بعد سيطرة الحوثيين على باب المندب.. لماذا زار محمد بن سلمان القاهرة؟

"السعودية طلبت من مصر وفرنسا وبريطانيا وباكستان نشر تعزيزات للدفاع الجوي للمساعدة في التصدي للصواريخ والطائرات المسيرة الحوثية"
بعد خمسة أيام من سيطرة الحوثيين على الساحل الغربي في اليمن، وهيمنتهم على باب المندب والجزر المحيطة به، وبعد يوم واحد فقط من اجتماعه مع قائد القيادة المركزية الأميركية، زار ولي العهد السعودي محمد بن سلمان مصر في 15 سبتمبر/ أيلول 2026.
وجاءت الزيارة وسط توقعات بأن يطلب دعمًا عسكريًا، وأن يبحث مع القاهرة سبل التعامل المشترك بين البلدين مع التحدي الجديد الذي يفرضه الوضع في باب المندب على قناة السويس.
ولا تقتصر أهمية الزيارة على توقيتها الذي جاء عقب السيطرة الحوثية على باب المندب، وما تمثله من تهديد لمصالح السعودية، سواء فيما يتعلق بإمدادات النفط والمنشآت النفطية والقواعد العسكرية، أو لمصالح مصر المرتبطة بقناة السويس.
بل تكتسب أهمية إضافية لكونها جاءت بعد رفض أميركي، وبدرجة ما باكستاني وتركي، التدخل لحماية المملكة من الهجمات الحوثية، ما يشير إلى احتمال توجه الرياض لطلب دعم من القاهرة.
ورجح محللون أن تكون الدلالة الأولى للزيارة "عسكرية"، وترتبط بحاجة الرياض إلى دعم عسكري، إذ تمتلك مصر موقعًا إستراتيجيًا وقدرات بحرية وحضورًا سياسيًا في الضفة الأخرى من البحر الأحمر.
أما الدلالة الثانية فهي "إستراتيجية"، وتتعلق بتنسيق المواقف بين البلدين في البحر الأحمر، ووضع أطر جديدة للتعامل مع الواقع الذي فرضه الحوثيون في باب المندب.
ورغم أن تقديرات وتحليلات مختلفة رأت أن نتائج الزيارة المعلنة لم تتجاوز حدود "الدعم المعنوي" المصري للسعودية، توقع آخرون أن تقدم القاهرة على خطوة مشابهة لما قامت به تجاه الإمارات، بوصفها إجراءً رمزيًا.
وسبق أن أرسل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، في 7 مايو/ أيار 2026، مجموعة من الطيارين والمقاتلات المصرية إلى الإمارات، في خطوة قالت وسائل إعلام إماراتية إنها تهدف إلى "تعزيز القدرات العملياتية والاستعداد لمختلف التحديات".
وأثارت الخطوة تساؤلات بشأن دوافع إرسال قوات رمزية إلى الإمارات دون السعودية، رغم تعرض الأخيرة أيضًا لهجمات، وما إذا كان ذلك يمثل دعمًا رمزيًا للحليف أم انخراطًا في مواجهة مع إيران.
ويتزامن هذا التحرك مع محاولة تثبيت محور مصري سعودي في مواجهة بيئة أمنية إقليمية متزايدة الضغوط على الخليج والبحر الأحمر، إلا أن غياب آليات واضحة لهذا المحور يجعل الدعم المصري للرياض أقرب إلى خطوات سياسية ورمزية، على غرار ما قدمته اتفاقيات وتفاهمات سابقة مثل اتفاق مكة وغيره.

بيانات روتينية
كان لافتا أن بيان الرئاسة المصرية، وأيضا الديوان الملكي السعودي، أشار كما هو مُكرر في بيانات سابقة، أكد على دعم مصر للسعودية مع التمسك بالحل السياسي، وأظهر أن زيارة ابن سلمان إلى القاهرة كانت أمنية وسياسية بالدرجة الأولى، رغم إصباغ البيانات بعبارات التعاون الاقتصادي والقضايا الإقليمية الأخرى.
