من يحمي جنوب لبنان إذا رحلت اليونيفيل وبقي الاحتلال؟

داود علي | منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

تستعد قوات الأمم المتحدة لمغادرة جنوب لبنان، في وقت تواصل فيه قوات الاحتلال الإسرائيلي تثبيت سيطرتها على قرى دمّرتها الحرب التي بدأت مطلع مارس/ آذار 2026، بينما تتحكم حواجزها في حركة من بقي فيها وفي وصول الإمدادات إليهم.

ومع اقتراب نهاية ولاية قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان «اليونيفيل» في ديسمبر/ كانون الأول 2026، يواجه سكان الجنوب احتمال فقدان المرافقة الدولية التي تصلهم ببقية مناطق بلدهم، دون ضمان انسحاب الاحتلال الإسرائيلي أو تأمين بديل يوفر الحماية اللازمة لحياتهم ويساعد على عودتهم.

وخلف هذا الاستحقاق، تتوزع المعاناة بين عائلات تتمسك بالبقاء وسط العزلة ونقص الغذاء والوقود، ونازحين تحولت العودة بالنسبة إليهم إلى انتظار مفتوح أمام منازل مهدمة وطرق مقطوعة وبنية تحتية لا تزال غير صالحة لاستئناف الحياة.

أما الانسحاب الأممي، المقرر تنفيذه تدريجيًا خلال العام التالي، فيقترب بينما تتعثر ترتيبات تسليم مواقع القوة الدولية إلى الجيش اللبناني، وتتباعد المواقف بشأن مستقبل الوجود الدولي في الجنوب.

ويطرح ذلك أسئلة تتجاوز مصير القوة الأممية نفسها: ماذا يتبقى لسكان الجنوب إذا غادرت «اليونيفيل» واستمرّت السيطرة الإسرائيلية؟ ومن يرافق قوافل الغذاء والإسعاف، ويرصد الاعتداءات ويوثق الخروقات؟

وهل تستطيع الدولة اللبنانية حماية من بقي في القرى وإعادة النازحين، أم تتحول مغادرة القوة الدولية إلى عامل إضافي يدفع الأهالي خارج بلداتهم، ويجعل النزوح أكثر امتدادا؟

رميش.. البقاء خلف الحواجز

في بلدة رميش، حيث لا يزال نحو ستة آلاف شخص يقيمون داخل المنطقة التي تحتلها إسرائيل، تبدو المخاوف من المستقبل امتدادا لتفاصيل يومية تتقلص فيها خيارات السكان، بفعل العزلة والحواجز وصعوبة وصول الإمدادات.

فالطريق إلى البلدة يمر بحواجز إسرائيلية، فيما تنتشر الدبابات بين قرى مهجورة ومبانٍ هدمها القصف، وتتحول مرافقة «اليونيفيل» إلى وسيلة أساسية لوصول التجار والإمدادات إلى السكان.

وخلال زيارة ميدانية نقلتها وكالة رويترز في 16 سبتمبر/ أيلول، كانت متاجر الخضراوات مغلقة، بينما بدت رفوف محال أخرى نصف ممتلئة بمواد غذائية قابلة للتخزين.

واستخدم صاحب محل فلافل آخر ما لديه من الطماطم، في وقت ترددت فيه أصوات التفجيرات من مناطق أخرى في الجنوب. وقبل الزيارة، ألغيت قوافل مساعدات وبضائع في اللحظة الأخيرة من دون أسباب محددة، وبدأ مخزون المنتجات الطازجة والوقود ينفد.

ويختصر المدرس جورج إبراهيم، البالغ من العمر 45 عاما، مأزق البلدة بقوله لرويترز: «نعتبر أنفسنا نعيش في سجن كبير، معزولين». ويتساءل عن مصير أصحاب المتاجر وكيف ستصل بضائعهم من بيروت إذا انتهت المرافقة الأممية.

فالبقاء في البلدة يحتاج إلى طريق مفتوح، ومورد رزق، وإمكان الخروج لتلقي العلاج، وهي احتياجات تتجاوز قدرة العائلات على تأمينها بصورة منفردة.

