فوزي لقجع.. تكنوقراطي مغربي مثير للجدل يسعى لرئاسة “حكومة المونديال”

منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

لم يكن التحاق فوزي لقجع، الوزير المنتدب المكلف بالميزانية في حكومة عزيز أخنوش، بحزب الأصالة والمعاصرة مجرد انضمام جديد إلى حزب تصدر انتخابات 23 سبتمبر/ أيلول 2026 بهدف رئاسة الحكومة المقبلة، أو ما يسمى إعلاميا بـ"حكومة المونديال".

بل شكّل التحاقه مفاجأة؛ إذ ظل لقجع معروفا لسنوات بكونه تكنوقراطيا من دون انتماء حزبي، سواء خلال توليه مسؤولية وزارة المالية أو عبر قيادته للاتحاد المغربي لكرة القدم.

وفي 25 يوليو/تموز 2026، أُعلن التحاق لقجع بالمكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، خلال مشاركته في أشغال الدورة الثانية والثلاثين للمجلس الوطني للحزب (برلمان الحزب).

وأثار انضمام لقجع إلى الحزب جدلا واسعا، بالنظر إلى مكانته داخل المشهد المؤسساتي وتوليه مسؤولية الوزارة المنتدبة المكلفة بالميزانية.

كما يأتي ذلك في ظل إشرافه على عدد من الأوراش المالية والاستثمارية الكبرى، فضلا عن رئاسته للاتحاد المغربي لكرة القدم.

من هو لقجع؟

يُعد لقجع من بين الشخصيات التي بصمت المشهد الإداري والرياضي المغربي خلال العقدين الأخيرين، فقد جمع بين التكوين الأكاديمي، والخبرة في الإدارة العمومية، والتدبير الرياضي.

غير أن أهمية تجربته لا تكمن فقط في تعدد المسؤوليات التي تقلدها، بل في ارتباط اسمه، بمجموعة من الإنجازات خاصة الرياضية بما أنه يقود الاتحاد المغربي لكرة القدم منذ سنة 2014.

ولد فوزي لقجع في يوليوز سنة 1970 بمدينة بركان (شرق المغرب)؛ حيث تلقى تعليمه الابتدائي والثانوي، قبل أن يحصل سنة 1988 على شهادة البكالوريا.

 وبعدها انتقل إلى العاصمة الرباط لمتابعة دراسته العليا بمعهد الحسن الثاني للزراعة والبيطرة؛ حيث تخرج سنة 1994 مهندس دولة. كما تابع تكوينه بالمدرسة الوطنية للإدارة، وهو ما وفر له تكوينا يجمع بين المعرفة التقنية والإدارية.

وقد شكل هذا التكوين العلمي أساسا لمسار مهني داخل الإدارة العمومية؛ حيث بدأ عمله في وزارة الفلاحة، قبل أن ينتقل إلى المفتشية العامة للمالية التي تعدّ من أهم مؤسسات الرقابة المالية بالمغرب. 

وتدرّج في عدد من المناصب الإدارية، من بينها رئاسة قسم الشؤون الإدارية، ورئاسة قسم الفلاحة والمقاصة، قبل أن يُعين سنة 2010 مديرا للميزانية بوزارة الاقتصاد والمالية، وهو منصب يتولى مسؤولية إعداد وتنفيذ السياسة الميزانياتية للدولة. 

وفي سنة 2021 عينه الملك محمد السادس وزيرا منتدبا لدى وزيرة الاقتصاد والمالية مكلفا بالميزانية، غير أنه كان يظهر خلال مناقشة مشاريع الميزانية بالبرلمان المغربي هو المالك بزمام كل الأمور المالية.

فقد كانت وزيرة المالية نادية فتاح العلوي عن حزب التجمع الوطني للأحرار تكتفي بقراءة مشروع القانون بالبرلمان، لكن لقجع هو من يتكلف طيلة ساعات متواصلة بمتابعة كل تفاصيل النقاش المالي مع البرلمانيين والردّ عليهم وفي كثير من الأحيان بـ"شعبوية" السياسي لا التكنوقراطي.

صعود لافت

وإلى جانب مساره الإداري، ارتبط اسم فوزي لقجع بالرياضة، خاصة بمدينة بركان، فقد كان عضوًا في نادي النهضة الرياضية البركانية، كما ارتبط أيضا بفرع كرة السلة بالنادي خلال المرحلة التي توج فيها لأول مرة بلقب البطولة المغربية.

 غير أن حضوره الأبرز كان داخل فرع كرة القدم، ففي سنة 2009 تولى رئاسة نادي نهضة بركان؛ حيث حوّل الفريق خلال سنوات قليلة إلى أحد أبرز الأندية المغربية والإفريقية، وتوج بعدة ألقاب وطنية وقارية، وأصبح نموذجا يشار إليه في مجال الحكامة الرياضية.

