حدود مفتوحة وشبكات تهريب.. لماذا تتعقد مهمة موريتانيا والسنغال؟

عالي عبداتي | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

تشكل الحدود الموريتانية السنغالية محور نشاط مهم للبلدين، خاصة في تنقل الأشخاص والبضائع، لكنه في الوقت نفسه يعد مركز أنشطة مخالفة للقانون، خلفت مئات الضحايا من البلدين والدول الإفريقية جنوب الصحراء.

وفي هذا الصدد، حذّر مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، من مخاطر مرتبطة بالاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين على محور الحدود الموريتانية السنغالية. مشيرا إلى وجود مخاطر تواجه الأشخاص المتنقلين عبر هذه المنطقة.

وتناول المكتب الأممي تقريره الصادر في 9 سبتمبر/أيلول 2026، في سياق مكافحة أنشطة إجرامية، بينها تهريب المخدرات، داعيا إلى تعزيز التعاون بين السلطات والمجتمعات المحلية.

من جهته، ذكر موقع "تقدمي" الموريتاني أن التقرير الأممي يأتي في ظلّ اهتمام متزايد بتعزيز التعاون الأمني بين موريتانيا والسنغال لمواجهة الجريمة المنظمة العابرة للحدود.

وشدد الموقع عبر تحليل في 10 سبتمبر، أن المحور الموريتاني السنغالي يرتبط كذلك بحركة الهجرة غير النظامية باتجاه المحيط الأطلسي وجزر الكناري، فيما عززت موريتانيا خلال السنوات الماضية آليات مكافحة تهريب المهاجرين والاتجار بالبشر، بالتوازي مع تعاون أمني مع دول أوروبية لمراقبة الحدود وملاحقة شبكات التهريب.

ونبَّه إلى أن التحذير الأممي الجديد يأتي ضمن سياق أوسع من الجهود الهادفة إلى تشديد الرقابة على الحدود ومواجهة أنشطة الجريمة العابرة للحدود، دون أن يتضمن، وفق المعطيات المنشورة، إعلانا عن عملية أمنية محددة أو توقيفات جديدة.

جهود رسمية

تنامي مظاهر الجريمة على الحدود، دفعت موريتانيا والسنغال إلى التوقيع خلال منتصف عام 2025 على اتفاقيتين تتعلقان بمكافحة الهجرة غير النظامية وتهريب المهاجرين والاتجار بالبشر والممارسات ذات الصلة، إضافة إلى حماية الضحايا، واتفاق يُنظم شروط دخول وإقامة واستقرار الأشخاص والبضائع بين البلدين.

وأوضح وزير الخارجية الموريتاني محمد سالم ولد مرزوك أن الاتفاق "يأتي استجابة لحالة استعجال أخلاقي قوامها وضع حد للمعاناة والانتهاكات والجرائم المرتبطة بالاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين، والتي تستغل هشاشة الفئات الأكثر ضعفا".

وأشار الوزير في تصريح للصحافة وقتئذ، إلى أن الاتفاق المنظِم لدخول وإقامة واستقرار الأشخاص والبضائع بين موريتانيا والسنغال يؤطر ويفصل شروط وإجراءات التنقل العادي، القانوني، والاقتصادي بين البلدين "واضعا بذلك الأسس لتنقل منظم للأشخاص والبضائع، في إطار يحترم سيادة دولتينا، والتزاماتنا الدولية".

وفي يوليو/تموز 2026، أجرى وفد سنغالي زار موريتانيا مباحثات مع مفوض حقوق الإنسان والعمل الإنساني والعلاقات مع المجتمع المدني، سيد أحمد بنان، خصصت لبحث تنفيذ مذكرة التفاهم الموقعة بين البلدين في مجال مكافحة الاتجار بالأشخاص وتهريب المهاجرين.

وبحث الجانبان آليات تفعيل المذكرة، من خلال تعزيز التنسيق بين المؤسسات المختصة في موريتانيا والسنغال، وتطوير التعاون في مجالي الوقاية من الاتجار بالأشخاص ومكافحة تهريب المهاجرين، بما يعزز الجهود المشتركة لمواجهة هذه الجرائم.

