السعودية أمام معادلة صعبة.. ردع الحوثيين دون استعادة حرب 2015

الملكة العربية السعودية تكتفي غالبا ولا تقدم على مهاجمة الحوثيين
تضع الهجمات الحوثية المتكررة على الأراضي السعودية الرياض أمام اختبار أمني وسياسي مختلف عن ذلك الذي قادها إلى التدخل العسكري في اليمن عام 2015، في ظل تصعيد شمل صواريخ ومسيّرات استهدفت الرياض ومدنًا ومواقع اقتصادية، إلى جانب تهديدات طالت البنية التحتية للطاقة.
وفي 2015، دخلت السعودية على رأس تحالف عسكري خليجي إلى الحرب اليمنية بهدف دعم الحكومة المعترف بها دوليًا ووقف تقدم الحوثيين، بعد انقلابهم على السلطة الشرعية في 12 سبتمبر/ أيلول 2014 وسيطرتهم على العاصمة صنعاء ومدن أخرى في شمال اليمن.
لكن الظروف المحيطة بالسعودية اليوم تختلف عن تلك المرحلة، بعد مسار طويل من التهدئة والمفاوضات، وصولًا إلى هدنة خفضت حدة القتال منذ 2022. ومع عودة الهجمات منذ يوليو/ تموز 2026، تواجه الرياض معادلة معقدة بين حماية أراضيها وتجنب الانجرار إلى حرب شاملة قد تفتح جبهات متعددة.

مواجهة مكلفة
وتأتي عودة الهجمات في وقت باتت فيه التهديدات الحوثية مرتبطة، إلى جانب الأراضي السعودية، بالبنية التحتية للطاقة والملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، إذ نالت الضربات الأخيرة أبها وخميس مشيط والطائف، وأوقعت إصابات وأضرارًا في منازل.
وفي 26 سبتمبر/ أيلول 2026، أعلن التحالف العربي أن الدفاعات الجوية السعودية اعترضت ودمرت مسيّرتين أطلقتهما مليشيا الحوثي باتجاه العاصمة الرياض، كما أعلن اعتراض وتدمير صاروخين باليستيين أطلقتهما الجماعة باتجاه خميس مشيط، جنوب غربي المملكة.
لكن تكرار الهجمات لا يعني أن الرياض قررت العودة إلى نموذج الحرب الذي بدأ عام 2015، فالمملكة تواجه اليوم بيئة إقليمية أكثر تعقيدًا، تشمل اضطراب الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، والتهديدات التي تنال منشآتها النفطية، إضافة إلى التوترات المرتبطة بإيران.
وتكتسب هذه المخاطر بعدًا اقتصاديًا مباشرًا بالنسبة إلى السعودية، في ظل أهمية صادرات النفط وحماية البنية التحتية للطاقة والملاحة الدولية بالنسبة إلى أمن المملكة؛ إذ أظهر الهجوم الذي استهدف خط أنابيب الشرق-الغرب في 11 سبتمبر/ أيلول من الأراضي العراقية أن أي مواجهة إقليمية أوسع يمكن أن تفتح جبهات متعددة أمام الرياض.
لكن السعودية تجنبت، عقب هجوم خط الأنابيب، إجراءات انتقامية تصعيدية بعد طلب من رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، وهو ما يكشف عن استمرار مساحة للوساطات والاتصالات السياسية.
وبذلك تبدو كلفة العودة إلى حرب شاملة أعلى من مجرد الرد على هجمات محددة؛ إذ يمكن أن تمتد المواجهة إلى الطاقة والملاحة، في وقت تسعى فيه الرياض إلى الحفاظ على بيئة مستقرة لمشروعاتها الاقتصادية بعيدة المدى.

دعم الشرعية
وفي هذا السياق، رأى الكاتب والمحلل السياسي اليمني عبد الباقي شمسان، في تصريح لـ«الاستقلال»، أن طبيعة الصراع في اليمن تشهد تحولًا، وأن المملكة العربية السعودية يمكن أن تدعم المواجهة من دون أن تكون طرفها الرئيس.
