبيا الموحدة".
ووفقا لها، "يضع الجميع في الحسبان عمر حفتر الأب، الذي يبلغ 82 عاما، إذ إن غيابه قد يعيد ترتيب موازين القوى".
وأوضح عماد الدين بادي أن "هناك ما يشبه سباقا مع الزمن، لأن صدام وحلفاءه يريدون تمرير (صفقة) بولس سريعا من أجل تثبيت المكاسب التي نتجت عن تسويات المشير".
وأضاف أن "وفاة الأب قبل إتمام الاتفاق قد تدفع بعض الأطراف إلى محاولة استغلال الفراغ لإعادة التفاوض على مواقع تراها غير كافية".
ونوه التقرير إلى أن "هذا الخطر لا يقتصر على التوازنات السياسية، بل يمتد أيضا إلى عائلة حفتر نفسها، حيث لا تزال التوترات بين أبنائه صدام وخالد وبلقاسم وصديق وعقبة قائمة، وإن كان تزكية الأب لصدام قد خففت منها جزئيا".
وأردف: "كما يشمل الأمر بصورة أوسع التوازن القبلي الدقيق الذي تمكن المشير من بنائه، من خلال جمع أبرز مكونات شرق ليبيا تحت مظلته، وبينها قبائل العواقير والبراعصة والمغاربة والعبيدات".
أكثر هشاشة
إضافة إلى ما سبق، لفتت الصحيفة إلى أن "نقاط ضعف جيش حفتر ظهرت بصورة أكبر في الأطراف الجنوبية لإقليم فزان، حيث كان صدام حفتر قد تولى مهمة فرض السيطرة على الحدود مع تشاد والنيجر".
وتابعت: "أسهمت قدرة صدام المفترضة على الحد من تدفقات الهجرة والأنشطة الإجرامية في هذه المنطقة الصحراوية الممتدة بين الساحل والصحراء، بدرجة كبيرة، في تعزيز مكانته لدى الأميركيين والأوروبيين".
واستدركت: "غير أن تمرد بعض الزعماء القبليين المسلحين، الذين كانوا حلفاء سابقين، إلى جانب التدهور المقلق في علاقات جيش حفتر مع النيجر، يكشفان أن البناء الذي أقامه حفتر أكثر هشاشة مما يبدو".
واستطردت: "ويقول محلل من بنغازي، تحدث دون الكشف عن هويته، إنه (كلما انخرط الجيش (ميليشيا حفتر) أكثر في منطقة الساحل، زاد عدد أعدائه)".
ولا يتوقف الأمر عن حدود منطقة الساحل، فقد أكدت الصحيفة أن "الدعم الذي يقدمه جيش حفتر، تحت ضغط إماراتي كبير، للدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو، المعروف باسم حميدتي، يؤدي إلى تأجيج استياء المعسكر المنافس، أي حكومة الخرطوم".
وأردفت: "وفي تشاد، تثير كذلك أوجه التعاون الحدودي الوثيق بين قوات حفتر ونجامينا، استياء بعض الجماعات المسلحة المناهضة للرئيس محمد إدريس ديبي، إذ تعرقل هذه الترتيبات تحركات تلك الجماعات".
وقدرت "لوموند" أن "مصاعب قوات حفتر في الجنوب اتخذت منحى بالغ الخطورة إثر اللقاء الذي جرى أوائل سبتمبر/ أيلول 2025 بالعاصمة الإيطالية روما بين صدام حفتر وإبراهيم الدبيبة، بدعوة من بولس".
في المجمل، خلصت الصحيفة إلى أن "آفاق التسوية في ليبيا كشفت عن مفارقة تتمثل في أن التحركات الرامية إلى تحقيق السلام قد تؤدي أولا إلى تصعيد التوترات، مع سعي الأطراف إلى تعزيز مواقعها قبل بدء المفاوضات النهائية".
واختتمت قائلة: "وفي ظل تعدد القوى والتدخلات الخارجية، أصبح تداخل المصالح في ليبيا عاملا قد يعقد جهود واشنطن ويفرض تحديات على نهج الصفقات الذي يتبناه ترامب".

