فقد حمل البيان المصري، رسالة واضحة بشأن الملف اليمني، مفادها أن "القاهرة تدعم الإجراءات السعودية لحماية أمنها واستقرارها"، لكنها في الوقت نفسه تؤكد ضرورة "الوصول إلى حل سياسي شامل ومستدام للأزمة اليمنية".
فقد صرح المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية أن "أمن السعودية ودول الخليج هو جزء من الأمن القومي المصري".
وأكد أن "مصر تضع أمن السعودية والملاحة في البحر الأحمر ضمن مصالحها المباشرة"، أي تتفق من الموقف السعودي في الصراع مع الحوثيين وأمن البحر الأحمر، ولكن من دون إعلان التزام عسكري مباشر في اليمن.
وأشار إلى "تحفظ ورفض وإدانة مصر الكاملة لأي اعتداءات أو تهديدات تمس سيادة المملكة واستقرارها وسلامة أراضيها أو حرية الملاحة في الممرات البحرية الدولية، وأن الظروف الحالية تقتضي المزيد من التضامن والتنسيق بين البلدين، وأن مصلحة وأهداف البلدين واحدة".
في المقابل كانت البيانات السعودية مقتضبة حول الزيارة، وتحدثت عن بحث عدد من الموضوعات على الساحتين العربية والإسلامية، وتطورات الأحداث في منطقة الشرق الأوسط، خاصة مناقشة الملفات المتعلقة بأمن واستقرار المنطقة بما يشمل أمن وحرية الملاحة البحرية، وتنسيق الجهود بشأنها.
وتشير خلاصة البيانين، إلى أن نتائج الزيارة الرسمية، ركزت على نفس ما قيل في مناسبات سابقة وخاصة إعادة تأكيد القاهرة أن أمن السعودية والخليج جزء من الأمن القومي المصري، والتنسيق المصري السعودي في مواجهة أزمة الممرات البحرية، دون تحديد طبيعة هذا التنسيق.
لذا رأت تقديرات وتحليلات أن نتائج الزيارة المعلنة لا تخرج "دعم معنوي" مصري للسعودية، لكن تقارير أخرى رجحت أن يكون الأمر المتعلق بالدعم العسكري وطبيعته تم بحثه سرا خاصة أن الزيارة بدأت بلقاء خاص بين السيسي وابن سلمان فقط، ثم انضم لهما مسؤولو الأمن القومي.
دلالات عسكرية
حين أعلنت السعودية، 30 يوليو 2026، استضافة اجتماع دولي لمناقشة إنشاء تحالف دفاعي بحري لحماية الملاحة في البحر الأحمر بعد إعلان الحوثيين المدعومين من إيران فرض "حصار بحري" على المملكة، كان موقف مصر غامضا.
فحين سُئل وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي عن انضمام بلاده للتحالف أشار إلى أن مصر شاركت في اجتماعاته الأخيرة، ولكنه أضاف أن "الاتفاقات التي تتضمن التزامات عسكرية يتم دراستها بعناية لاتخاذ القرار السليم"، ما يشير لتحفظات.
لذا، كانت الدلالة العسكرية الأبرز للزيارة هي أنها جاءت في لحظة تبحث فيها السعودية عن شبكة دعم وتنسيق إقليمية لمواجهة تهديدات الحوثيين وحماية المجالين الجوي والبحري، ولكن دون الكشف عن اتفاق محدد أو مشاركة مصرية مباشرة في العمليات ضد الحوثيين.
ورجحت الباحثة في معهد الشرق الأوسط بواشنطن ميريت مبروك، لوكالة الأنباء الفرنسية، في 14 سبتمبر، أن ابن سلمان "يسعى للحصول على ضمانات بأن مصر ستتدخل لحماية باب المندب إذا لزم الأمر".