وضم الوفد السنغالي الأمين العام للجنة الوزارية المكلفة بمحاربة تهريب المهاجرين، مودو أجياي، والأمين العام للخلية الوطنية لمحاربة الاتجار بالبشر، مودي انجاي.

تقارير سابقة

هشاشة الحدود الموريتانية تمثل تحديا أمنيا متزايدا أمام نواكشوط، في ظل تنامي أنشطة تهريب المخدرات والأسلحة، إلى جانب الإرهاب والهجرة غير النظامية، في منطقة الساحل التي تشهد اضطرابات أمنية متواصلة.

هذا ما أكده موقع "ساحل أنتليجنس" عبر تقرير في 31 أغسطس/آب 2026؛ حيث أوضح أن الموقع الجغرافي لموريتانيا، على مقربة من مسارات تربط أميركا اللاتينية بغرب وشمال إفريقيا وأوروبا، جعل البلاد نقطة عبور محتملة لشبكات تهريب المخدرات، مستفيدة من اتساع المناطق الصحراوية وصعوبة مراقبة بعض المناطق الحدودية.

وأشار التقرير إلى أن قرب موريتانيا من مالي والجزائر يزيد من حساسية وضعها الأمني، في ظل نشاط جماعات مسلحة وشبكات إجرامية في المنطقة، فضلا عن استمرار حركة الأسلحة والسلع المهربة عبر الحدود.

ونبّه إلى أن موريتانيا تشكل كذلك محطة مهمة للمهاجرين القادمين من دول غرب إفريقيا وإفريقيا جنوب الصحراء، الساعين للوصول إلى جزر الكناري الإسبانية، ما يعرّض بعضهم لشبكات الاتجار بالبشر والتهريب والمخاطر المرتبطة بالرحلات غير النظامية.

وذكر الموقع، نقلا عن تقرير للمنظمة العالمية للجمارك، أن موريتانيا صُنفت ضمن مناطق العبور المحتملة للأسلحة الخفيفة والأسلحة الصغيرة التي يمكن أن تصل إلى جماعات مسلحة.

ويرى التقرير أن التحدي أمام نواكشوط يتمثل في تعزيز السيطرة على المناطق الحدودية وحماية أمن البلاد، مع تجنب تحول الثغرات الأمنية إلى أدوات تخدم صراعات ومصالح إقليمية أوسع.

قراءة متخصصة

في السياق، أكد تقرير أعدّه فريق عمل تابع لشبكة الإعلاميين الجهوية بنواذيبو لمكافحة تهريب المهاجرين، نشرته منصة "صوت الشمال" الموريتانية، أن نواكشوط تبذل جهودها المشهودة والتي أصبحت مثالا في المنطقة على مستوى تفكيك شبكات الاتجار بالأشخاص ومواجهة تحديات الهجرة غير النظامية.

وذكر التقرير الصادر في 24 يونيو/حزيران 2026، أن موريتانيا أصدرت قانون قمع الاتجار بالأشخاص (2020)، والذي يفرض عقوبات رادعة تصل إلى السجن والأشغال الشاقة لممارسي الاستغلال القسري وسلب الإرادة.

وتابع: "ولم تكتفِ البلاد بالقانون، بل اعتمدت لاحقا الخطة الوطنية (2024-2026) لمكافحة الاتجار بالأشخاص".

وفي خطوة إجرائية وصفها التقرير بـ"المتقدمة"، تم إنشاء محكمة خاصة مكرسة حصريا لجرائم الاسترقاق والاتجار بالأشخاص وتهريب المهاجرين، مما رفع كفاءة الملاحقة القضائية وسرّع وتيرة الفصل في القضايا الحساسة.

وأردف، كما تم تفعيل "الآلية الوطنية للإحالة" لضمان توجيه الضحايا بشكل آمن، بالتوازي مع رفع مخصصات صندوق دعم ومساعدة ضحايا الاتجار لإعادة دمجهم مجتمعيا.

