ممر ترامب.. عقدة القوقاز الجديدة بين المصالح الأميركية والرفض الروسي والإيراني

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

إن الضجيج الذي يرافق مبادرات إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والتي لا تفضي في النهاية إلى شيء ملموس، غالبا ما يؤدي إلى تجاهل تلك المبادرات التي تتحقق فعليا على أرض الواقع. 

وهنا، يمكن الحديث عن "طريق ترامب للسلام والازدهار الدوليين"، وهو مشروع يهدف إلى ربط أذربيجان بإقليم ناخيتشيفان، التابع لها والواقع بين أرمينيا وتركيا، عبر منطقة سيونيك جنوب أرمينيا.

وقالت صحيفة "الكونفدنسيال" الإسبانية: إن ممر القوقاز يمثل أبرز بنود اتفاق السلام الذي وقعته أرمينيا وأذربيجان في البيت الأبيض خلال أغسطس/ آب 2025، بحضور ترامب.

ويقضي المشروع بإنشاء ممر تجاري يمكن أن تستفيد منه دول المنطقة، فضلا عن الشركات الأميركية التي ستشارك في تنفيذه وإدارته.

ورغم أن الغموض الذي أحاط بتفاصيل الاتفاق دفع كثيرين آنذاك إلى التشكيك في إمكانية تطبيقه؛ إلا أن هذا لم يمنع المشروع من التقدم، وبدأت ملامحه العملية تظهر.

وأشارت الصحيفة إلى أن وزارة الخارجية الأرمينية والسفارة الأميركية في يريفان أطلقتا مطلع سبتمبر/ أيلول 2026 صفحة على "فيسبوك"، تقتصر على نشر اجتماعات تمهيدية، لكنها شملت ممثلين عن شركات هندسية أميركية. 

وبيّنت دراسة حديثة للمعهد الإسباني للدراسات الإستراتيجية أن أهمية المشروع لا تقتصر على الاقتصاد، بل ترتبط أيضا بمصالح جيوسياسية وإستراتيجية للولايات المتحدة، من بينها تعزيز حضورها في منطقة ظل النفوذ الروسي فيها قويًا لعقود.

عقدة رئيسة

وأوضحت الصحيفة أن طريق القوقاز يحقق مطلبا طالما تمسكت به باكو، التي طالبت بإنشاء ما يسمى "ممر زانغيزور" لربط ناخيتشيفان ببقية أذربيجان. 

غير أن هذا المطلب كان مرفوضا من جانب أرمينيا؛ لأن الطريق يمر عبر أراضيها.

أما الاتفاق الجديد فيقدم صيغة مختلفة؛ إذ يحتفظ كل طرف بسيادته على أجزاء من المسار، بينما توضع بعض عناصره تحت إشراف دولي، ما جعله أكثر قابلية بالنسبة إلى يريفان.

وقال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في أغسطس: إن الرئيس ترامب "ضمن السلام بين أرمينيا وأذربيجان". 

وأضاف أن واشنطن أطلقت في المناسبة نفسها "صندوق المشاريع عبر بحر قزوين"، برأسمال يبلغ 201 مليون دولار، بهدف تشجيع الاستثمارات الخاصة في "طريق النقل العابر لبحر قزوين"، المعروف أيضا باسم "الممر الأوسط"، الذي يربط جنوب القوقاز وآسيا الوسطى بالأسواق الأوروبية.

وتابعت الصحيفة أن رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان، يبدو مصمما على دفع المشروع قدما، بعد أن جدد ولايته في الانتخابات التي جرت في مايو/ أيار 2026.

ويسعى باشينيان إلى ترسيخ العلاقات مع دول الجوار وتحويل أرمينيا إلى حلقة وصل بين آسيا وأوروبا، وهو ما قد يحقق للبلاد مكاسب اقتصادية، فضلا عن المساهمة في تخفيف النزاعات الإقليمية.

وقال مدير مركز الدراسات الإقليمية في يريفان، ريتشارد غيراغوسيان: إن استعادة طرق التجارة والنقل تعد عنصرا حاسما لتحقيق الاستقرار والأمن على المدى الطويل.

وأضاف أن مرحلة ما بعد الحرب في جنوب القوقاز تتيح فرصة نادرة للتعاون، مشيرا إلى أن إعادة حركة التجارة والنقل يمكن أن تشكل أساسا لهذا التعاون.

وأشارت الصحيفة إلى أن باشينيان حاول خلال قمة منظمة شنغهاي للتعاون، التي عقدت في عاصمة قرغيزستان في الأول من سبتمبر، الترويج للمشروع خلال نقاشاته مع قادة أذربيجان والهند.

كما اقترحت يريفان على كازاخستان وقرغيزستان المشاركة فيه، وإذا نجح المشروع، فقد تصبح أرمينيا عقدة رئيسة لشبكة طرق تربط روسيا وأوروبا والقوقاز وآسيا الوسطى والشرق الأوسط عبر إيران وتركيا.

وقال مسؤول في الاتحاد الأوروبي، تحدث إلى الصحيفة شرط عدم الكشف عن هويته: إن "حزمة مبادرات السلام والطرقات الجديدة، بما فيها ممر ترامب ومبادرات أخرى مدعومة من واشنطن والاتحاد، تهدف إلى فتح طرق التواصل في المنطقة وتحويل أرمينيا إلى جسر عبور بين أذربيجان وتركيا، وكذلك بين آسيا الوسطى وأوروبا".

وأضاف أن الأمر "لا يتعلق بمنافسة يكون فيها مكسب طرف مرهونا بخسارة طرف آخر، كما تقول روسيا".