وقالت "مبروك": إنه مع ذلك يظل موقف مصر تجاه التدخل العسكري "متحفظا"، مضيفة أنها "لن تنجرف إلى مواجهة عسكرية لا تعتقد أنها تصب في مصلحتها ويمكن تجنبها".
ونقلت صحيفة "واشنطن بوست"، في 16 سبتمبر، عن "مسؤولين إقليميين"، أن زيارة ابن سلمان لها علاقة بطلب السعودية "مساعدة حلفائها لأن مخزونها من الصواريخ الاعتراضية تضاءل وبدأ ينفذ"، في ظل استمرار المواجهة مع المتمردين الحوثيين.
وأوضح المسؤولان أن السعودية طلبت من مصر وفرنسا وبريطانيا وباكستان نشر تعزيزات للدفاع الجوي في المنطقة للمساعدة في التصدي للصواريخ والطائرات المسيرة التي يطلقها الحوثيون وجماعات أخرى مدعومة من إيران.
وذكر أحد المسؤولين أن هذه الخطوة جاءت بعد أن شهدت الولايات المتحدة -الحليف الرئيسي للسعودية وموردها الأول للسلاح- تراجعاً في مخزونها الخاص من الصواريخ الاعتراضية خلال فترة الحرب المستمرة منذ ستة أشهر مع إيران.
وقال أحد المسؤولين الإقليميين إن السعودية تمر بوضع "صعب للغاية"؛ إذ يتعين عليها حماية ليس فقط قواعدها العسكرية ومنشآتها الحكومية الحيوية، بل أيضاً منشآت النفط المنتشرة في أنحاء المملكة.
وتحدثت وكالة "اسوشيتدبرس"، في 16 سبتمبر، عن أن السعودية تبحث عن بدائل دفاعية إقليمية، وتواجه ضغطا على مخزونات صواريخ الدفاع الجوي، وتسعى للحصول على مساعدات عسكرية من دول بينها مصر وفرنسا وبريطانيا وباكستان.
ورأت أن زيارة ابن سلمان للقاهرة جاءت في سياق "محاولة توسيع شبكة الدعم الدفاعي الإقليمي"، لكنها أشارت إلى أن مصر، رغم ثقلها الإقليمي، "من غير المرجح أن ترسل قوات إلى اليمن".
وأشارت وكالة "رويترز"، في 14 سبتمبر، إلى تعزيز التنسيق الدفاعي المصري السعودي، ضمن تحرك سعودي أوسع لبحث الدعم الأمني والعسكري، دون تحرك مصري فعلي.
وشدد البيان المصري السعودي صراحة على أمن وحرية الملاحة في باب المندب والبحر الأحمر ومضيق هرمز، وهو ما يعني عسكريا، أن أمن الممرات البحرية أصبح ملفا مشتركا بصورة أوضح بين القاهرة والرياض، خصوصا مع تصاعد هجمات الحوثيين.
وفسر محللون مصريون تأكيد السيسي أن أمن السعودية ودول الخليج جزء من الأمن القومي المصري بأنه يمثل مظلة سياسية مهمة لأي تعاون أمني أو عسكري محتمل، لكنه لا يعني إعلان مشاركة عسكرية مصرية مباشرة في الحرب ضد الحوثيين.
وحول الدلالة العسكرية لزيارة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان إلى القاهرة، يرى الباحث ومحلل الشؤون العسكرية والإستراتيجية، محمود جمال، أن خروج ابن سلمان وزيارته إلى القاهرة في ظل هذا الوضع الأمني والعسكري شديد الاضطراب في المملكة، يحمل دلالة تتجاوز الطابع السياسي المعتاد للزيارات.
أوضح، عبر "إكس" أن توقيت الزيارة "يشير إلى ارتباطها بأمر ملحّ وعاجل دفع ولي العهد إلى التوجه بنفسه إلى القاهرة للقاء السيسي، رغم خطورة الوضع الأمني".