وفي 13 أبريل/نيسان 2014 انتخب لقجع رئيسا للاتحاد المغربي لكرة القدم، لتشهد بعدها كرة القدم المغربية، خلال السنوات اللاحقة، مجموعة من الإصلاحات البنيوية، انعكست على نتائج الكرة المغربية في مختلف الفئات السنية.

فقد شهدت كرة القدم النسوية تطورا ملحوظا، سواء على مستوى البطولة الوطنية أو نتائج المنتخب الوطني، الذي بلغ نهائي كأس أمم إفريقيا وتأهل إلى نهائيات كأس العالم. وحققت كرة القدم داخل القاعة بدورها سلسلة من الإنجازات القارية والدولية.

كما واصلت منتخبات الفئات السنية تأكيد حضورها القوي، حيث توج المنتخب المغربي لأقل من عشرين سنة لأول مرة في تاريخه وكأول بلد عربي، بكأس العالم لكرة القدم للشباب في 20 أكتوبر 2025 التي أقيمت في تشيلي بفوزه على الأرجنتين.

أما الإنجاز الذي رسخ حضور المغرب عالميا، فتمثل في المشاركة التاريخية للمنتخب الوطني في كأس العالم قطر 2022؛ حيث بلغ نصف النهائي لأول مرة في تاريخ المنتخبات العربية والإفريقية، وبعدها بلغ دور ربع النهائي بكأس العالم 2026 بكل من أمريكا وكندا والمكسيك.

كما تمَّ تعيين لقجع رئيسا لـ"لجنة كأس العالم 2030"، وهي لجنة تتولى السهر على تنظيم الأحداث الرياضية المتوالية التي ينظمها المغرب خلال السنوات المقبلة.

وفي 5 أكتوبر 2023، استقبل الملك محمد السادس، بالقصر الملكي في الرباط، فوزي لقجع، الوزير المنتدب المكلف بالميزانية رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، وعيّنه رئيسا لـ"لجنة كأس العالم 2030".

وذكر بلاغ الديوان الملكي أن هذا التعيين يأتي بعد اعتماد مجلس الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا”، بالإجماع، ملف المغرب-إسبانيا-البرتغال كترشيح وحيد لاستضافة كأس العالم لعام 2030 للعبة ذاتها.

وعلى المستوى الدولي، انتخب لقجع عضوا بمجلس الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA)، كما أصبح نائبا أول لرئيس الاتحاد الإفريقي لكرة القدم (CAF)، وهو ما عزّز حضور المغرب داخل دوائر القرار الرياضي، وأسهم في تتويج جهود المملكة بالحصول، إلى جانب إسبانيا والبرتغال، على حق تنظيم نهائيات كأس العالم 2030.

من الرياضة إلى السياسة

بعد النجاح الذي حققه في الإدارة العمومية وفي تدبير كرة القدم، يرى متتبعون أن لقجع يحاول استنساخ هذا النجاح في المجال السياسي عبر انضمامه لحزب الأصالة والمعاصرة قبل أقل من شهرين على الانتخابات التشريعية التي جرت في 23 سبتمبر.

بينما، يرى آخرون أن النجاح الذي حققه لقجع في كرة القدم، لا يعني، بالضرورة، أنه سيحقق نجاحا مماثلا في المجال السياسي؛ لأن لكل مجال خصوصياته، وآلياته، ومعايير تقييمه. 

ورغم اختلاف الفريقين حول الهدف من تحول لقجع من "تكنوقراطي" بدون أي لون سياسي إلى قيادي بحزب الأصالة والمعاصرة، فإنّ هناك إجماعا على أن هذه الخطوة أعادت خلط أوراق حملة انتخابية كانت تتمحور حول ثنائية عزيز أخنوش رئيس الحكومة والرئيس السابق لحزب التجمع الوطني للأحرار وعبد الإله بنكيران الأمين العام لحزب العدالة والتنمية المعارض.

مجلة "جون أفريك" الفرنسية، رأت أن بنكيران كان يفرض إيقاع الحملة الانتخابية بفضل خطابه الشعبوي وانتقاداته الحادة، مستقطبا فئات مختلفة من المجتمع، لكن دخول لقجع غيّر قواعد اللعبة، وحوّل المواجهة من ثنائية محفوفة بالمخاطر بين الأحرار والعدالة والتنمية، إلى صراع أكثر قابلية للتحكم بين الأحرار والأصالة والمعاصرة.

ومنذ التحاقه بـ"الجرار" (رمز حزب الأصالة والمعاصرة) نفذ لقجع، عدة جولات تواصلية مع المواطنين بمختلف الجهات والمدن المغربية رافعا سقف الوعود والشعارات، ومهاجما حليف الأمس عزيز أخنوش رئيس الحكومة رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار السابق.