وقال شمسان: إن «هناك تحولًا في إستراتيجية الصراع في الجغرافية اليمنية؛ إذ أصبح الحديث اليوم عن سلطة شرعية في مواجهة مليشيات انقلابية تهدد الملاحة الدولية. وبالتالي، ستكون السعودية موجودة، لكنها لن تكون اللاعب الرئيس في المشهد».
وبحسب شمسان، فإن السلطة الشرعية يمكن أن تتقدم إلى واجهة المواجهة بدعم سعودي، وهو ما يمنح الرياض إمكانية تحقيق أهدافها بعيدًا عن الضغوط الدولية، ويجنبها تقديم تنازلات في ملفات إقليمية أخرى؛ وذلك لأن الحكومة اليمنية معترف بها دوليًا وتتحرك وفقًا لقرارات مجلس الأمن، بينما تصنف الولايات المتحدة الحوثيين جماعة إرهابية.
ورأى المحلل أن هذه المعادلة قد تتيح أن تكون المواجهة بين السلطة الشرعية والحوثيين، بالتوازي مع دعم دولي لحماية الممرات المائية، ودعم سعودي سياسي وعسكري عند الضرورة. ويكتسب هذا المسار أهمية، وفق تقديره، بسبب المخاطر المرتبطة بباب المندب الذي يمثل ممرًا مهمًا لصادرات الطاقة السعودية.
وأشار شمسان إلى أن الرياض سبق أن طرحت مشروعًا لمدّ النفط إلى بحر العرب عبر اليمن، لكنه لم ينفذ لأسباب متعددة، مقدرا أن دعم السلطة الشرعية وترجيح كفتها يمثل مصلحة إستراتيجية وأمنية للمملكة، سواء لإنهاء الانقلاب أو لإضعاف الحوثيين.
وفي تقدير الخبير اليمني، فإن التجربة السابقة مع الحوثيين لا تشير إلى وجود مشروع سلام واضح لدى الجماعة، فيما قد تكون تصريحاتها بشأن عدم استهداف السفن الإسرائيلية والأمريكية والأوروبية مؤقتة، بما يفتح احتمال عودة التصعيد بعد تثبيت مواقعها.
ومن هنا، يفسر شمسان خيار دعم السلطة الشرعية باعتباره وسيلة لتقليل الضغط عن السعودية؛ لأن مشاركتها المباشرة قد تمنح الحوثيين ذريعة لتصوير الحرب بوصفها مواجهة سعودية-حوثية، ومن ثم رفع مستوى الهجمات على المملكة.
وفي صياغة لملامح موقف الرياض، أوضح المحلل والباحث السياسي السعودي حسن المصطفى، خلال مقابلة تلفزيونية في 12 سبتمبر/ أيلول، أن عدم انتقال المملكة إلى السياسة الهجومية حتى الآن يرتبط بثلاثة مستويات رئيسة.
أول تلك المستويات، وفقًا للمصطفى، هو تجنب الاستدراج إلى حرب «سعودية-يمنية» يهدف الحوثي من خلالها إلى توسيع دائرة الصراع، مؤكدًا أن حقيقة ما يجري ميدانيًا هو تمرد على الحكومة الشرعية ونزاع «يمني-يمني».
أما المستوى الثاني، فيكمن في حرص الرياض، عبر تحالف دعم الشرعية، على توفير الغطاء السياسي والأمني والعسكري للقوات اليمنية التابعة للحكومة الدستورية لتمكينها على الأرض، فيما يتمثل المستوى الثالث في احتفاظ القيادة السعودية بحق المبادرة الكامل وإدارة مخاطر التصعيد. بحسب الباحث السعودي.

ردع محسوب
ولا يعني تجنب الحرب الشاملة، وفقًا للكاتب اليمني، أن الرياض ستكتفي بالدفاع السلبي أمام الهجمات المتكررة، فالتصعيد الذي ينال الأراضي السعودية والطاقة والملاحة يمكن أن يدفع المملكة إلى البحث عن أدوات ردع، لكن ضمن سقف لا يحول المواجهة إلى حرب مفتوحة.
وذهب شمسان إلى أن استهداف السعودية وتهديد صادرات النفط قد يخدم هدفًا إيرانيًا، من خلال رفع الأسعار وزيادة كلفة الحرب، بما يدفع المجتمع الدولي إلى البحث عن مسار تفاوضي جديد، مؤكدًا أن إيران قد تستثمر هذا المسار للحفاظ على ما تبقى من بنيتها التحتية ومكاسبها، مع إدخال الحوثيين في المفاوضات.