قال: إن الأمر يتعلق بطلبات دعم بقدرات عسكرية بشرية وفنية، وتوفير عناصر وخبرات يمكن أن يكون لها تأثير مباشر في القدرة على إدارة المعركة الجوية والدفاع عن المجال الجوي السعودي نتيجة التطورات الجارية بين أنصار الله الحوثي والمملكة العربية السعودية.
وربما يكون السعي السعودي نحو القاهرة قد جاء بعد رؤية المملكة أن مصر قامت بتقديم مفرزة جوية للإمارات أثناء الحرب الإيرانية الأميركية، وأن السيسي أرسل إلى الإمارات، بعد طلب إماراتي، مفرزة جوية مصرية تضم مقاتلات ومقاتلين مصريين.
شرح أنه في الظروف الأمنية المضطربة، تكون تحركات المسؤولين عادة في أضيق نطاق ممكن، وقد تتوقف تمامًا وفقًا لتقييمات وتقديرات مستوى الخطورة، ومن ثم، فإن اتخاذ قرار بالتحرك إلى خارج المملكة في مثل هذه الظروف يكتسب دلالة خاصة.
ورجح "جمال" أن الزيارة ترتبط باحتياجات المملكة العسكرية في مواجهة الهجمات التي تنفذها جماعة أنصار الله الحوثي.
قال إن الرياض "تسعى إلى الحصول على دعم عسكري دفاعي من أطراف متعددة، سواء في صورة معدات أو عناصر بشرية، لا سيما في مجالي القوات الجوية والدفاع الجوي".
وقد يشمل هذا الدعم احتياجات تتعلق بتشكيلات جوية أو "مفرزة جوية" تتكون من طائرات مقاتلة ومقاتلين، بالإضافة إلى منظومات دفاع جوي وضباط دفاع جوي، بما يعزز قدرة المملكة على التعامل مع الهجمات الحوثية ويحافظ على جاهزية منظومتها الدفاعية في ظل تصاعد الضغط العسكري عليها.
وعلق مصريون على سبب الزيارة احتمال توريط مصر في الحرب بالاستعانة بمقطع شعري من "مجنون ليلى" للشاعر أحمد شوقي، انتشر في قصة مجنون ليلي يقول: "جئتَ تطلبُ ناراً.. أم تُرى جئتَ تُشعلُ البيتَ نارا؟!".
وكان لافتا نشر صحيفة "المصري اليوم"، يوم 15 سبتمبر، أي بعد انتهاء زيارة ابن سلمان، تقريرا حول اقتراب موعد استحقاق وديعة سعودية بـ 5.3 مليارات دولار بعد أسبوعين، رغم أن موعد الاستحقاق معلوم مسبقاً، ما يشير ربما لتمديد السعودية الوديعة مقابل دعم عسكري من القاهرة.
وكشف مصدر رفيع بوزارة المالية لموقع "المنصة"، في 16 سبتمبر، عن اتفاق مبدئي بشأن تجديد وديعة المملكة البالغة 5.3 مليارات دولار لدى البنك المركزي، وضخ استثمارات سعودية جديدة في مصر بقيمة 10 مليارات دولار، بدون تأكيدات رسمية.
ووفقا لآخر بيانات البنك المركزي المصري، ضمن تقرير "الوضع الخارجي للاقتصاد المصري"، جاء أن موعد حلول استحقاق وديعة سعودية متوسطة وطويلة الأجل، خلال شهر أكتوبر 2026، بقيمة أصلية تبلغ 5.3 مليارات دولار.
وبحسب بيانات البنك يصل إجمالي الالتزامات المستحقة على الوديعة السعودية بنهاية فترة الاستحقاق في النصف الثاني من عام 2026 إلى نحو 5.434 مليارات دولار، بواقع 5.3 مليارات دولار تمثل أصل الوديعة، بالإضافة إلى نحو 134.8 مليون دولار فوائد مستحقة عن الفترة نفسها.