وتزيد العزلة مخاوف الأهالي من انقطاع صلتهم ببقية لبنان، ومن أن يُساء فهم بقائهم في بلداتهم بوصفه قبولا بالاحتلال الإسرائيلي أو تعاونا معه.

في المقابل، يقول الكابتن جوليان، قائد سرية استطلاع فرنسية، إن عبور الحواجز الإسرائيلية يحتاج إلى مرافقة أمنية، معربا عن أمله في إيجاد وسيلة تتيح للمدنيين العبور والعيش بسلام.

قوة ترحل وشهود يغيبون

تشكل هذا الاعتماد في جنوب لبنان على «اليونيفيل» عبر مهمة امتدت قرابة خمسة عقود؛ فقد أنشئت القوة عام 1978 للتحقق من الانسحاب الإسرائيلي ومساعدة الدولة اللبنانية على استعادة سلطتها، ثم اتسعت صلاحياتها بعد حرب 2006 لتشمل مراقبة وقف الأعمال العدائية، ودعم انتشار الجيش، وتسهيل المساعدات والعودة الطوعية والآمنة للنازحين.

وفي نطاق انتشارها بين نهر الليطاني والخط الأزرق، تؤدّي القوة دورا في حماية المدنيين المعرضين لعنف وشيك، ضمن قدراتها وصلاحياتها، لكنها ليست مكلفة بخوض حرب لنزع سلاح حزب الله.

وقد أظهرت الحرب حدود قدرة القوة الدولية على منع الاعتداءات، بينما ظلّ التنسيق الميداني والإجلاء وتوثيق الخروقات من الوظائف التي يعتمد عليها السكان والمؤسسات الدولية.

ومن أمثلة ذلك مرافقتها، في السابع من يونيو/ حزيران 2026، سيارات إسعاف نقلت مرضى عالقين من رميش إلى صور، بعد التنسيق مع الجيش الإسرائيلي. كما قدمت دعما لمستشفى تبنين، وساعدت في التعامل مع مخاطر الذخائر غير المنفجرة التي تهدد الأهالي أثناء تنقلهم وتفقدهم منازلهم وأراضيهم.

غير أن أكثر من نصف قواعدها، البالغ عددها نحو خمسين قاعدة، أصبح داخل الأراضي المحتلة، بما فيها مقر الناقورة. وبموجب القرار 2790، تنتهي عملياتها في 31 ديسمبر/ كانون الأول 2026، ويجري الانسحاب خلال سنة، مع وظائف انتقالية محددة، ما يعني أن نهاية الولاية لا تعني اختفاء القوات دفعة واحدة.

ومع تقليص وجودها، يبرز مصير سجلات الخط الأزرق وقنوات الاتصال ووصول المحققين الأمميين إلى مناطق الاشتباه بوقوع جرائم حرب إسرائيلية.

وتشمل هذه السجلات محاضر اجتماعات وخرائط وقياسات تراكمت على مدى عقود، وتشكل مرجعا لتوثيق الوقائع والخلافات على الأرض.

وسهلت البعثة وصول المحققين الأمميين خلال الحرب، ويرجح مطلعون أن يصبح ذلك بالغ الصعوبة بعد رحيلها. كما يخشى متعاقدون لبنانيون فقدان أعمالهم والمأوى الذي وجدوه قرب قواعدها، لتتداخل خسارة المراقبة الدولية مع خسارة الحماية اليومية والدخل.

نزوح لا تنهيه العودة

أما خارج البلدات المعزولة، فيحمل النازحون وجها آخر للأزمة؛ فقد سجلت المنظمة الدولية للهجرة بقاء 341 ألفًا و228 شخصا نازحين داخل لبنان حتى الخامس عشر من سبتمبر/ أيلول 2026، بزيادة تقارب 12 ألفا عن مطلع الشهر.

ويشمل الرقم البلاد كلها، ولا يمثّل حصيلة مستقلة لنازحي منطقة انتشار «اليونيفيل».