وأشار التقرير إلى أن موقع موريتانيا كبوابة رئيسة نحو أرخبيل الكناري الإسباني (الذي استقبل وحده نحو 63 ألف مهاجر خلال موجات التدفق الشديدة)، جعلها محط اهتمام بروكسل، والذي أفضى إلى توقيع "الإعلان المشترك بين موريتانيا والاتحاد الأوروبي بشأن الهجرة" في 7 مارس/آذار 2024.

وتضمن الاتفاق حزمة دعم مالي وتقني أوروبي تتجاوز 210 ملايين يورو، تهدف إلى تعزيز قدرات خفر السواحل الموريتاني، وإدارة الحدود، ومكافحة عصابات التهريب، مقابل التزام موريتاني بتكثيف الرقابة الأمنية على الشواطئ والمنافذ البرية لمنع انطلاق القوارب.

وخلص التقرير إلى أن نجاح التجربة الموريتانية يكمن في إحداث توازن دقيق بين بناء منظومة قضائية تحمي الضحايا وتلاحق الجناة، وانتزاع اعتراف حقوقي دولي مستحق، مع الحفاظ على سيادة الدولة وتأكيد رفضها القاطع للتحول إلى "وطن بديل" لتوطين المهاجرين المرحلين من أوروبا.

اعتقال متورطين

على المستوى السنغالي، وفي آخر جهودها لمواجهة الاتجار بالبشر، أوقفت فرقة مكافحة تهريب المهاجرين، موسى سنكاري، المعروف بلقب "المالي"، بعد ملاحقته منذ عامي 2023 و2024 للاشتباه في قيادته شبكة لتهريب المهاجرين والفساد تنشط بين السنغال وموريتانيا وغامبيا.

وبحسب ما نقل موقع "ندار أنفو" في 12 سبتمبر، فإن الشبكة كانت تعمل تحت شعار "برشلونة أو الموت"، في إشارة إلى الرحلات غير النظامية التي تهدف للوصول إلى إسبانيا عبر البحر.

وذكر أن الشرطة عثرت خلال تفتيش منزل سنكاري على دفتر يتكون من نحو 200 صفحة، يتضمن أسماء مجندين وأشخاص يشتبه في تعاونهم مع الشبكة، إلى جانب مبالغ مالية دُفعت لقباطنة القوارب ومعلومات عن أماكن إيواء المهاجرين قبل انطلاق الرحلات.

وبحسب المصدر ذاته، مكّن تحليل محتويات الدفتر المحققين من تحديد هوية جميع المشتبه بمشاركتهم في الشبكة، فيما تواصل الفرقة الوطنية لمكافحة تهريب المهاجرين تحقيقاتها لتحديد أدوار كل منهم في النشاط المنسوب إلى الشبكة العابرة للحدود.

وخلص الموقع إلى أن توقيف سنكاري يأتي في إطار سلسلة عمليات تفكيك لشبكات تهريب مهاجرين تنشط عبر الحدود السنغالية، بعد تحقيقات وملاحقات شملت منظمي رحلات هجرة بحرية غير نظامية خلال السنوات الماضية.

ضحايا بالمئات

قبيل التقرير الأممي بيومين، أصدرت منظمة “أطباء بلا حدود” بيانا في 7 سبتمبر 2026، أكدت فيه أنه في غضون أسبوع واحد فقط نهاية أغسطس، تم إنقاذ 1046 مهاجرا كانوا يحاولون الوصول إلى جزر الكناري في قوارب بدائية الصنع.

وأوضحت أنه، نظرا لحالتهم الحرجة، تم إنزالهم في موريتانيا والسنغال؛ حيث تولت فرق طبية من منظمة أطباء بلا حدود رعايتهم.

وذكرت المنظمة أن الناجين كانوا على متن سبعة قوارب، يحمل كل منها ما معدله 150 شخصا، غادروا غامبيا على أمل الوصول إلى جزر الكناري، التي تبعد حوالي 2000 كيلومتر، وهي رحلة تُعدّ من أطول مسارات الهجرة البحرية في العالم.