معارضة المشروع

واستدركت الصحيفة: “لكن، تنظر موسكو إلى المبادرة بقلق”.

وقالت: إن تعزيز العلاقات بين أرمينيا وأوروبا يعني تراجع قدرة روسيا على ممارسة نفوذها في بلد تعدّه ضمن مجال نفوذها التقليدي. 

كما أن احتمال الاستعانة بشركات عسكرية خاصة، وربما أميركية، لتأمين الطريق يزيد مخاوف الكرملين.

وأشارت الصحيفة إلى أن الرفض الروسي للمشروع لم يتجاوز بعد التصريحات العلنية. 

لكن، تبذل روسيا قصارى جهدها لزعزعة استقرار حكومة باشينيان، وهو ما سيحول في نهاية المطاف دون تنفيذ المشروع؛ فعلى سبيل المثال، لم تعترف موسكو بنتائج انتخابات مايو، كما أنها تدعم علنا أحزاب المعارضة التي تزعم حدوث تزوير انتخابي.

كما تستخدم روسيا ملف الطاقة أداة للضغط؛ فبعد إعلان باشينيان بحث بلاده عن بدائل للغاز الروسي، أعلنت "غازبروم" وقف إمداداتها لمدة عشرة أيام بحجة إجراء أعمال صيانة وإصلاح.

ولا يقتصر الأمر على روسيا؛ إذ تعارض إيران المشروع أيضا بسبب قربه من حدودها الشمالية وما قد يترتب عليه من تداعيات على مصالحها التجارية وموقعها الإقليمي. 

وقال السفير الإيراني في أرمينيا، خليل شيرغولامي: إن طهران ترفض بشدة "ممر زانغيزور". مقدرا أن المشروع قد يمس سيادة أرمينيا ووحدة أراضيها، وهما، بحسبه، خط أحمر بالنسبة إلى إيران.

مفتاح أساسي

وقالت الصحيفة: إن المفارقة تكمن في أن التوتر مع إيران نفسه يدفع دول المنطقة إلى تنويع طرق التجارة والطاقة، فقد بدأت شحنات من السلع، بينها الحبوب والأخشاب والوقود والفحم، تعبر الحدود مباشرة بين أرمينيا وأذربيجان. 

وكانت هذه التجارة تمر سابقا عبر جورجيا، لكن الطريق المباشر يخفض التكاليف من خلال تجنب الرسوم الحدودية المتعددة.

كما تعمل أرمينيا وأذربيجان على تطوير شبكات السكك الحديدية وربطها، في وقت بدأت فيه خطوط نقل إقليمية أخرى بالعودة إلى العمل. 

ويريد باشينيان في نهاية المطاف ربط أرمينيا والصين بالسكك الحديدية عبر روسيا وكازاخستان.

غير أن تحويل أرمينيا إلى حلقة وصل حقيقية بين آسيا والاتحاد الأوروبي يتوقف إلى حد كبير على تركيا. 

فالحدود التركية الأرمنية، التي تمتد لنحو 330 كيلومترا، مغلقة منذ سنة 1993 تضامنا مع أذربيجان خلال حرب ناغورنو كاراباخ الأولى، كما تلقي قضية الأحداث الأرمنية عام 1915 بظلالها على العلاقات بين البلدين.

لكن هزيمة أرمينيا في حربي 2020 و2023، والتي انتهت باستعادة أذربيجان السيطرة على قره باغ، فتحت المجال أمام أنقرة ويريفان لاستكشاف مسار جديد.

وشملت الخطوات المتخذة استئناف الرحلات المباشرة بين يريفان وإسطنبول، وزيادة الاتصالات بين رجال الأعمال والأكاديميين والمجتمع المدني، وإنشاء مؤسسات مشتركة لتعزيز إجراءات بناء الثقة. 

كما أصبح عبور الحدود متاحا للدبلوماسيين ومواطني الدول الثالثة، فيما يجري تحديث المعابر تمهيدا لاحتمال إعادة فتحها بصورة كاملة.

ورغم ذلك، لا تزال هناك عقبة رئيسة؛ إذ تطالب أذربيجان أرمينيا بحذف أي إشارة من دستورها يمكن أن تفسر على أنها مطالبة مستقبلية بأراضي ناغورنو كاراباخ.

ويبدو أن حكومة باشينيان مستعدة لهذه الخطوة، لكنها لا تملك الأغلبية البرلمانية البالغة الثلثين اللازمة لتعديل الدستور.

وقالت الصحيفة: إن هذا الشرط دفع باكو إلى الامتناع عن التصديق رسميا على اتفاق السلام، في وقت أثار فيه موقف أذربيجان استياءً حتى لدى بعض حلفائها الأتراك، الذين لا يريدون أن يؤدي الخلاف إلى تعطيل مسار الانفتاح الإقليمي.

ومع ذلك، تشير التطورات إلى تحرك تدريجي نحو إعادة فتح طرق التجارة والمواصلات في جنوب القوقاز. 

وقال المحلل تشيغوزي أوهاكا: إن ممر ترامب لا يزال في مراحله الأولى على مستوى البنية التحتية، لكنه نجح بالفعل في إعادة التجارة بين أرمينيا وأذربيجان، وإنشاء آليات لتنفيذ الاتفاق، وربط التعاون الاقتصادي بمسار السلام.

وأضاف: بذلك، يبدو أن ما يمكن وصفه "بالسلام الترامبي" في القوقاز بدأ ينتقل من مجرد إعلان سياسي إلى خطوات عملية، قد يكون لها تأثير طويل الأمد على موقع أرمينيا وشبكات التجارة والنقل التي تربط آسيا بأوروبا.