وتعد الوديعة السعودية البالغة 5.3 مليارات دولار، أحد مكونات الودائع العربية طويلة الأجل لدى البنك المركزي المصري، والتي بلغ إجماليها نحو 9.3 مليارات دولار، موزعة بين ودائع سعودية بقيمة 5.3 مليارات دولار وودائع كويتية بقيمة 4 مليارات دولار، وفق بيانات البنك المركزي.
وجاءت هذه التطورات بعدما طلب ابن سلمان من الرئيس الأميركي مساعدة عسكرية مباشرة في مواجهة الحوثيين، لكن شبكة "سي إن إن" نقلت، في 14 سبتمبر، عن مصدر لم تسمه أن ولي العهد السعودي تحدث مرتين، مع ترامب وحثه على توجيه ضربات للحوثيين، لكنه لم يستجب.
وهو ما أكدته وكالة "رويترز"، في 16 سبتمبر، مشيرة إلى أن واشنطن لم توافق على التدخل العسكري المباشر، واكتفت بتقديم دعم استخباراتي ومساعدة في تحديد الأهداف، بعدما قال ترامب إن الحوثيين تواصلوا معه و"هم لا يريدون تدخلنا"، وفق قوله.
وفي اليوم التالي، التقى ابن سلمان قائد القيادة المركزية الأميركية، الأدميرال براد كوبر، لبحث التطورات الإقليمية وتصاعد الهجمات الحوثية، دون نشر تفاصيل ما جرى مناقشته، ثم جاء لمصر، ما عده محللون مؤشرا لعدم وجود خيار عسكري واضح يمكنه الاعتماد عليه بمفردها، والبحث عن حلول مع القاهرة.
وكان مسؤول المخابرات السابق والخبير الإستراتيجي والمستشار الأكاديمي للمركز المصري للفكر والدراسات السياسية والإستراتيجية، الدكتور محمد مجاهد الزيات أشار إلى أن أحد هذه الحلول هي طلب وساطة مصرية مباشرة مع الحوثيين، خاصة أن القاهرة لديها قناة اتصال مع طهران، والسيسي ألتقي نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، أثناء قمة بريكس في نيودلهي.
وقال الزيات لـموقع "المنصة"، في 15 سبتمبر، إن القاهرة تجري بالفعل اتصالات متعددة المستويات، وإن الحديث عن وساطة مع الحوثيين ليس دقيقا، موضحا أن أي دور مصري محتمل يمكن أن يمر عبر التواصل مع إيران بوصفها الطرف القادر على التأثير في الحوثيين.
وأشار إلى أن توقيت الزيارة يفرض تنسيقا مباشرا بين مصر والسعودية بوصفهما من ركائز الأمن القومي العربي، في ظل تطورات هرمز وباب المندب، والهجمات الحوثية على الأراضي والمنشآت السعودية.

دلالات إستراتيجية
تشير تقديرات مصرية إلى أن الدلالة الأكثر أهمية للزيارة لا تتمثل في إعلان تحالف عسكري جديد، إذ لم يتضمن البيان الرسمي إعلان اتفاق دفاعي أو عملية عسكرية مشتركة، وإنما في اتجاه القاهرة والرياض إلى ترسيخ مستوى أوسع من التنسيق الإستراتيجي في ملفات أمن الخليج والبحر الأحمر وباب المندب واليمن والسودان.
وتكتسب هذه الملفات أهمية متزايدة في ظل الضغوط التي تواجه منظومة الأمن الإقليمي، وهو ما يفسر أهمية الزيارة من زاوية إستراتيجية تتجاوز بعدها البروتوكولي أو الاقتصادي.