وتابعت: “بعد أن جرفتهم الأمواج، تم إنقاذهم ونقلهم إلى الشاطئ؛ حيث قدمت فرق طبية تابعة للمنظمة الرعاية الطارئة لهم، بعد أن ظلّ الناجون يتجولون في البحر لفترة طويلة، كانوا يعانون من الجفاف والإرهاق الشديد، وفقدان الوعي، والكسور، والتهابات الجلد والمعدة والجهاز التنفسي”.

وأوضحت المنظمة أنه كان من بينهم 134 امرأة، بينهن امرأة حامل، و88 قاصرا، وإلى جانب احتياجاتهم الجسدية العاجلة، كان الأثر النفسي على الناجين عميقا؛ إذ شهد العديد منهم وفاة أحبائهم أثناء الرحلة.

وأشارت إلى أن معظم الناجين كانوا من السنغال وغامبيا، بينما قدم آخرون من مالي وغينيا وكوت ديفوار. 

وأبلغ كثيرون فرق منظمة أطباء بلا حدود أنهم تعرضوا للعنف في بلدانهم الأصلية وأثناء رحلتهم إلى المنفى.

واسترسل، كما قال أحد الواصلين إلى داكار إنه تعرض للضرب على يد مهرب ومجموعة من الرجال لإجباره على دفع المزيد مقابل عبوره. 

فيما روت امرأة أن أحد المهربين سرق المال المخصص للعبور ثم اغتصبها قبل صعودهم إلى القارب.

قراءة سياسية

في تفاعله مع التقرير الأممي، أكد الصحفي والناشط الموريتاني المصطفى محمدن لولي، أن المناطق الحدودية الموريتانية السنغالية “في حقيقتها مناطق رخوة، يطبعها الكثير من التداخل وصعوبة الضبط”.

وأوضح محمدن لول لـ"الاستقلال"، أنه “خصوصا إذا ما وضعنا في الاعتبار اتساع رقعة الحدود وتداخل شعوب المنطقة الاجتماعي والاقتصادي وأوضاعهم المادية الصعبة، فضلا عن ضعف الرقابة”.

وتابع: "في مهمة إعلامية قادتني مؤخرا للمنطقة (منتصف أغسطس 2026) لفت انتباهي مدى الترابط بين شعبي الضفتين وسهولة عبور المناطق الحدودية جيئة وذهابا، وكلها أمور -على أهميتها لحياة السكان- تجعل المنطقة عرضة للتهريب بمختلف أنواعه ومرتعا لشبكات التهريب العابرة للحدود".

واسترسل، ولا يخفى على المتابع الخطوات الكبيرة التي قامت بها موريتانيا مؤخرا للحد من الهجرة والتهريب وتسخير الكثير من الوسائل المادية والبشرية لذلك، إضافة إلى التنسيق مع عدة جهات لعل أهمها الدول المجاورة ودول الوجهة (الأوروبية).

وفي المجمل، يقول محمدن لولي: إن الهجرة غير النظامية تحد حقيقي يواجه العالم وأنهك دولا كبيرة تمتلك وسائل عملاقة ماديا ومعنويا، وهو ما يتطلب من دول وشعوب المنطقة الكثير من الجهد والتعاون، خصوصا أننا كدول غرب إفريقية لم نعد مجرد مناطق عبور، بل إن كثيرا من هذه الهجرات باتت تستوطن دولنا، وتضايق العمالة المحلية، وتشكل عبئا إضافيا على الخدمات الأساسية الهشة أصلا.

واسترسل المتحدث ذاته، وهنا لا بد للسلطات المحلية من إتاحة فرص حقيقة للشباب وتوفير ظروف مشجعة على البقاء في مناطقهم وبلدانهم الأصلية.

وأردف، كما أنه لا بد من العمل محليا على التوعية بخطورة شبكات التهريب والمخاطر الكثيرة المصاحبة لنشاطها، وزيف الوعود التي تقدمها للشباب، كما أنه على الدول الأوربية المساهمة بشكل جدي وفعال في توفير هذه الظروف تمويلا ومتابعة بالتعاون مع هذه البلدان.