وكان 324 ألفًا و692 شخصا منهم خارج مراكز الإيواء الجماعي، مقابل 16 ألفًا و536 داخل 166 مركزا. وتكشف هذه الأرقام اتساع النزوح خارج الملاجئ الظاهرة، فيما لا تعني العودة المسجلة استعادة المسكن والخدمات أو زوال خطر النزوح مجددا.

أما التوزيع المتاح لأقضية المنشأ، فيظهر أن النبطية وصور وبنت جبيل ومرجعيون شكلت مجتمعة 79 بالمئة من النازحين مطلع يوليو/ تموز، بما يعادل نحو 395 ألف شخص حينها.

وتوضح بلدة زوطر الغربية صعوبة تحويل العودة إلى إقامة مستقرة؛ فبحسب الجيش اللبناني، استطاع نحو 70 بالمئة من السكان تفقد ممتلكاتهم، لكن 60 عائلة فقط من أصل 450 استقرت مجددا، مع تدمير معظم المساكن كليا.

ولا تقتصر العوائق على المنازل؛ إذ تمنع الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية والخدمات استعادة الحياة الطبيعية.

وتقول منظمة أطباء بلا حدود: إن الألواح الشمسية المغذية لمحطات الضخ دمرت أو تضررت في جميع القرى التي زارتها فرقها، إلى جانب آبار وخزانات وأنابيب. وفي ياطر، استخدمت خزانات مؤقتة، بينما أُصلحت في فرون وحدة ترشيح بعدما تعطل الخزان الرئيس.

ويمتد التعطيل إلى قطاع التعليم؛ إذ تركز 286 من أصل 436 مرفقًا تعليميًا متضررًا وثقتها وزارة التربية واليونيسف في محافظتي الجنوب والنبطية.

وفي صور، تقيم عائلات نازحة من المنصوري داخل مدارس، بما يربط استعادة العملية التعليمية بإيجاد مأوى بديل للسكان المهجرين.

وهكذا تواجه العائلات قرى يصعب استئناف الحياة فيها حتى عندما تتمكن من بلوغها، لتصبح العودة نفسها خطوة أولى في مسار طويل لا يضمن بالضرورة الاستقرار.

دولة محاصرة

وتتعثر عودة هذه العائلات عند واقع عسكري وسياسي لم تغيره الاتفاقات القائمة.

فمنذ تجدد الحرب في 2 مارس/ آذار، عقب العدوان الإسرائيلي في سياق الحرب على إيران، وسعت قوات الاحتلال عملياتها البرية، ودمّرت منازل ومعابر على نهر الليطاني، وعزلت بلدات عن محيطها. وتواصل الهدم في 19 سبتمبر/ أيلول في المنصوري وميس الجبل وطلوسة.

وأظهر تحقيق لرويترز أن المنطقة التي أعلنت إسرائيل احتلالها بعد هدنة أبريل/ نيسان 2026 بلغت نحو 600 كيلومتر مربع، بينما امتد نطاق الاحتلال وأوامر الإخلاء معا إلى ألفي كيلومتر مربع.

وبذلك تجاوزت المناطق المتأثرة بالتهجير حدود الانتشار البري، وتعذر اختزال شروط العودة في مجرد تراجع كثافة الغارات.

وفي 26 يونيو/ حزيران 2026، أتاح اتفاق إطار برعاية أميركية مسارا يربط الانسحاب الإسرائيلي بانتشار الجيش اللبناني وحصر السلاح بيد الدولة، لكن الخلاف على التنفيذ أبقى السكان رهائن شروط متقابلة.

فوزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس يربط الانسحاب بنزع سلاح حزب الله، فيما يرفض الحزب التخلي عن سلاحه قبل إنهاء الاحتلال.

وقال أمينه العام نعيم قاسم في أغسطس/ آب: «نحن ضد اتفاق الإطار وندعو إلى إسقاطه».

وفي المقابل، أكّد الرئيس جوزاف عون ضرورة حصر السلاح دون صدام داخلي، مع توفير الدعم اللازم لتحمل الجيش مسؤولياته.