ووفق تقارير وتقديرات عربية وأجنبية، فإن هناك زاوية أوسع لفهم الزيارة، إذ تشير إلى أن ولي العهد السعودي لم يأتِ إلى القاهرة بسبب الملف الحوثي وحده، وإنما في ظل إعادة التصعيد في المنطقة وما فرضه من إعادة ترتيب لأهمية التنسيق المصري السعودي، خصوصاً فيما يتعلق بأمن البحر الأحمر والممرات البحرية المرتبطة به.
وتكمن أهمية هذا التنسيق في الموقع الجغرافي للبلدين، فالسعودية تقع على الضفة الشرقية للبحر الأحمر وتواجه بصورة مباشرة تداعيات التهديد الحوثي في اليمن وباب المندب.
بينما تمسك مصر بالبوابة الشمالية لهذا الممر عبر قناة السويس، التي تأثرت إيراداتها بشدة نتيجة تراجع حركة الملاحة في البحر الأحمر منذ بدء هجمات الحوثيين على السفن عام 2023 بالتزامن مع حرب غزة.
وبلغت عائدات قناة السويس خلال السنة المالية 2025/2026 نحو 4.67 مليارات دولار، أي ما يقارب نصف مستويات الإيرادات التي كانت تحققها قبل اندلاع أزمة الملاحة في البحر الأحمر، وفق البيانات المشار إليها.
وتظهر بيانات منصة «بورت ووتش» التابعة لصندوق النقد الدولي أن متوسط حركة العبور اليومية في قناة السويس ظل عند مستويات تقل عن نصف المعدلات المسجلة قبل حرب غزة التي اندلعت عام 2023، في مؤشر على استمرار التأثير المباشر للاضطرابات الأمنية في البحر الأحمر على أحد أهم مصادر العملة الأجنبية لمصر.
وفي 14 سبتمبر، قال وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي: إن خسائر مصر من تراجع حركة الملاحة في قناة السويس بلغت نحو 11 مليارات دولار، ما يعكس حجم الكلفة الاقتصادية الممتدة لأزمة أمنية تقع جغرافياً خارج الأراضي المصرية.
ومن هذه الزاوية، فإن أي تهديد مستدام للملاحة في باب المندب لا يبقى مشكلة سعودية أو يمنية فحسب، بل يتحول إلى مشكلة مصرية مباشرة، بسبب انعكاساته على حركة السفن المتجهة إلى قناة السويس والإيرادات الناتجة عنها.
ويكتسب حضور رئيس المخابرات العامة المصرية ضمن الوفد المشارك في المباحثات أهمية إضافية في هذا السياق، إذ يوحي بأن مستوى التنسيق بين القاهرة والرياض يتجاوز الملف اليمني المباشر، ويمتد إلى تقدير أوسع للتهديدات الأمنية التي تؤثر في استقرار البحر الأحمر والمنطقة.
وبذلك، يمكن النظر إلى أزمة باب المندب بوصفها نقطة التقاء للمصالح الأمنية والاقتصادية المصرية والسعودية.

فبالنسبة إلى الرياض، يمثل أمن المضيق والبحر الأحمر عاملاً مرتبطاً بحماية السواحل والمنشآت وحركة صادرات النفط والتجارة، بينما ترتبط المسألة بالنسبة إلى القاهرة بصورة مباشرة بأمن الملاحة وقناة السويس وإيراداتها.
كما أن استمرار سيطرة الحوثيين على أجزاء من الساحل المطل على البحر الأحمر وقدرتهم على تهديد الملاحة في باب المندب يضيف بُعداً دولياً للأزمة، نظراً إلى ارتباط المضيق بحركة التجارة بين آسيا وأوروبا وبخطوط نقل الطاقة، وهو ما يجعل تداعياته تتجاوز الحسابات اليمنية والسعودية إلى أمن الممرات التجارية العالمية.