ولهذا، يقول شمسان: إن السعودية «ستسعى إلى إبقاء المواجهة في إطار دعم السلطة الشرعية، مع تهيئة المجتمع الدولي وحلفائها الإقليميين، ولا سيما دول الخليج، لهذا المسار».
وفي المقابل، سيبقى باب التفاوض مفتوحًا، لكن عبر السلطة الشرعية التي أعلنت توجهها نحو إنهاء الانقلاب واستعادة صنعاء، وليس عبر تفاوض مباشر مع الحوثيين، وفقًا للكاتب.
وفي الوقت نفسه، فإن اتساع المعركة ووصولها إلى باب المندب يمكن أن يؤدّي إلى استهداف السفن وتعطيل الملاحة الدولية، وهو ما يرى شمسان أنّه قد يخدم إيران. ولذلك يتوقع أن تتحاشى السعودية ودول الخليج الدخول في مواجهة مباشرة وشاملة، ما لم تتعرض المملكة لاستهداف مكثف.
لكن في حال ارتفاع مستوى الهجمات، يطرح المحلل احتمالًا مختلفًا، يتمثل في تنفيذ عمليات محددة تستهدف قواعد إطلاق الصواريخ أو مراكز القيادة، سواء عبر السلطة الشرعية أو تحالف مكة، وربما من خلال عمليات غير معلنة، بما يسمح للرياض بالرد على التهديدات من دون تحويل الصراع إلى مواجهة سعودية-حوثية مباشرة.
من جهته، أكد الباحث السياسي السعودي حسن المصطفى أن السعودية تتبنى إستراتيجية دفاعية مستقلة تجاه اعتداءات جماعة الحوثي. مشيرًا إلى أن الرياض ترفض منطق «رد الفعل» وتتحرك وفق رؤيتها الإستراتيجية الخاصة، دون السماح للجماعة الانقلابية بتحديد توقيت أو شكل أو مكان العمل العسكري.
وربط المصطفى استمرار هذه السياسة الدفاعية بعدم تجاوز «خطوط حمراء» محددة، مبينًا أن تعرض العاصمة أو المنشآت الحيوية لهجمات جديدة، أو وقوع خسائر أكبر في صفوف المدنيين من مواطنين ومقيمين، إضافة إلى استهداف خطوط إمداد الطاقة، كخط الشرق-الغرب وخزانات الوقود، سيدفع المملكة حتمًا إلى الرد، ولكن وفق التوقيت والصيغة اللذين تقررهما الرياض بنفسها.
وفي مؤشر على تعزيز أدوات الردع، أعلنت وزارة الدفاع السعودية، في 26 سبتمبر/ أيلول، أن رئيس قوات الدفاع ورؤساء هيئات الأركان العامة للدول الأطراف في اتفاقية مكة للدفاع المشترك، السعودية وتركيا وباكستان، عقدوا اجتماعًا في الرياض بحثوا خلاله «سبل المضي قدمًا في تطوير التعاون الاستخباراتي والتنسيق العسكري، بما يسهم في تعزيز الردع والدفاع الجماعي».
لكن المشاركين اكتفوا خلال بيانهم بالإشادة بالدفاعات السعودية ضد الهجمات الحوثية، إضافة إلى تأكيدهم التزامهم بالدفاع الجماعي، في وقت تنص فيه الاتفاقية التي وقعت في 7 أغسطس/ آب 2026، على أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يعد هجومًا عليها جميعًا.
المصادر
- اعتراض مسيّرتين وصاروخين باليستيين أطلقها الحوثيون باتجاه السعودية
- مجلس الأمن يدين هجمات الحوثيين ضد السعودية ويعتبرها "تقويضا للسلام"
- السعودية تعلن ما توصل إليه قادة جيوش دول "اتفاقية مكة" خلال اجتماع الرياض
- غارات جوية تستهدف مواقع ومخازن أسلحة وتعزيزات حوثية شرق وجنوب تعز
- الباحث السياسي حسن المصطفى يوضح الاستراتيجية السعودية في مواجهة اعتداءات الحوثي


