وأعلن الجيش إقامة حواجز ونقاط مراقبة، وفتح طرق، وضبط أسلحة في مناطق جنوبية، لكنه قال: إن الاعتداءات الإسرائيلية تعرقل جهوده وتدفع إلى نزوح جديد.

وهنا تتضح حدود قدرة الحكومة؛ فهي تستطيع تنظيم الإغاثة، وتحريك المسار الدبلوماسي، ونشر وحدات حيث تتاح لها الحركة، لكنها لم تؤمن انسحاب الاحتلال أو تسوية داخلية تنهي ازدواجية السلاح.

ويصبح تسلم قواعد «اليونيفيل» معضلة إضافية عندما تكون المواقع نفسها داخل أراض لا يستطيع الجيش الوصول إليها بحرية.

مستقبل بلا ضمانات

وحذّر الباحث السياسي اللبناني حسين عطوي من أن انتهاء مهمة «اليونيفيل» من دون تمديد أو قوة بديلة سيترك فراغًا يهدد أمن الجنوب واستقراره، مقدرا أن الخلاف القائم بين بيروت وباريس من جهة والاحتلال من جهة أخرى يبقي مستقبل المهمة مفتوحا على كل الاحتمالات.

وقال عطوي في تصريح لـ«الاستقلال»: «إن لبنان وفرنسا يسعيان إلى منع انقطاع الوجود الدولي في الجنوب؛ فباريس دعمت في البداية قرار إنهاء الولاية ضمن مرحلة انتقالية تهدف إلى تعزيز الجيش اللبناني، لكنها عادت وأيدت طلب تمديد محدود بعدما أعادت الحرب طرح مخاطر الفراغ بقوة. وهذا ما نبَّه إليه الرئيس جوزاف عون حين أكد أن غياب أي تمديد أو بديل سيهدد أمن المنطقة واستقرارها».

وأوضح أن «الرؤية الفرنسية تربط استقرار الجنوب بثلاثة مسارات يجب أن تسير معا: انسحاب القوات الإسرائيلية، وحصر السلاح بيد الدولة، وتعزيز قدرات الجيش».

وأضاف: «في المقابل، تزعم إسرائيل أن اليونيفيل أخفقت في منع حزب الله من بناء قدراته، وترفض تمديد بقائها. وقد جدد مندوبها لدى الأمم المتحدة داني دانون هذا الرفض، وأبدى رغبة في التواصل المباشر مع الجيش اللبناني».

ولفت عطوي إلى أن «الخارجية الفرنسية أكدت استمرار المشاورات مع إيطاليا وشركاء آخرين، من دون حسم ترتيبات المرحلة المقبلة».

وأشار إلى أن الخيارات المطروحة تشمل حضورا أمميا محدودا للمراقبة والاتصال، وتوسيع الدعم السياسي للبنان، وإطلاق مهمة أوروبية لتدريب الجيش.

لكنه شدد على أن «التدريب وحده لا يكفي؛ لأنه لا يؤمن تلقائيا مرافقة الإمدادات وعمليات الإجلاء أو الانتشار قرب القرى الحدودية».

وتوقف عطوي عند كلمة رئيس الحكومة نواف سلام أمام الأمم المتحدة؛ حيث طالب بقوة بديلة تضمن استمرار المراقبة والإبلاغ والتواصل، إلى جانب تمويل احتياجات النازحين وإعادة الإعمار.

وقال: «هذا الطلب يكشف أن ما يحتاجه لبنان ضمانات عملية تتعلق بالوظائف الميدانية والموارد والانتشار، لا مجرد بيانات سياسية تعلن دعمه».

وحذّر من أن «احتمال اتساع التهجير يتعاظم إذا تقلصت المساعدات واستمرَّ الهدم وتعذر وصول الجيش. وهذا قد يعني نزوح من بقي من الأهالي، أو إطالة غياب النازحين، أو عودة يعقبها رحيل جديد».

وختم عطوي تصريحه بسؤال يختصر قلق أبناء الجنوب ومستقبلهم المعلق: «هل ستتركنا الحكومة بين براثن إسرائيل أم سنطرد؟ وإذا قررنا البقاء، فكيف سيكون وضعنا؟»