ورغم التنافس الحالي ومحاولة خلق قطبية بين الأصالة المعاصرة والتجمع الوطني للأحرار، فإن الحزبين يتقاسمان تاريخا متقاربا؛ إذ تأسس كلاهما لمواجهة خصوم سياسيين محددين. ومع عودة العدالة والتنمية للواجهة، يستعيد الأصالة والمعاصرة مع "نجمه الجديد" فوزي لقجع دوره كبديل غير إسلامي وذي مصداقية، لقيادة "حكومة المونديال"، أي الحكومة التي ستشرف على ترتيبات تنظيم المغرب لكأس العالم 2030.

جدية وانضباط

يُنظر إلى لقجع، كشخصية عملية وفعالة، تجمع بين الكفاءة والخبرة، مع صورة رجل قريب من الواقع المغربي، كما أنه لا تُعرف عنه فضائح، ويُوصف بالجدية والانضباط، رغم انتقادات تتعلق بتركيز السلطة.

ومع الانضمام المفاجئ لحزب الأصالة والمعاصرة، يبقى السؤال مطروحا: هل يسعى لقجع لرئاسة الحكومة؟ 

يرى محللون، أنه لا توجد مؤشرات واضحة، خصوصا أن الدستور ينص على تعيين رئيس الحكومة من الحزب الفائز، مسجلين أن انضمامه يعكس تحولات عميقة في المشهد السياسي أكثر مما يعكس طموحا شخصيا مباشرا.

فقد نجح لقجع، في غضون أيام قليلة، في تغيير معادلة الحملة الانتخابية. وربما لا تكمن "ضربته" في السعي للحكم، بل في إعادة تشكيل المشهد السياسي ومنح حزبه القدرة على استعادة المبادرة.

في المقابل، يرى آخرون، أنه منذ إعلان انضمامه للمكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، فإن منصب رئيس الحكومة المقبلة قد تم حسمه بالفعل، فالرجل "ابن دار المخزن" وهو من الشخصيات التي حققت إنجازات خاصة على المستوى الرياضي الأمر الذي قد يشفع له في المجال السياسي.

 فإعلان لقجع التحاقه بحزب الأصالة والمعاصرة، وفق هذا الطرح، لا يمكن أن يُقرأ إلا في إطار طموح المعني بالأمر إلى الترقي إلى منصب حكومي لا يمكن شغله دون لون سياسي، أي منصب رئيس الحكومة، خاصة أن هذا الطموح لا يتطلب فقط الاعتماد على شرعية التعيين وشرعية النتائج، بل يتطلب كذلك شرعية الانتماء للحزب المتصدر.

وينص الفصل 47 من دستور المغرب لعام 2011 بشكل صريح على أن الملك يعين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها.

ولهذا، فطموح لقجع لرئاسة الحكومة لا يمكن أن يتحقق دون انتماء سياسي معين يخول في حالة تصدر حزبه حق التعيين لمنصب رئيس الحكومة، أضف إلى ذلك أن له بروفايلا مناسبا لهذا المنصب.

الكاتب الصحفي عبد الله الترابي، رأى أن لقجع يتوفر على "بروفايل" مناسب لمنصب رئيس الحكومة، مبينا أن لديه تجربة إدارية، شعبية مرتبطة بكرة القدم، وحس تواصلي، وعلاقات ممتازة سواء بالأغلبية أو المعارضة، إضافة إلى علاقات جيدة بعالم الأعمال.

ويرى الترابي، خلال مشاركته في برنامج "صدى الأحداث" على قناة "ميدي 1 تي في " المحلية، أن لقجع شخصية غير عادية في الحياة السياسية المغربية، لذا فانضمامه إلى حزب الأصالة والمعاصرة يمكن أن يفهم بأنه رسالة على أنه هو رئيس الحكومة المقبل، مشيرا إلى أن هذا ما فهمه الرأي العام المغربي.

وإذا كان هناك شبه إجماع على أن دخوله عالم الانتماء الحزبي عبر حزب الأصالة والمعاصرة يشكل رسالة على أنه هو البروفايل القادم لرئاسة الحكومة المقبلة، فإن لقجع نفى أن يكون هذا الطموح ضمن حساباته الشخصية.

وخلال حوار مع مجلة "جون أفريك"، قال لقجع: "لم أفكر في هذا الأمر مطلقا ولن أفكر فيه أبدا"، مؤكدا أن تركيزه في المرحلة الحالية ينصب بالكامل على الانتخابات.

 وشدد قائلا: "لدي مهمة تنتهي يوم 23"، موضحا أن ما سيأتي بعد الانتخابات، بما في ذلك الصلاحيات الملكية وخارطة الطريق الخاصة بالمرحلة المقبلة، يدخل في سياق آخر.

وبخصوص مستقبله بعد الانتخابات، قال لقجع: "بعد يوم 23، كل شيء وكل قرار، وفي جميع الأحوال، سأكون دائما في خدمة ملكي وبلدي مهما كانت الوظيفة".