وفي هذا السياق، أشارت وكالة "رويترز"، في 14 سبتمبر، إلى أن التهديد الذي يمثله الحوثيون للملاحة في البحر الأحمر يمكن أن ينعكس على صادرات النفط السعودية وحركة التجارة العالمية.
أهمية التقارب المصري السعودي في هذه المرحلة لا يقتصر بالتالي وفق هذا التصور الإستراتيجي، على مواجهة تهديد محدد، وإنما يرتبط بإعادة صياغة مفهوم الأمن المشترك في البحر الأحمر.
إذ بات استقرار باب المندب مصلحة مصرية وسعودية في آن واحد، وأصبح احتواء تداعياته يتطلب تنسيقاً يتجاوز الاستجابة الأمنية الآنية نحو تصور أوسع لأمن البحر الأحمر والممرات التجارية المرتبطة به.
وقد أشارت تقارير غربية إلى أن أهم دلالة إستراتيجية للزيارة هي محاولة السعودية توسيع دائرة الاعتماد الأمني من واشنطن إلى شركاء إقليميين، وفي مقدمتهم مصر، في وقت أصبحت فيه السيطرة على باب المندب وتهديد طرق تصدير النفط السعودية قضية أمن قومي مشتركة.
وربطت وكالة رويترز، الزيارة مباشرة، نقلا عن مصادر، ببحث الرياض عن دعم بعد تراجع استعداد الولايات المتحدة وأوروبا للتدخل العسكري في اليمن.
لذا شدد بيان القاهرة والرياض، على أهمية ضمان حرية الملاحة في مضيقي هرمز وباب المندب وفي البحر الأحمر.
وبحسب مجلة "مودرن دبلوماسي"، في 16 سبتمبر، تعد دوائر الاستخبارات والإستراتيجية الصينية، مثل معهد بكين للدراسات الإستراتيجية الدولية ومراكز الأبحاث التابعة لوزارة أمن الدولة الصينية، زيارة ابن سلمان إلى القاهرة "محورًا أمنيًا وإستراتيجيًا بالغ الأهمية لإعادة تشكيل موازين القوى في البحر الأحمر".
وكذا، حماية أمن الطاقة العالمي، وتعزيز التماسك الاقتصادي والتفاهم المشترك داخل مجموعة البريكس.
واعتمدت المملكة بشكل أكبر على مصر لتصدير النفط لا سيما عبر خط أنابيب "سوميد" البري، حيث يُنقل النفط الخام من ميناء ينبع السعودي على البحر الأحمر إلى العين السخنة في مصر ومنها عبر الأنابيب إلى ميناء سيدي كرير على البحر المتوسط.
وكانت صحيفة "العربي الجديد" نقلت في 14 سبتمبر، عن مصادر مصرية أن السلطات المصرية رفضت مقترحاً من جماعة الحوثيين في اليمن، بشأن التنسيق مع هيئة قناة السويس والموانئ البحرية وتنظيم الملاحة البحرية في باب المندب والبحر الأحمر.
حيث تحرص مصر على عدم منح الحوثيين أي اعتراف رسمي بوجودهم، وبما يضمن عدم تأثير العمليات العسكرية على مرور السفن المصرية وحركة الملاحة الدولية في كل من البحر الأحمر وقناة السويس أو تغيير المعادلة السياسية، حيث تعترف مصر بالحكومة اليمنية الشرعية فقط.
المصادر
- Saudi crown prince seeks Egypt’s backing as Houthi attacks rattle Red Sea oil routes
- Saudi crown prince, US CENTCOM chief discuss developments after Houthi escalation
- Saudis seek allies’ help as missile defenses run low in fight with Houthis, officials say
- Why MBS’s Cairo Visit Matters for BRICS and the Global South
- البنك المركزي: استحقاق الوديعة السعودية بـ 5.3 مليار دولار بعد أيام
- زيارة بن سلمان إلى مصر.. السعودية تبحث عن مخرج من ضغط هرمز والحوثيين

















